لا تغير جذريًا بعد الثورة في نقابات طلاب تونس

لا تغير جذريًا بعد الثورة في نقابات طلاب تونس

طلبة تونسيون يتسكعون في شارع الحبيب بورقيبة (الأناضول)

بعد نحو عقدين من الزمن، عرفت خلالهما الجامعة التونسية القمع الأمني والتصحر السياسي، كانت الثورة. عادت جميع الفصائل الطلابية إلى حالة من النشاط، وعادت معها صراعات وانقسامات الماضي. وللنشاط النقابي الطلابي في تونس تاريخ طويل، لكن صفحاته لم تكن دائماً ناصعة ومفيدة. فالنقابات التي طالما ساهمت في تكوين إطارات فكرية وجانب من الطبقة السياسية، ساهمت أيضا بانقسامها وصراعاتها في خلق مناخ قاتم خيّم على الجامعة التونسية لعقود، وبالتالي على الحركة الطلابية ونقاباتها، وما يزال متواصلا إلى الآن.

انحسر نشاط منظمة طلبة التجمع الدستوري الديمقراطي التابعة لحزب بن علي بعد ثورة الياسمين

عرفت الجامعة بعد الثورة عودة الاتحاد العام التونسي للطلبة، وهي نقابة طلابية محسوبة على الإسلاميين، ذلك بعد قرار حله من قبل نظام زين العابدين بن علي سنة 1991. تواصل نشاط الاتحاد العام لطلبة تونس، نقابة طلابية محسوبة على اليسار، وتعتبر هاتين المنظمتين الأعرق تاريخا والأكثر شعبية وانتشارا في الجامعات التونسية. كما ظهرت خلال السنوات الأخيرة منظمات نقابية جديدة كمنظمة "صوت الطالب التونسي" و"شباب النهضة" بالجامعة وبعض الفصائل الطلابية الحزبية الأخرى، في مقابل انحسار نشاط منظمة طلبة التجمع الدستوري الديمقراطي، وهي المنظمة الطلابية لحزب الرئيس المخلوع بن علي.

التعددية حياة. وعن فكرة التعددية في الجامعة التونسية، يقول عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للطلبة، يحيى بن عبد الله، لـ"الترا صوت": "نحن نطالب وندعم وندافع عن التعددية النقابية في الجامعة التونسية، لكننا نعتقد أيضًا بضرورة أن تضطلع بعض المنظمات الطلابية بوعي أكبر حتى يكون نشاطها إيجابيًا في الساحة الجامعية والوطنية". والاتحاد العام التونسي للطلبة، منظمة نقابية طلابية وجدت على الساحة الجامعية منذ عام 1985، اتهمها نظام بن علي بامتلاك وإخفاء أسلحة وبكونها الجناح الطلابي لحركة النهضة ووقع حلها سنة 1991. عادت للنشاط بعد الثورة وتحصلت على ترخيص قانوني من جديد نهاية 2013. وترفع المنظمة كغيرها من المنظمات في الساحة الطلابية التونسية لواء الدفاع عن المصالح المادية والمعنوية للطلبة في الجامعات التونسية.

ويعتبر الاتحاد العام التونسي للطلبة في تنافس جلي داخل الجامعة مع أعرق المنظمات الطلابية، وهو الاتحاد العام لطلبة تونس الذي ظهر منذ 1952، وله تاريخ مهم في مقاومة استبداد المستعمر الفرنسي أولاً، ومختلف الحكومات التي حاولت توظيف نشاطه ثانياً. وعرف الاتحاد العام لطلبة تونس الانقسام والخلافات قبل الثورة في مناسبات عديدة، وذلك بين من دعم توجه السلطة ومن عارضها، وتواصل الانقسام في صفوفه واختياراته حتى بعد الثورة، وعرف خلال السنة الماضية حالة من التشرذم بعد انقسامه إلى اتحادين لكل مؤتمره الخاص وهيئته التنفيذية. في هذا الإطار يقول عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام لطلبة تونس وناطقه الإعلامي، حسام رمضان، أن "الانقسام في صفوفنا يعود لمحاولات التيارات الرجعية في الجامعة اختراقنا، ونجحوا في ذلك لمرحلة ما، لكن الخلاف انتهى ومؤتمرنا في حزيران/يونيو الماضي أكبر دليل على إنهاء الإزدواجية الهيكلية وفض الإشكاليات".

وعن بقية المنظمات الناشطة على الساحة الطلابية التونسية قال رمضان "نحن الممثل الشرعي والوحيد لكافة الطلبة في تونس الآن، وذلك بسبب نضالنا التاريخي والديمقراطية التي نطبقها على مستوى قواعدنا، ولأن باقي المنظمات تتلخص إما في نقابات حزبية تخرب الجامعة، أوهي بصدد بث ثقافة الإرهاب والثقافة الرجعية". ويضيف "نقبل التعدد النقابي لكن في إطار يقطع مع الحسابات الحزبية والتيارات الرجعية، وإذا توفر في الجامعة التونسية في المستقبل مشروع تقدمي حداثي فلا إشكال عندنا في التعامل معه".

لكن لمنظمة صوت الطالب التونسي موقفًا مغايرًا، فهي تؤكد على حق الجميع في النشاط في الجامعة ولا تمانع العمل المشترك مع باقي المنظمات الطلابية حسب تصريح أمينها العام مالك كريشان لـ"الترا صوت"، واعتمد في إثبات رأيه على مثال لجنة المفاوضات المشتركة بين مختلف النقابات خلال إضراب طلبة الهندسة خلال السنة الجامعية الماضية.

يجب إنهاء هذا الصراع التاريخي بين الاتحادين "اليساري والإسلامي" من أجل حركة طلابية تونسية أفضل

هكذا، يتواصل صراع الوجود بين المنظمتين الطلابيتين الأبرز، ويتشبث الاتحاد العام لطلبة تونس بعدم اعترافه ببقية المنظمات، رغم محاولات الانفتاح التي تبديها، خاصة النقابات الجديدة منها، وفي هذا الإطار يقول أمين عام منظمة صوت الطالب التونسي "أنه وجب إنهاء هذا الصراع التاريخي بين الاتحادين من أجل حركة طلابية قادرة على التأسيس لمستقبل أفضل". وانعكس خلاف الاتحادين على مستوى انتخابات مجالس الطلبة التي عادة ما يعلن كلا الطرفين فوزه فيها ولا يقر أحدهما بهزيمته وينتج عنها جدل عقيم لفترة طويلة. وكان قد تطور الخلاف بين الاتحادين خلال السنوات الماضية إلى مشاهد عنف داخل الجامعة، ليذكر بما حصل في ثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت الجامعة مسرحا لصراعات أيديولوجية وسياسية، ونتج عن ذلك عنف شديد بلغ حد الاقتتال. وتطور مشاهد العنف داخل الجامعة دليل على أن رياح الثورة الحقيقية لم تهب بعد على الأوساط الطلابية.

لكن هذا ليس كل شيء، فقد عرف المشهد الطلابي بعد الثورة نشاط منظمات طلابية أخرى منها منظمات حزبية كشباب النهضة بالجامعة، نسبة لحزب حركة النهضة الإسلامية، وبعض المجموعات التي لم تنتظم في شكل منظمة قانونية لكنها تعرف بقربها من أحزاب معينة كحزب نداء تونس أو حزب التحرير. ويعتبر عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للطلبة، يحيى بن عبد الله، "وجود منظمات طلابية حزبية في الجامعة إضافة ما لم تمس من استقلالية الجامعة، وإذا كانت الغاية من تكوينها خلق التنوع الفكري والحراك المحفز للطالب". ويضيف بن عبد الله "أثبتت التجارب السابقة فشل كل من تبنى الخط الأيديولوجي في نشاطه الطلابي كما حصل مع الاتحاد العام لطلبة تونس الذي عرف انقساما خطيرا بسبب تعدد الأيديولوجيات داخله".

حتماً ستؤثر الخلافات والإشكاليات بين النقابات الطلابية على علاقة الطلبة بهذه المنظمات

ويذكر أن نسبة نجاح المنظمات الطلابية الحزبية بصفة عامة في انتخابات الطلبة تبقى ضعيفة جدًا، ولا تتجاوز 5% من مجموع مقاعد المجلس العلمي التي يحظى بمعظمها الاتحادين. ويفسر البعض ذلك بنفور الطلبة من المنظمات الطلابية الحزبية لعدم ثقتهم في خطاب الأحزاب، كما كان لجزء من الطلبة في فترة معينة من تاريخ الجامعة التونسية تجربة سلبية مع منظمة طلبة التجمع الدستوري الديمقراطي التي كانت حسب الكثيرين رقيبا على الطلبة في الجامعة لا تخدم مصالحهم بقدر ولائها لحزبها وبرامجه. لكن الطالب مجدي بن صالح، يعتبر "أن كل نقابة طلابية في الجامعة التونسية هي بالضرورة مقربة من حزب أو أحزاب معينة أو هي منتمية أيديولوجيا لتيار فكري، وإن لم تعلن ذلك علانية". ويتميز العمل النقابي الطلابي في تونس بتداخله وتمازجه مع العمل السياسي، إلى حد يصعب معه الفصل بينهما. كما أن عدداَ كبيراَ من الفاعلين السياسيين ينحدرون من التنظيمات التي سادت في الجامعة التونسية".

حتماً ستؤثر الخلافات والإشكاليات بين النقابات الطلابية على علاقة الطلبة بهذه المنظمات، كما أثرت على نسب مشاركة الطلبة في انتخابات المجالس العلمية وباقي الأنشطة الطلابية. ولكن رغم الخلافات الأيديولوجية والعنف المتفشي، فإن التعدد النقابي يصب في مصلحة الطلبة، إذ تتنافس هذه النقابات على الدفاع عن حقوقهم وخدمتهم وتطوير وعيهم وإمكانياتهم، كما أن المشهد العام في تطور ايجابي مقارنة بجمود الجامعة التونسية زمن بن علي، ومن المتوقع أن تلعب هذه المنظمات دورا مهما ضمن الحوار الوطني حول الإصلاح التربوي الذي انطلق منذ فترة بقصد إصلاح التعليم في مختلف مراحله.