لا إبهامَ في

لا إبهامَ في "غامض مثل الحياة"

الشاعر حسن إبراهيم الحسن

لا يتخلّصُ شاعر سوري بعدَ 2011 من كلمةِ "حرب"، بل يكادُ أغلبهم كتبوها قبلَ هذا التاريخ العاصف بتاريخ بلد، وإن لم يخض حربًا حقيقية، فإنّ مواطنيه عرفوها بأشكال مختلفة وعانوا ويلاتها وحصارها، خاصةً إذا عُرفَ أنْ السلطة الانقلابية بعد عام 1970، جعلت نصبَ عملها الشعارات القائمة على حرب مفترضة معَ الكيان الإسرائيلي، وأوهمت الناس الذي رأوا خيرات بلادهم تذهبُ سدىً أمام أعينهم بأنها للمجهودِ الحربي وللتوازن الإستراتيجي مع عدو لم تُطلق رصاصة واحدة تجاهه، بل وعلى مرّ جميع انتهاكات العدو" للسيادة" و"سماء الوطن" اكتفىَ المسؤول السوري: "سنردُ في الوقت والمكان المحددين"!

في "غامضٌ مثل الحياة وواضح كالموت"، تقفزُ القصيدة إلى العميق والغامض والمقنّع بالمعنى

الشاعر الذي ارتبط اسمه بجوائز عديدة حسن إبراهيم حسن، لمع كأحدِ شعراء التفعيلة المخلصين للوزن بروحِ النثر، بالرغم من موقفه من قصيدة النثر، موقف ربّما نمطي، يلتقي فيه مع آخرين. يكتبُ اليوم عن الحرب كأحد الذين عايشوها بعدَ أن قرأوها واستخدموها كلغة وارتكاز، إلاّ أنّه هنا يتناولها بحساسية مختلفة، بالضبط هي الدرجة الفاصلة أو الواعية لذاتها، حساسيةٌ تصلُ حدَّ الفراقِ مع الكثيرين وتلتقي مع الكثيرين الذين عاينوها من داخلها وكاشفوها كنظام حياة وأسلوب وسلوك مؤقت، يضربُ النفسَ، فيحيطها بقلقها وأسئلتها، وبذلك تقفزُ القصيدة إلى العميق والغامض والمقنّع بالمعنى من حيز الملامسة السطحية والغنائية، التي تتعامل مع المفردة بوصفها مفردة لا عالمًا مؤسسًا بشكل دقيق وإن كانَ جوهر الحرب الأساس: الفوضىَ، يكتب: "في الظهيرةِ../ - حينَ ينتصرُ النعاسُ على المدافعِ-/ أطمئنُّ على الظهيرةِ/ أطمئنُّ على الشوارعِ/ أطمئنُّ على نوافذِ بيتنا المهجور،/ أكنسُ ماتخلِّفهُ الشظايا من زجاجٍ فائضٍ/ عن حاجةِ الشرفات/ ألقي نظرةً عَجلى على أشياءِ طفلتنا:/ السرير/ حذائها الصيفيِّ/ دميتها الحزينةِ/ بقعةٍ صفراءَ خلَّفها نعاسٌ فاترٌ فوقَ (الأريكة)".

اقرأ/ي أيضًا: دانتي.. امتزاج الحكمة بالبلاغة

في استهلالِ "غامضٌ مثل الحياة وواضح كالموت" (جائزة دبي الثقافية للإبداع 2015)، عنوانٌ يذكّر بـ"بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس" للراحل رياض الصالح الحسين، يخاطبُ الحسن القناصَ كأحدِ أدواتِ الحرب القاتلة: " لو كان لي - في المسرحيةِ- دورُكَ العبثيُّ/ لاخترتُ الخروجَ على سياقِ النصِّ في الفصلِ الأخيرِ/ كأنْ أصوّبَ قبلةً نحوَ الضحيَّةِ...". 

يقسّم الحسن الكتابَ إلى فصول "عادات سرية، السورياذة، آخر النبوءات، نهر التراب، من معجمِ الصعاليك، من هوامشِ معجمِ البلدان"، يبدأها: "برج الحصار/ شذرات من تغريبة النازحين" يكونُ النص هنا يبدأ بلازمة ينتهي بها راسمًا دائرةً حارة، كما لو أنّها مقاربة لعلاقتنا مع الأرض الدائرة، حيث يبدأ المرء من نقطة ويعود إليها فيما لو استمر سيرًا مستقيمًا وهي نفسها مقاربةُ الحياة ولادةً وموتًا، كذلكَ تتفتحُ الإشارة وفقَ هذهِ الدلالات على العلاقةِ الشخصيةِ والأسرية بالأمكنةِ، لتنسحبَ على كاملِ الحياة الجديدة والناقصة الأوكسجين بفعل الحرب، وليسَ عوادم السيارات وأبخرةِ المصانع في مدينة حلَب، ليأتي هنانو حَيًا حَيًا من المدينة، إذ لم يعُد مكانًا شعبيًا، تتزاحمُ فيهِ الحكاياتُ كما تتزاحمُ منازلهُ، بقدر ماصارت لهُ حصتهُ من الخرابِ والفقد وقصص النازحين منهُ وإليه!: "(هنانو)/ مثلما ودَّعتها،/ أنثى../ مراهقةً بكاملِ طيشِها/ بينَ القذيفةِ والقذيفةِ تستطيعُ الحبَّ".

اقرأ/ي أيضًا: نيرودا وماركيز.. قصة دردشة معلنة

يتنازلُ حسن إبراهيم الحسن قليلًا عن الغنائية لصالحِ الذهنية والمعنىَّ المغمّض الحامل لأسئلة قلقة ووجودية

تأتي لغة حسن إبراهيم الحسن يومية في الفصلِ الأول، في حين يتنازلُ قليلًا عن الغنائية في الفصول المتون الأخرى لصالحِ الذهنية والمعنىَّ المغمّض الحامل لأسئلة قلقة ووجودية، وهو بذلكَ يتنقلُ في الكتاب كما لو أنّه عدةُ كتبٍ في آنٍ واحد، وإنَّ هذا التقسيمَ كانَ دلاليًا ودراميًا ولكلٍّ شحنتهُ التي تميزه بل وطريقة معالجة النصوص معنىً ومبنىَ، وإذ يخاطبُ المؤنث، فهي ليست امرأتهُ التي أهداها هذا الغامض لكنها أنثىَ ربّما بلد أو بيت أو شارع، وهي بالتأكيد الطرف الثاني في ثنائية الحياة والإنجابِ والخصوبة، يدلل على هذا: الكاف المؤنثة المخاطبة الملحقة كثيراً بـ"غياب":" غيّرني غيابُكِ/ في الصباح../ أصوّرُ الأنقاضَ/ لكنْ لا أحدّقُ جيدًا في أعينِ القتلىَ/ لئلَّا يسأل القتلى:/ هلِ انتصرَ الذينَ نيابةً عنهم سقطنا؟!".

"غامضٌ مثل الحياة وواضحٌ كالموت" معجم أيضًا لأسماء أصدقاء شعراء، ربّما يشتركون مع الحسن في تلك الدرجة من الحساسية تجاه الحرب واستخدامها لغةً: حكمة شافي الأسعد، صلاح إبراهيم الحسن، حيدر محمد هوري، قاسم الشمّري.. وكذلكَ أمكنة لعلّها مقدماتُ النزوح إلى أرضٍ ترتفعُ عن النار ولو قليلًا: "حلب، هنانو، دبي، شنشار، أبو ظبي، القاهرة، حمص": "الآنَ../ أذكرُ كيفَ كانت حمصُ تضحكُ/- مثلَ طفلٍ ساذجٍ- من لَكنَةِ (السيَّاح)/ إذ تصطادها أضواءُ (كاميراتهم)../ أيضًا وأذكرُ كيفَ ظلّت حمصُ تضحكُ/ عندما عادوا إليها بالبنادقِ".

اقرأ/ي أيضًا:

نبيل الملحم: أغار من عبد الباسط الساروت

رواية 1984.. التحفة الأدبية التي قتلت جورج أورويل