"لا خيار آخر": أتقتل منافسك لتأخذ وظيفته؟
5 ديسمبر 2025
يُقرأ العنف في الفيلم الكوري الجنوبي "لا خيار آخر" (No Other Choice ) عبر مستويات عدّة؛ أبسطها الماديّ المباشر، الواقع على هامة رجلٍ فقد عمله، ليمتدّ لاحقًا إلى كل ما يهدّد وجوده الروحي والنفسي، معلنًا الخراب، ومبشّرًا بنوعٍ من الخصاء لا يدرك فحواه وعمقه سوى الرجال الذين ارتبطت قيمتهم طويلًا بما يعملون وبما يجنونه من مال. حبكة الفيلم غير معقّدة، لكن نتائجها كذلك. وربما حين قُدّمت الفكرة إلى الجهة المنتجة لُخّصت في السطر التالي: هل تقتل لتحصل على وظيفة؟
بطل الفيلم هو يو مان-سو (Yoo Man-su)، رجلٌ ذو وظيفة مرموقة يعمل في شركة تُصنّع الورق من الأشجار. وبعد خدمة تمتدّ لخمسةٍ وعشرين عامًا، يُسرَّح من عمله ليواجه كل ما يواجهه العاطلون عن العمل من مآسٍ، إلى أن يصل به الحال إلى القتل الفعلي.
أفلام تتصادى في وادي الأفلام السحيق
دون أن يبتعد عن روح أفلام مثل "سائق التاكسي" (Taxi Driver) و"طفيلي" (Parasite)، يرتبط فيلم "لا خيار آخر" بخيطٍ واحدٍ مشدود على حافة الوجود المعاصر: الإنسان الذي تسحقه البُنى الاقتصاديّة والاجتماعيّة قبل أن يذهب هو نفسه إلى العنف. ففي الأفلام الثلاثة يظهر العنف كفعلٍ فردي، لكنه أيضًا عنفٌ ممنهج، يأتي كحصيلة حتميّة لعالمٍ رأسماليٍّ معولمٍ أفرغ الإنسان من معناه، وجرّده من موقعه داخل الطبقة الوسطى التي انهارت أمام سرعة التكنولوجيا وتحوّلات السوق.
هذا ما أراد مناقشته المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان–ووك (Park Chan-wook)، أحد أبرز الأصوات السينمائيّة في كوريا والعالم، وصاحب أفلام رسّخت اسمه عالميًا مثل "الولد العجوز" (Oldboy, 2003)، و"انتقام السيدة" (Lady Vengeance, 2005)، و"الخادمة" (The Handmaiden, 2016)، و"القرار بالمغادرة" (Decision to Leave, 2022)، الذي نال عنه جائزة أفضل إخراج في مهرجان "كان".
حبكة الفيلم غير معقّدة، لكن نتائجها كذلك. وربما حين قُدّمت الفكرة إلى الجهة المنتجة لُخّصت في السطر التالي: هل تقتل لتحصل على وظيفة؟
ينتمي تشان–ووك إلى الجيل الذي أعاد تشكيل ملامح "الموجة الكورية الجديدة"، عبر سينما تنبش في العنف والصدمة والهواجس الأخلاقيّة، وتعيد صياغتها ضمن جماليات معقّدة لا تفصل بين المتعة البصريّة والقلق الوجودي.
العنف، مرآة الرأسمالية ودمويتها
تكمن أهمية هذا المشروع في قدرته على التعامل مع العنف كفعلٍ جسديّ، ثم الارتقاء به لاختبار بنية المجتمع وانكساراته؛ إذ يتسلّل العنف فيه راشحًا عبر الطبقات النفسية والثقافية والسياسية، مُشرّحًا ظواهر حياتنا بلا هوادة، ومقدّمًا شخصيات تتضارب بين حائطٍ وحائط، بين خيارٍ مغلق وآخر أشدّ انغلاقًا، ودائمًا على الحافة بين ما هي عليه الشخصيات الآن من ألقٍ وسلام وتعافٍ، وما يمكن أن تتحوّل إليه تحت وقع الخوف أو الغيرة أو الخسارة.
ولهذا، إذا نظرنا في جوهر مشروع تشان-ووك السينمائي، سنعلم دون جهدٍ حقيقي أنه ليس مجرد صانع أفلام يلاحق جمال الحرفة، مقاربًا السينما كمؤلف حكائي بصري فقط، بل سنلمح سؤالًا سياسيًا واجتماعيًا حاضرًا بحرارته، يناقش "التوحّش" الذي يسمح للأنظمة بأن تأكل البشر نيّئين، بدمائهم وأحلامهم. هناك يعمل تشان-ووك فكريًا وسينمائيًا بتطرّف، منقادًا إلى لعبة تجري دومًا على حدود الأخلاق، وعلى جسورها المتقلقلة، وعلى احتمالات انهيارها، وعلى هشاشة الثنائية التي لم تُقهر إلا هنا والآن: ثنائية الطبيعة والإنسان، اللذين لطالما حاربا بعضهما أو انسجما، لكنهما يبدوان اليوم، في هذا الفيلم، كما لو أن الأشجار جثثٌ مرمية على أعتاب الشركات الكبرى التي تلتهمها وتمضغها وتلفظها فضلات، تمامًا كما تفعل بالأفراد.
حقق فيلم "لا خيار آخر" حضورًا لافتًا منذ عرضه الأول عام 2025 في مهرجان "فينيسيا" ضمن المسابقة الرسمية، قبل أن يفتتح لاحقًا عروضه في كوريا الجنوبية محققًا أعلى إيرادات افتتاحية في مسيرة بارك تشان-ووك، وليستعيد تكلفته الإنتاجية كاملة بفضل المبيعات المسبقة لحقوق العرض. وقد ترافق هذا النجاح النقدي والتجاري مع احتفاء عالمي بالفيلم بوصفه عملًا يمزج بين الكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي الحاد، ما جعله يُختار لاحقًا لتمثيل كوريا في سباق جوائز "الأوسكار".
ابحث عن الرواية، لاحق الأدب
أُنجز الفيلم بميزانية ضخمة، وتعاونت على إنتاجه شركات كبرى، وجمع نخبة من أبرز الممثلين الكوريين، من بينهم لي بيونغ-هون وسون يي-جين، فيما تولّى بارك تشان-ووك كتابته وإخراجه، مستلهمًا رواية الكاتب الأميركي دونالد إي. ويستليك (The Ax) الصادرة عام 1997، وهي الرواية التي شكّلت سابقًا أساسًا لفيلم أوروبي بعنوان (Le Couperet) عام 2005، مما يجعل "لا خيار آخر" ثاني اقتباس رئيسي لها في السينما العالمية. وما يلفت في هذا الفيلم أنه يأتي في لحظة تاريخية تتقاطع فيها البطالة والأتمتة وتفكك الطبقة الوسطى، ليقدّم قراءة سينمائية تُعرّي تهاوي الإنسان عندما تُختزل قيمته إلى ما يفعل ويجني، أي عندما يكون ما تعمل… هو أنت.
في الفيلم، تقول إحدى الزوجات قبل أن تنهي حياة زوجها، الذي حوّل باكتئابه لخسارته عمله حياتها إلى جحيم بكل المعاني والمستويات: "لم يهمّني أنك خسرت عملك، بل كيف تعاملت مع تلك الخسارة."
بمهارة وسوداوية وسخرية مُرّة، وعنفٍ مبرَّر، يقدّم "لا خيار آخر" قراءة بصرية لمجتمعٍ معاصر يتغيّر بسرعة لا تتيح لأفراده التقاط أنفاسهم، مانحًا هذا التهاوي نبرة فلسفية وسوسيولوجية تجعل منه واحدًا من أكثر الأفلام تعبيرًا عن حاضرنا القلق.







