لوحة لـ أنتوني كوالسكي/ بولندا

المرّة الأولى من أيِّ شيء، تبقى المرّة الأولى ويتوقفُ العَدُّ بعدها، لا ذكرى للمرّة الخامسة أو السابعة، أو الألف من كلِّ شيء.

تجارب تتكرر فتفقد متعة استكشافها، تصيرُّ عادية كطعم الحليب الذي تعودناه منذُ كنّا نتكلم لغةَ البُكاء، لا جديد في أيِّ شيء سوى الوقت، وبياضٌ وجدَ طريقًا ليحتلَّ الأسود من شَعرِنا.

كالبنايات نحن، يمرُّ من أمامها كل من قابلنا وصادفنا وتعثرنا والتقينا من بَشر، لم يُفتح البابُ الرئيسي للجميع، بيوتٌ كثيرة نحملها فينا، فيها غرفٌ وجدرانٌ وممراتٌ ونوافذ وأبوابٌ فرعية وشُرفات، نحاولُ قدر ما تُمهلهُ أنفاسنا أن يكون لبنائنا الشكل المختلف لنرضى عنه، فتهتزُّ حجارتنا من إطراءٍ خفيف يصل إلى مسامعنا من غرباء مرّوا أمامنا، ننتشي بنظراتهم التي لم تخترق قشرتنا الخارجية، نزهو فَرحًا لقساوةٍ تدّعيها صُورنا وننسى دائمًا، أنّ البيوت في داخلنا تستندُ إلى جدرانٍ هَشّة، وشُرفاتٌ تتداعى.

لازمتنا أوائلُ الأشياء منذُ تلك اللحظة التي كانَ فيها حيوانٌ مَنويٌ واحد هو الأسرع بين الآخرين، فصرنا أحياء.

من سنكون لو أن الحيوانَ المَنوي الرابع مثلًا، هو الذي سبق الجميع؟

*

 

يتحالفُ النِسيان مع العقل فيمحو من ذاكرته صورةً ما، اسمًا ما، صوتًا ما، لكنه يعجز عن محو أيِّ رائحةٍ استقرت في زواياه. ولعلَّ مهمة الروائح كانت، قبل أن يكونَ هُناك بشرٌ لتصنيفها، أن تحرسَ بابٌ فَرعي لا يُفتحُ إلاّ حين تلتقي بذاتها، فتكونُ الرائحة تذكرة عبورٍ لعبورٍ آخر نَسيناه، وعندها فقط، تتلعثمُ حواسّنا كأننا نشمّها للمرّة الأولى، الأولى بعد النسيان.

للمرّة الأولى من أيّ شيء، طَعمُ المرّة الأولى فقط.

لو أننا نعدّ أعمارنا بالساعات أو الأيام لشعرنا بالملل من تكرارها، لكننا اخترعنا السنوات كي نقتنع أن الستين عامًا قليلة، ولربما كانت الحياة أكثر جاذبية لأن تُعاشَ لو كان لكلِّ شهرٍ اسمٌ لا يتكرر.

لا نحبُّ الروتين لكننا نُصاحبه، وبرغمِ كل محاولات التخلّي عنه إلاّ أنه سيظلّ ينتظرنا في قاعة الاستقبال، لا جدوى من أيِّ جديدٍ إذًا، إن تكرر.

لا جديدَ سوى ما لم نره، ولم نعشه، ولم نسمعه ولم نشمّه،

ولكلّ جديدٍ كلفته.

*

 

أحيانًا، تغزونا فكرة أن نُصبحَ غدًا باسمٍ آخر، لا لشيء غيرَ أن نعيشَ التجربة. مللنا من اسم تكرر أكثر من عشرةِ آلافِ يوم، وحين نحاول تنفيذ ما نُريد، نتعرقلُ بسور بنايتنا التي يعرفها الجميع، وحجارتها لن تتزحزحَ من مكانها، وستطاردنا شبابيكها حين نركضَ باحثين عن مساحة جديدة، فنعودُ إليها رغمًا عن رغبتنا، فنصبحُ غرباءً عنها، وعّنا.

*

 

ميزة المرّة الأولى أنها المرّة الوحيدة، كالولادة.

وما بعد ذلك، متشابهٌ تمامًا.

*

 

لا تتحركُ الأبواب بل تهترئ، ولا تمشي الجدران بل تتداعى، والممرات تَنسى كم خطوةً خبطت أقدامُنا عليها، ولا تَملُّ الثلاجة من فتح بابها كل ساعة، وعلى الرغم من أنَّ ركّاب الطائرة يعتقدونَ أنهم مُعَّلقين في المجهول، إلا أن قائدها يشعرُ بملل الخريطة التي اعتادَ السيرَ وفقها منذُ أن اجتازَ الامتحان النهائي.

لو عُرضت أيامنا أمامنا كجدارية لاخترنا منها تلك الزاوية التي بهتت فيها الألوان وأحرقناها، ولو كانت – أيامنا – على شكل فيلم كنّا اختصرنا الكثير من الحوارات لنصل إلى آخره، فقد علمنا بعد تجربتنا، أنه لا جديد فيها سوى أمرين؛

مررنا بالأول، وها نحنُ بانتظارِ النهاية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كنتُ أتمنى.. كنتُ أرجو

أفتقدُ تلك القطةَ بالتأكيد