لا مجانين في

لا مجانين في "مونو"

مبنى في بيروت (1982)

كلّما شعرنا بالندم عضضنا أصابع الديناميت،
وكلّما تعلّقنا بحواف الغربال عَصَرَنا إبهام المدينة المكتنزة بدقيق الملح.
نحن خيط النمل الذي أحدث ثغرةً في سُكّرة العيد؛ ليمرَّ من خلالها قرطك الطويل كسنوات الحرب التي تدور هناك.. انظري
نحن العصافير التي تحطُّ على فخاخ الكلمات، ونحن الصيّاد، والضوء الذي يصوّبه الناقد على أعشاشنا كلّ مساء، ونحن الغصن والشجرة وناطور المستديرة، وبائع الفستق المحمّص في حي الشيخ عقيل.
أمّا أنتِ
يا قصيرة كزهرة بتونيا 
وياهادئة كغيمة في البال
ويا سريعة كالفرح العربي
قلبي مملوء منكِ وبكِ
حان الوقت لأدلق دلو الصمت، وإن أرقت قدسيته، لقد تعبتُ من النظرِ في عيونكِ يا ذئبة، ومن ملامسة أسنانكِ اللبنيّة، ومن تلوين مخالبك بالأخضر الداكن.
كلّما مررت بالقرب من بائعي الورد في شارع الحمراء، ظنّوا أنني منافسهم، أدركتُ ذلك متأخرًا حيث جراحي التي خلّفتها مخالبكِ بدت لهم طاقة ورد طازجة.
لحق بي نادل المقهى، لم ألمه، أوقفني بعدما لمح على صدري ما يشبه زهرة اصطناعية تشبه تلك التي تتوسط الطاولة التي جلسنا عليها سوية قبل قليل.
أورثتنا الحرب اللامبالاة، وأنتِ أورثتني الخوف والارتباك.
مرةً سألتني المحققة التي تقوم بكتابة محضر تحقيق حول تلف هويتي.
ماذا تعمل؟
تخيّلي من شدة ارتباكي، أجبتها حارس مرمى
بدلًا من حارس مبنى،
أقطن على سطح بناية في طريق الشام وسط بيروت، تُطلّ على خراب قديم، بمحاذاة مبنى مرصع بالغرانيت الأخضر، أنا الأخ الأوسط لحسن رابح ونورهان حمّود.
أفيدكم بصراحة، ومنذ حوالي السنة، وأثناء قيامي بتقليم أظافر الحرب، تعرضت بطاقة هويتي السورية للكسر والتلف، علمًا أنه ليس هناك أي سوء نية في ذلك. 
أخيرًا؛ ولأنني أؤمن أن لكلّ حيّ مجنون، أدركت أن لا مجانين في "مونو"، فصرت أصرخ بوجهكِ لا مباليًا بصباحات الآحاد المملّة.

بيروت يا ذئبتي الأليفة،
يا سليلة الحرب والحياة كيف لنقيضين أن يجتمعا.
وعليه أوقّع.

اقرأ/ي أيضًا:

مونيكا بيلوتشي.. أحبّيني

حزن وشبه جملة