لا شيء يهتز.. حتى الهواء!

لا شيء يهتز.. حتى الهواء!

مقطع من غلاف الكتاب

قنص الوقت لحظةً لحظة

أمامي شارعٌ يمتد خمسين مترًا
أحفظه أكثر من وجهي
كل نافذةٍ أو بابٍ أو فتحةٍ مكمنٌ..
أُردي الهواء إن تحرّك.
قناص الطرف المقابل نمّى المهارة ذاتها؛
ما عاد يخطئ النَفَس الطالع مني.
أحلم بما لا يتجاوز سرعة الطلقة: 
خفيفًا من سلاحي وجعبي
نظيفًا مكوي الثياب كصبيحة العيد
أليفًا مع المكان وأهله...
قناص الطرف المقابل يحلم مثلي؛
كجارين في شارع سيلقيان التحية عندما يقتربان
نحلم أننا ننسى 
ونعبر.
كإصبعٍ مشدودٍ على الزناد نحلم،
خمسون مترًا طول الشارع
ولا نصل!
خيالنا متكلسٌ من احتراف الموت
-بزاوية رؤية محددةٍ بمنظار البندقية- 
يرانا
أبلهين مسرنمين/هدفين أكيدين..
نشهق بين النوم والصحو؛
كدنا نصاب بالشفقة على شيءٍ ما!
قبل أن يُفَتِّح فينا الرصاص منافذ للهواء.

الوقتُ جمادٌ
ليس أقل من ركام هذا الشارع
ولا أقل مني أو من قناص الطرف المقابل
وما بيننا من هواء...
جامدون 
كمن التُقِطوا في صورة.

لا الصامتة

الخوف يمشي على قدمين؛
أناسٌ لا يعرفنا أحد
أجّلنا إحصاء خسائرنا
وسؤالنا المكتوم
إننا؛ بأسمائنا نفسها
لكنها اليوم تخلو من دلالةٍ أو معنى 
كأسماء الطيور أو الأعشاب بلغةٍ أخرى.
لا يرن الصوت كما كان من قبل!
لا شيء يهتز، حتى الهواء!
نقول أسماءنا بلفظها الصحيح لأنفسنا
ونضبط إيقاع تنفسنا
إذ نرد على الأسئلة بأجوبة محضّرةٍ مسبقًا.
واضعين ساقًا مرتخيةً نحيلة على أختها
متكئين على الركبة بأكواعنا
يدنا مرفوعةٌ كوتدٍ مائل تحمل سيجارة
كأننا كلمة لا صامتة..
ذلك الصمت؛ حكمة المستسلم!
ودخاننا لا ينقطع
دخان صبرنا المتحرق.
في الأمس فقط 
كان لأسمائنا وقعٌ في أرضنا
وفروعٌ تمسك بالسماء.
اليوم مطوّحون بلعنة الخفة
إلى مقعدٍ شاغرٍ في حديقة
نأخذ عنه اسمنا الرسمي
ورقمًا في وكالات الغوث
ونتعلم دروس التأقلم وصناعة الكلس؛
من انتظارٍ وخوفٍ 
نُصَلِّب جدرانًا مؤقتة ترد عنا مرور الوقت،
ونقول: لسنا نحن اللاجئين
هي البلاد التي رحلت!
ونلوب نلوب؛
إمبراطوريةً تمشي على قدمين.

نبـيٌ ملقىً على الشاطئ

هل رأيت الغريق على الشاطئ،
الطفل النازل من أعالي الجبال،
الزبد الناعم الذي حمله
وكلله بلا انقطاع؟
هل أحسست بالصفعة؟
لم يعد ما كتبته قبل هذا المشهد صالحًا:
    هذه الحرب تشبه الشتاء
    يكفي الشارع الخالي
    وهبة الريح تحمل على أطرافها الرصاص
    وأصوات الهتاف
    لأرى طين يناير معجونًا بالدم.
ولن تنفع زيادةٌ في جرعة الرومانسية:
    ماذا قلتَ حين ارتطم بك البحر؟
    للحياة بنيان الزبد
    وللموت وحده ملمس بحر كثيف.
ولا الحكمة البسيطة تُسلي:
    عاش أبو الهول أبدًا لأنه اقتات على رمل الصحراء
    ويعيش الإنسان جديدًا لأنه يقتات على أخيه الإنسان.
مهما حاولتَ وقلت، وضج الزبد فيك واحتقن قلبك
لن يتغيّر شيءٌ
فلا عبرة تُرجى من الحرب
الناجون منها يتمنون اليوم لو قضوا فيها
لطول الموت الباقي أمامهم..
فماذا تفعل؟
تعدُّ البحر معهم موجةً موجة؟
-لا تكفي واحدةٌ لوصفه كله-
كل موجةٍ كأنها الأولى
كأنها الأخيرة.
الموج
من صفعة الغريق على وجه الماء
يأتي.

* من كتاب "تمارين على الجدوى". يصدر قريبًا عن "دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع"

اقرأ/ أيضًا:

كيت شوين: قصة ساعة

الذي يفقد ظله