"لا حرب.. لا سلام".. عمليات الفجيرة تفشل في إشعال الحرب بالشرق الأوسط

تميل واشنطن وإيران إلى احتواء الأوضاع ولا تفضلان الذهاب إلى حرب (رويترز)

أدخل تعرض أربع سفن تجارية لـ"عمليات تخريب" قرب إمارة الفجيرة أكبر مراكز تزويد السفن بالوقود في العالم، المنطقة في دوامة المجهول، وسط تبادل الاتهامات بين الأطراف الدولية حول منفذ هذه العمليات التي قد تقود الشرق الأوسط إلى حرب عسكرية، فيما تشير التقارير الصحافية لمحاولة واشنطن وطهران بطرق غير مباشرة احتواء الموقف المتأزم دون أن يظهر كل طرف خضوعه أو خسارته أمام الطرف الآخر.

تأتي العمليات التي استهدفت ميناء الفجيرة بعد أقل من شهر على تهديدات الحرس الثوري الإيراني بإغلاق مضيق هرمز إذا مُنعت طهران من استخدامه، ويعد المضيق معبرًا استراتيجيًا مهمًا لناقلات النفط العالمية،

"عمليات تخريب" تطال سفنًا تجارية

قالت الإمارات الأحد الماضي إن أربع ناقلات نفط تعرضت لـ"عمليات تخريب" قرب إمارة الفجيرة الإماراتية التي تقع خارج مضيق هرمز مباشرة، وتشكل أحد أكبر مراكز تزويد السفن بالوقود في العالم، مشيرًة إلى أن من بين السفن المستهدفة سفينتان تجاريتان سعوديتان، وواحدة تحمل علم الإمارات، وأخرى مملوكة لشركة نرويجية.

أقرأ/ي أيضًا: بعد تعزيز واشنطن ترسانتها العسكرية.. هل ينتظر الشرق الأوسط حربًا شاملة؟

وتأتي العمليات التي استهدفت ميناء الفجيرة بعد أقل من شهر على تهديدات الحرس الثوري الإيراني بإغلاق مضيق هرمز إذا مُنعت طهران من استخدامه، ويعد المضيق معبرًا استراتيجيًا مهمًا لناقلات النفط العالمية، ويعبر من خلاله خمس استهلاك النفط العالمي من منتجي النفط الخام في الشرق الأوسط إلى الأسواق الرئيسية في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية وخارجها، ويفصل ممره المائي الضيق إيران عن شبه الجزيرة العربية.

 وبعد أقل من يوم على العمليات التي طالت الميناء الإماراتي، تبنت جماعة الحوثي اليمنية الموالية لإيران هجومًا بطائرات مسيّرة مفخخة استهدف محطتَي ضخ لخط أنابيب نفطية لشركة أرامكو السعودية، وقالت الشركة إن المحطات المستهدفة بالهجوم تنقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على الساحل الغربي.

وأنحت إيران بمسؤوليتها عن العمليات التي استهدفت الميناء الإماراتي، ودعت إلى فتح تحقيق دولي لكشف ملابسات الحادثة، مطالبة "بتوخي الحذر من مؤامرات لزعزعة الاستقرار من قبل عناصر أجنبية"، في الوقت الذي جدد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته لطهران، مشيرًا إلى أنها إذا فعلت "أي شيء سيكون ذلك خطأ فادحًا جدًا"، وسط مخاوف من زيادة التوتر بين الطرفين الذي قد يفضي لمواجهة عسكرية في المنطقة.

"العمليات التخريبية".. من يقف خلفها؟

على عكس الهجمات التي ضربت محطتي الشركة السعودية، وأعلنت جماعة الحوثي تبني تنفيذها عبر قناتها التلفزيونية الرسمية "المسيرة"، فإن العمليات التي استهدفت ميناء الفجيرة لا تزال مجهولة المنفذ، لكنها قد ترفع من منسوب التوتر العسكري الذي تشهده المنطقة بشكل طبيعي، بالأخص أن واشنطن زادت من ترسانتها العسكرية في الشرق الأوسط بموافقتها على نشر صواريخ باتريوت إضافية، وذلك بعد أقل من أسبوع على نشر حاملة الطائرات أبراهام لنكولن ومجموعتها القتالية في المنطقة، وقالت إن القرار جاء بناء على تقارير تتحدث عن محاولة طهران استهداف القوات الأمريكية في الشرق الأوسط.

فقد استبق الهجوم بمجموعة من التقارير الغربية التي نقلت عن مسؤولين أمريكيين حصول واشنطن على معلومات مرتبطة بمخططات إيرانية لاستهداف القوات الأمريكية في سوريا أو العراق أو المنتشرة في الكويت، بالإضافة لشن هجمات عبر مضيق باب المندب جنوب غرب اليمن من خلال جماعة الحوثي، مضيفًة أن الهجمات قد تكون عبر الطائرات المسيّرة أو المتفجرات.

وسارعت إيران لنفي ضلوعها بالهجمات التي ضربت الميناء الإماراتي على عكس الحوثيين الذين تبنوا رسميًا الهجوم الذي استهدف شركة أرامكو السعودية، واتهم المتحدث باسم البرلمان الإيراني بهروز نعمتي في وقت لاحق إسرائيل بالوقوف وراء الهجوم الذي استهدف ناقلات النفط قبالة السواحل الإماراتية، دون أن يدعم اتهامه بأي تفاصيل عن الدور الذي قد تكون إسرائيل لعبته في الهجوم.

واستبعد الكاتب باتريك كوكبيرن في مقال نشره في صحيفة الإندبندنت البريطانية تورط إيران بالهجوم الأخير، مشددًا على أن تفاصيله لا تزال غامضة، ولا وجود لأي معلومات واسعة حوله، إلا أنه قد يؤدي إلى أزمة تخرج عن نطاق السيطرة، مشيرًا إلى أنه في ظل هذا الجو المحموم فإن أي حادث يمكن أن يكون الشرارة التي ستشعل حريقًا بالمنطقة.

لكن مسؤول أمريكي أشار في حديثه لوكالة أسوشييتد برس إلى أن تقييمًا أمريكيًا أوليًا يكشف تورط إيران أو وكلاء لها في الهجمات التخريبية، مضيفًا أن كل سفينة بها فجوة طولها خمس إلى عشر أقدام (حوالي 1.5 متر إلى ثلاثة أمتار)، وأن فريق المحققين الذين أرسلته واشنطن للمساعدة بالتحقيقات يرى أنها ناجمة عن عبوات ناسفة.

محللون توقعوا في معرض تعليقهم على الحادث أن وقوع الانفجارات داخل السفن يرجح أنه تم إدخال متفجرات إلى السفن المستهدفة وفق خطة مدروسة، مع فرضية أن تكون التفجيرات مفتعلة، أو نفذتها جهات قريبة من إيران أو قريبة من التنظيمات الإسلامية المتطرفة، وسط غموض يلف الحادث الذي لم يشهد إطلاق نار ولا سقوط ضحايا في السفن أثناء وقوع الهجوم، وعلى الرغم من تقليل المحللين وقوع هجوم عسكري إلا أنهم اعتبروا أن الحادث غير مهم إلا من حيث توقيت حدوثه.

وكانت وكالة أسوشيتد برس قد ذكرت في تقرير لها أن الصور التي ألتقطت عبر الأقمار الصناعية أظهرت عدم وجود أي ضرر كبير في السفن المستهدفة بالهجوم، مشيرًة إلى أن الصور أظهرت حاجزًا عائمًا حول إحدى السفن مفترضًة حدوث تسرب نفطي، فيما لم تظهر أي أضرار كبيرة على السفن الثلاث أو أنها عرضًة للغرق.

من المستفيد من قوع "العمليات التخريبية"؟

بعد يوم واحد من الحادث الذي وقع قبالة ميناء الفجيرة شهدت بورصات الخليج هبوطًا بفعل توترات التجارة والقلق من هجمات على سفن أخرى، وسجل مؤشر سوق دبي للبورصة أدنى معدل بين بورصات الخليج بنسبة تصل إلى أربعة بالمائة، وهو أدنى تراجع له في يوم واحد منذ حزيران/يونيو 2016، فيما سجل المؤشر الرئيسي للسوق السعودية هبوطًا بنسبة 3.6 في المائة، ومن المتوقع أن تشهد أسعار النفط الخام وأسواق البورصة الخليجية تقلبًا ملحوظًا في غضون الفترة القادمة بناء على التطورات العسكرية التي تشهدها المنطقة.

وكما كان متوقعًا فقد ارتفعت أمس الثلاثاء أسعار النفط في الأسواق العالمية عقب الهجمتين المنفصلتين اللتين استهدفتا السعودية والإمارات، ووفقًا لصحيفة العربي الجديد فقد بلغت العقود الآجلة لخام القياس العالمي برنت 70.79 دولارًا للبرميل مرتفعة 56 سنتًا بزيادة 0.80 بالمائة، بينما بلغت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 61.35 دولارًا للبرميل مرتفعة بزيادة 0.51 بالمائة، لكن العقود الآجلة لخام القياس العالمي سجلت صباح اليوم الأربعاء هبوطًا بنسبة 20 سنتًا أو 0.3 في المائة عن أخر إغلاق لها.

وكانت حزمة العقوبات الاقتصادية التي أعادت واشنطن فرضها على طهران قد تسببت بانخفاض صادرات النفط الإيراني من 2.8 إلى 1.3 مليون برميل يوميًا خلال العام الماضي، وترجح تقارير اقتصادية انخفاض الصادرات النفطية الإيرانية بعد إنهاء فترة الإعفاء لثماني دول لاستيراد النفط الإيراني، في وقت ارتفعت نسبة التضخم في إيران إلى 40 بالمائة.

وتسعى الولايات المتحدة لتغطية متطلبات السوق العام من النفط الخام الإيراني، فضلًا عن تقارير منفصلة نقلت عن مسؤول تنفيذي في شركة أرامكو السعودية عملها على وضع خطة لتعزيز الإمدادات النفطية إلى أوروبا بمقدار 300 ألف برميل يوميًا خلال العامين القادمين، حيث تركز الذراع التجارية للشركة على ترتيبات جديدة تتعلق بالمعالجة لإمداد الأسواق الأوروبية بكل من النفط الخام والمنتجات النفطية.

تداعيات "العمليات التخريبية" على التهديدات الأمريكية  

التصعيد العسكري الأمريكي الأخير اتجاه إيران، بالإضافة لإعادة فرض حزمة العقوبات الأمريكية على طهران بعد إلغاء ترامب للاتفاق النووي الإيراني، التي أضاف عليها حزمة عقوبات جديدة شملت قطاع المعادن الصناعية، دفعت بطهران للإعلان رسميًا الأربعاء عن تحللها من بعض التزامتها بالاتفاق النووي، مشيرًة إلى أنه ليس لديها حد من الآن فصاعدًا لإنتاج اليورانيوم المخصب والمياه الثقيلة، وحذرت طهران الأسبوع الماضي من أنه إذا لم توفر القوى العالمية الحماية لاقتصادها من العقوبات الأمريكية في غضون 60 يومًا فستبدأ تخصيب اليورانيوم بمستوى أعلى.

جاءت التصريحات الإيرانية الأخيرة في سياق تداعيات العمليات التي استهدفت ميناء الفجيرة، واتهام واشنطن وحلفائها الخليجيين طهران بالوقوف خلفها، فقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن الإدارة الأمريكية تدرس خطة عسكرية مطورة تشمل تصورات بإرسال قرابة 120 ألف جندي إلى الشرق الأوسط تحسبًا لمهاجمة إيران قوات أمريكية أو تسريعها العمل على إنتاج أسلحة نووية، وبحسب الصحيفة الأمريكية فإن الخطة قدمت قبل ثلاثة أيام من وقوع العمليات التخريبية.

إلا أن التصعيد الأمريكي الذي يأتي موافقًا لسياسة حلفائها الخليجيين يبدو أنه لا يتوافق مع سياسة دول الاتحاد الأوروبي، فقد أعلنت إسبانيا قبل يومين سحبها فرقاطتها المرافقة لمجموعة السفن الأمريكية التي أرسلت إلى الشرق الأوسط، مشيرًة إلى أن انسحاب الفرقاطة تم "بشكل مؤقت"، وأنها ستلتحق بالمجموعة المذكورة في حال غادرت الأخيرة منطقة الشرق الأوسط.

كما أن أروقة الكونغرس الأمريكي تشهد انقسامًا بين أعضائه نتيجة امتناع إدراة ترامب عن إطلاع بعض الأعضاء على المعلومات المرتبطة بالتصعيد العسكري اتجاه إيران، حيث شكا بعض النواب الجمهوريين من أنه لا يجري إطلاعهم على شيء، وطالبوا بتلقيهم إفادات سرية بشأن هذه التهديدات وقرارات الإدارة، فيما اعتبر بعض النواب الديمقراطيين أنه سيكون من الملائم عقد جلسات مع مسؤولين كبار في الإدارة للاستماع إلى إفادتهم فيما يخص التهديدات الإيرانية في الشرق الأوسط.

اقرأ/ي أيضًا: لهذه الأسباب لن نشهد حربًا أمريكية – إيرانية في سوريا!

وكانت طهران قد رفضت عرض ترامب لإعادة التفاوض مع واشنطن حول برنامجها النووي، وسط ترجيح الصحافة الإيرانية بأن المؤشرات الحالية تدل على أنه لا يوجد حرب أو سلام مع واشنطن، فقد أجمعت معظمها على عدم استعداد واشنطن لوقوع حرب في المدى القريب، وكان ترامب قد نفى التقارير التي تحدثت عن إرسال واشنطن 120 ألف جندي إلى الشرق الأوسط، لكنه شدد في الوقت عينه على عدم استبعاد هذا الخيار في حال اضطرت بلاده له.

بعد يوم واحد من الحادث الذي وقع قبالة ميناء الفجيرة شهدت بورصات الخليج هبوطًا بفعل توترات التجارة والقلق من هجمات على سفن أخرى، وسجل مؤشر سوق دبي للبورصة أدنى معدل بين بورصات الخليج بنسبة تصل إلى أربعة بالمائة

نهايًة، ليس مستبعدًا أن تكون العمليات قد جاءت في إطار القضاء على أي وساطة لاحتواء التوتر المتزايد بين الطرفين في الشرق الأوسط، بعد التقارير التي تحدثت عن إرسال ترامب رقم هاتفه لطهران عبر سويسرا التي تمثل مصالح واشنطن في طهران، كما أن موقع بي بي سي البريطاني ذكر أن مسؤولًا قطريًا زار طهران مؤخرًا مرجحًا أن يكون قد حمل رسائل متبادلة بين الطرفين. وسواء صحت هذه الأخبار أم لا، فمن الواضح أن واشنطن لا تزال بعيدًة عن أي تصعيد عسكري في الوقت الحالي، فيما تسعى طهران لاحتواء الأزمة على أمل خسارة ترامب في الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها العام القادم.