لا تقتل فأرًا ساخرًا

لا تقتل فأرًا ساخرًا

جيف كونز/ أمريكا

ليلة رابعة على التوالي والهاجس ذات الهاجس. ليس حلمًا على وجه الدقة وليس فكرة واعية تمامًا، شيء ما بينهما.

نائمة على مصيدة الفئران تحت فرن الغاز، الأرضية اللاصقة تثبت أطرافي وتسبب لي حكة، تتحول تدريجيًا إلى رغبة مجنونة بالهرش تكاد تودي بعقلي.

لا محاكاة لصرصار كافكا ولكن كمُخلِّصة على الصليب. يداي على جانبَي إلى الأعلى قليلًا، قدمٌ متهدلةٌ وركبةٌ مطويةٌ، وعينان شاخصتان في سماء الفرن السوداء تحت الزيوت المتكتلة وبيوت العناكب، كبورتريهات المسيح في عصور الظلام.

تدلق زهية، مُغسّلة البلد، الماء الفاتر على جسدي وتتمتم "يا خفي الألطاف نَجِّنَا مما نخاف، يا نَجيّ المخاطر نجنا مما نحاذر" وككل الأموات أردد أنا آمينَ آمين...

تفاصيل صغيرة تزيد هنا وتنقص هناك كتاج الشوك وحرارة الماء وترويدة أو موال بدلًا من الدعاء. وهكذا مرة واحدة فقط كان التغيير جوهريًا حين دلق الماء على جسدي أبو عبدو، زوج زهية، غزاني قرف من يديه المعروقتين وعيونه التي تشبه أعقاب دبابير مسننة، وككل الأموات خطر لي أنه ربما من المقرف أن تشتهي أجساد الموتى!

قبلها بأيام خمس كان هناك، مثبتًا بقوائمه على الأرضية اللاصقة، يئن أنينًا خافتًا، تتسلل إليه القوارض الأصغر حجمًا، تلك التي تطير أو تقفز فلا تعلق قوائمها في اللاصق، تأكل منه حياً، فيبهت لونه، ويخف أنينه ويصغر حجمه. هكذا ليوم وليلة علق فأر تحت فرن الغاز في مطبخي وراقبته بنشوة عارمة وتشفٍّ غريب.

والليلة أستلقي هنا، يحاصرني الله بالأسئلة ولا ينتظر مني الإجابات. ترشح مني خطايا كل الذين قتلوا فأراً قبلها، وكل الذين صلّوا لتختفي القوارض، وكل الذين ساءلوا الحكمة الإلهية من وراء خلق الفئران.

يقرضني القلق كدودة عث، وأبي الذي كان يقول لا تقتلوا زاحفًا ولا قارضًا فإن لها كالناس خطية تقصف الرقاب، والحي الأقل حيلةً أدعى إلى المهالك حين يؤذى. أبي الذي يملك وجهًا واحدًا وآلاف الأيدي الطاهرة حزنه خفيف كفقاع الصابون، أما أنا فأملك آلاف الوجوه وبلا يدين وحين يصيبني الحزن يقعدني، وجُلّ ما أخشاه الآن أن يشعل أحد ما فرن الغاز.

 

اقرأ/ي أيضًا:

سأبيع نظارتي الشمسية لأشتري "سوزوكي"

توق بريّ