لاسلو كراسناهوركاي: الكتابة عن أي شيء أمر محفوف بالمخاطر
18 أكتوبر 2025
الحوار التالي ترجمة لحوار أجرته الصحفية كلوديا شتاينبرغ مع الكاتب الهنغاري لاسلو كراسناهوركاي عبر مجلة Tank عام 2023 قبل فوزه بجائزة نوبل للآداب عام 2025.
___________________________
منذ أعوام وهو يعيش في المنفى، وبالتحديد في مدينة ترييستي الإيطالية، بعيدًا عن موطنه المجر الخاضعة لحكم فيكتور أوربان. وفي ترييستي تعلَّق لاسلو كراسناهوركاي برياح بورا الشهيرة، التي تحمي المدينة بهباتها العنيفة وغير المتوقعة من جحافل السياح المأخوذين بجمال المدينة الهادئ المُعتنى به، وواجهاتها الكلاسيكية الحديثة. فلولا هذه الرياح لدمروا السَكينة التي ظلت بعيدة المنال لقرون عديدة.
من شرفة شقته، يستطيع كراسناهوركاي أن يرى جزءًا من البحر الأدرياتيكي، كما أن المعبد اليهودي الضخم الذي لم يبق من جماعته سوى القليل، لا يبعد عنه سوى خطوات، وكذلك مقهى سان ماركو بجدرانه الخشبية العالية، ومراياه الضخمة، ورفوفه المليئة بالمعجنات الفاخرة.
حين افتُتِح المقهى عام 1914، كان ملتقى للناشطين الإيطاليين، بالإضافة إلى إيتالو سفيفو وجيمس جويس وموسيقييالراغتايم. وكل هؤلاء يشكّلون الصحبة المفضّلة لكراسناهوركاي، الذي يشعر بالانتماء أكثر إلى الماضي برفقة هيرمان ملفيل، ومالكوم لاوري، وبالطبع كافكا، رفيق روحه. وهناك التقينا لندردش حول اللانهاية، والأبدية، والكثير مما يقع بينهما.
كلوديا شتاينبرغ: مرّت بضع سنوات منذ أن أخبرتني عن بحثك في ألمانيا الشرقية سابقًا عن تلك البلدة الصغيرة المنسية والكادحين العالقين بها، وعن المواطنين الصالحين والمتمردين على حدٍ سواء. في شبابك كنت مُصمِّمًا على أن تعيش بين الفقراء، ولم تتردد في تولي أعمال شاقة جسديًا، حتى أنك عملت في المناجم. كتب كافكا أنه لم يرغب أبدًا في أن يكون بين المنتصرين، ويبدو أنك أنت أيضًا تتجنبهم، مُفضِّلًا صُحبة الخاسرين الذين يلعبون الأدوار الرئيسية في رواياتك. كيف أجريت أبحاثك في تلك المنطقة المنسية التي تُسميها "كانا" الملاصقة للطريق السريع، والتي لا تبعد كثيرًا عن مدينة "كاهلا" التي ترجع جذورها إلى القرون الوسطى؟ هل التقيت بالناس في الحانات أم عند أكشاك الطعام؟ وكيف تفاعلت معهم، وكيف استجابوا لك؟
لاسلو كراسناهوركاي: بدأ كل شيء عندما قلت لنفسي: انسَ الأدب، وخصوصًا ما يُسمى بـ "الأدب الجاد"، فقد هجرنا القُراء الجادون بأعداد هائلة، وكل شيء أصبح بلا جدوى. وقد حان الوقت لأحقق شيئًا معقولًا قبل أن تنتهي حياتي، فقررت أن أكتب أخيرًا كتابًا عن يوهان سيباستيان باخ. فمنذ صباي كان باخ جزءًا من حياتي، في أيامي العادية وفي الأعياد، ولم أصادف فنًّا أسمى من فنه. إن هذه العظمة السامية، وهذا الإنتاج الفني الضخم المتنوع، وهذه الموسيقى السماوية التي تُلقي الضوء - إلى الوراء وإلى الأمام - على المكان الذي نصل إليه عندما يبلغ الفن حدوده القصوى، جعلتني أفكر في ماهية حدود الفن، وهل هناك شيء يتجاوز هذه الحدود.
كنت مستعدًا لكتابة رواية شخصية، دقيقة وموثَّقة عن حياته، ولذلك درست كل مشهد وكل موضع، ثم بدأت بالسفر لأتفقد كل مكان بنفسي، لأن أكثر ما رغبت فيه هو أن أعرف الأماكن التي عاش فيها، رغبت في أن أمشي حيث مشى، وأجلس، وأقف، وأنام، وآكل، وأشرب، حيث فعل هو ذلك. بدأتُ بولاية تورينغن. وقضيت بعض الوقت في مسقط رأسه، في الطاحونة القديمة التي كانت لأحد أجداده، وذهبت إلى الأماكن التي تلقى فيها تعليمه، وفي المحطات المختلفة من مسيرته.
وحتى ذلك الوقت لم أكن أعرف شكل الكتاب الذي أنوي كتابته عنه. حتى ظَهَر بجانبي ذات يوم، في بلدة صغيرة، شاب ذو قامة هائلة، كأنه كان ينتظر قدومي منذ زمن طويل في زاوية ما، حتى يتحدث معي أخيرًا. لقد مررتُ بتجارب مشابهة من قبل في حياتي، ولا يدهشني على الإطلاق أنني الشخص الوحيد القادر على رؤية هذه الشخصيات. إنهم يقصّون عليّ حدثًا غيّر حياتهم، ويقولون جملة واحدة كأنما أُوكِلَت إليهم، ثم يأتمنونني عليها، بناءً على ثقة ما زلت أعجز عن تفسيرها.
وهذا بالتحديد ما حدث في تلك البلدة الصغيرة في تورينغن عندما ظهر هذا الشاب بجانبي، وكانت تلك نهاية مشروع الكتاب الذي كنت أخطط له عن باخ. لأن المصير الذي رواه لي هذا الشاب - بعدما طاف بي في بلدته وأماكنه المفضلة وعرفني على الشخصيات الغريبة في حياته - وكشفه لي بجملة واحدة كان بالغ الأهمية لدرجة أنني شعرت فورًا بأنه يستحيل ألا أكتبه. ولعل الأدق أن أقول إن هذا هو ما كتبته فعلًا، لأن الكلمات جاءت من تلقاء نفسها، كما لو أنها كُتبت سلفًا، وكانت مهمتي ببساطة، أن أدوِّنها فحسب. هكذا وُلدت رواية "Herscht 07769".
شتاينبرغ: لقد تحوّل بحثك في تورينغن إلى تيار مستمر من الوعي الجمعي لسكان مدينة "كانا". فروايتك "Herscht 07769" المكوّنة من 400 صفحة تنساب من دون انقطاع، دون أن توقفها فقرة أو نقطة واحدة، وكأنها جملة واحدة ملتوية، ولا نهائية، ذات أصوات متعددة، لكنها تنتقل بسلاسة من الأفكار الصامتة أو المنطوقة لشخص ما إلى شخص آخر، من عالم فيزياء إلى ربة منزل إلى نازي جديد. إن هذا الخيط متعدد الأصوات يحمل طابعًا يكاد يكون وثائقيًا، فكيف تصل إليك هذه اللمحات من أفكار الآخرين بكل هذا الصدق؟ هل تصل إليك كإشارة في حالة أشبه بالغيبوبة؟ هل أنت وسيط بين عالمين؟ أم أنك تسمع كالقطط ما لا يسمع به غيرها؟
كراسناهوركاي: نعم، الأمر يشبه الغيبوبة، لكن هذا لا يعني أنني غير واعٍ بذاتي. لأن داخل هذه الحالة يوجد نظام، وانضباط صارم: فأنا أكتب جملة. ورغم أن النصّ يندفع إلى الأمام دون أن تقطعه نقاط، فهو ليس "تدفق حمم بركانية"، كما حاول أحد الشعراء الإنجليز وصفه. لا، فالحمم بطيئة، أما نصّي فأشبه بكائن يركض بأقصى سرعته لاهثًا، ويحمل في روحه قدرًا ما، هاربًا من شيء ما، وفي الوقت نفسه مندفعًا نحو شيء آخر.
وهنا لا أحتاج إلى النقاط، بل إلى النَّفَس، والإيقاع، والسرعة، واللحن. وليس صحيحًا أنني لا أستخدم النقاط؛ فأنا أستخدم النقطة مرة واحدة فقط لا غير، وذلك لأن النقاط مهمة جدًا بالنسبة لي. فأنا أندفع مع النصّ، والنصّ يهرول أمامي، وفجأة، تصل النهاية، ويهمس في أذني كيان أعظم مني بكثير - أو منا جميعًا - قائلًا: "أنت، هنا ستضع تلك النقطة".
شتاينبرغ: كيف تذكرت جُمَلُ سكان تورينغن؟ هل تدون ملاحظات؟ في طفولتك كان لديك ذاكرة تصويرية، فهل هناك مقابل سمعي لها؟ فأنت تقول إن الذاكرة هي فن النسيان، فهل يصبح فن التذكّر انتقاء ما هو مهم فقط، حتى لو كان ما يُقال سيلًا جارفًا من الأشياء اليومية العادية؟ في "Herscht 07769"، تنقل بتفصيل مذهل ودقة شديدة تنوع النبرات المُتعددِّة التي يعبّر بها سكان "كانا" عن أنفسهم، بالإضافة إلى طريقة تفكيرهم، والأصوات داخل رؤوسهم، كما لو كنت تستمع إليهم بأذن ممثل، ثم تتحدث مثلهم. إذًا، كيف ترتبط الكلمة المنطوقة بالكلمة المكتوبة في تلك العملية؟
كراسناهوركاي: كما قلت، لا بد أن يكون هناك نظام داخل حالة الغيبوبة، فهو نظام وانضباط مجنون بالطبع. لأن ما تطلبه مني هذه الأشياء التي تأتي من العدم، وهذه الشخصيات التي ترتطم بي من مكان ما خلف دماغي، هو أن أسجّل حالتها ووضعها قبل قصتها، رافعًا بذلك واقعها، وكينونتها، إلى مستوى واقعنا نحن. نعم، إنهم يهذون بلا توقف وبسرعة مرعبة، ثم يصرخون بي: "اكتب، دوّن كل شيء!" ويقع على عاتقي أن أجد الكلمات المناسبة بالترتيب الصحيح، حتى لو كان المحتوى هذيانًا. عليّ أن أُجبر هذا الثرثرة المجنونة على اتخاذ هيئة جُمَل بانضباط يشبه اللغة اللاتينية. وكما قال شكسبير: "يوجد منهج في الجنون، لا، بل لا بد من وجوده".
فالحمم بطيئة، أما نصّي فأشبه بكائن يركض بأقصى سرعته لاهثًا، ويحمل في روحه قدرًا ما، هاربًا من شيء ما، وفي الوقت نفسه مندفعًا نحو شيء آخر
شتاينبرغ: إن البطل التراجيدي في دراما البلدة الصغيرة التي كتبتها هو فلوريان هيرشت المحبوب، والموهوب بقوةٍ جسدية استثنائية، وقدر كبير من الصبر، وشيء من الذكاء، وتواضع، وسذاجة مقدسة. فهو حَمَل يتحوّل إلى منتقِم، ومع ذلك يظل بريئًا، تحت حماية نسر. كيف انتقلتَ من سوسيوغرام شديد الدقة لمجتمع يغرق في الفقر إلى مستوى الأسطورة؟
كراسناهوركاي: لا يوجد فرق هناك. فالحياة اليومية هي أسطورتها الخاصة. ونظرتنا إليها لا تعدو كونها مسألة تركيز: إما أن نراها حياة عادية أو نراها كأسطورة.
شتاينبرغ: في كل رواية لك تقول إن لديك شخصية شبيهة بشخصية ميشكن في رواية "الأبله" لدوستويفسكي، شخصية عاجزة، وبريئة. فلوريان يمتلك هذه الصفات، لكنه في النهاية يدافع عن نفسه بعنف، فهل لا يزال هو الأمير ميشكن؟
كراسناهوركاي: باختصار شديد، نعم، هو كذلك. أو لأكون أدق: نحن هنا نتعامل مع تجلٍّ للملائكية، والملائكية جزء من الوجود أيضًا. لكن بالطبع، هناك فرق هائل بين تصوير دوستويفسكي للملاك وتصويري أنا له، فهو يميل إلى رؤية الضحية العاجزة في مرتكبي الخطيئة، هؤلاء الذين يدركون وضعهم بوضوح ومع ذلك يقفوا أمامه عاجزين، أما أنا فأُضيف إلى ذلك، الحكم والرسالة التي يحملوها. وفي حالتي، هذا ما يخلق الوجه المزدوج للملاك. فالملاك رسول، والرسالة قد تكون رحمة أو هلاك. ثم قد يحدث أيضًا، كما في "Herscht 07769"، أن يُبَلِّغ الملاك رسالة الرحمة، وفي الوقت نفسه يصدر الحكم على من ارتكب خطيئة لا تُغتفر.
شتاينبرغ: يُسيء فلوريان فهم ملاحظات مُرشده، مدرس الفيزياء الطيّب، عن المادة المضادة التي ستدمر يومًا كل شيء، فيراها تهديدًا حاضرًا. في طفولتي سمعتُ أن نهاية العالم ستأتي حين لا يفكر بها أحد، ولذلك قضيت ليالٍ كثيرة أفكر بجدية في النهاية، خوفًا من أن أكون الوحيدة. فلوريان يتصرف بالطريقة نفسها، فيتولى المسؤولية العظمى لإنقاذ العالم ويكتب رسائل عاجلة إلى المستشارة أنغيلا ميركل، عالمة الفيزياء، لكنها لا تجيب. بالنسبة إليك، نهاية العالم (الأبوكاليبس) ليست بعيدة أبدًا. فهل أصبح فلوريان الآن أكثر صوابًا من أي وقت، بما أننا فعلًا نشاهد انهيار عالمنا بأعين مفتوحة ولا نفعل الكثير حياله؟
كراسناهوركاي: لقد حاولتُ في أكثر من مناسبة أن أوضح أنني أتمسك بالمعنى الأصلي لكلمة "أبوكاليبس" الذي أراه أكثر صلة بالواقع، فالأبوكاليبس ليس حدثًا مستقبليًا يُهددنا. لا، الأبوكاليبس هو شكل الوجود نفسه الآن. كل لحظة هي لحظة أبوكاليبسية. فلنكن واعين بذلك حين نشير إلى ما يسمى بالحياة اليومية!
وعودةً إلى سؤالك: فلوريان يفعل كل ما هو قادر عليه، لأنه يشعر أنه في حيز وزمن أبوكاليبسي يقترب على كارثة كبرى، ولا يهمه أين ستحدث بالضبط، ومن ثم يحاول أن يستدعي أصحاب السلطة لمساعدته على تفاديها. وربما لا ترد أنجيلا ميركل - ولا تقرأ الكتاب الذي أُرسل إليها بالمناسبة - لأنها بصفتها واحدة من أصحاب السلطة، فهي تعرف سلفًا أن الأبوكاليبس هو الحاضر المستمر نفسه، وأنه من المستحيل منعه. وإن كان ممكنًا فتلك مهمة الفنان لا السياسي.
شتاينبرغ: توماس برنهارد هو أحد رفاقك في أدب اليأس الغزير، لكن الفارق أن نثره يلمع بالسخرية اللاذعة. فهو يتخذ موقع المُدَّعي دائمًا، ولا يتورّع حتى عن اتهام نفسه. أما أنت، فتبدو أكثر تعاطفًا مع مأساتنا، أم أن هذا ليس صحيح؟
كراسناهوركاي: إذا كنت تشيرين إلى روايتي "Baron Wenckheim's Homecoming"، أو إلى "Herscht 07769" نفسها، فستجدين في هاتين الروايتين كل أشكال السخرية تقريبًا، من التهكم المؤلم وصولًا إلى الفكاهة المتعاطفة المزعجة. ومع ذلك، أنت محقة، فهناك اختلاف جذري بيني وبين برنهارد، وهو ذلك التعاطف الواضح في تصوير كل شخصية في أعمالي، وبالأخص في"Herscht 07769". وبالمناسبة، قد يبدو توماس برنهارد - مُنقذ الأدب الألماني في ما بعد الحرب – قاسيًا في أعماله وتصريحاته العلنية، وهذا صحيح، لكن لا يمكن القول إن برنهارد نفسه كان خاليًا من الشفقة.
هناك فيلم وثائقي لا يُنسى يصور برنهارد أثناء حضوره مصارعة ثيران في إسبانيا. والكاميرا مسلطة على وجهه طوال الوقت، فلا ترين سوى ملامحه، مع أصوات الجمهور في الخلفية. وعندما تقع الطعنة القاتلة في النهاية، يمكنك ملاحظة انهيار وجهه. أتذكر أمي نظرت إلى هذا الوجه المُحطَّم، ورأيته مليئًا بالشفقة على الثور. فقلت في نفسي: "آه يا سيد برنهارد، يبدو أن كل شيء على ما يرام في النهاية".
شتاينبرغ: أفكر بشكل خاص في شخصية النازي الجديد المُلقَّب بـ "الزعيم" الذي يحركه غضب قاتل، ويستغل "تلميذه" فلوريان العملاق اللطيف ويُسيء معاملته. يتجول الاثنان في المقاطعة بسيارة رثة من طراز أوبل الألماني العادي، ويزيلان رسومات مروعة على شكل ذئاب تظهر بوتيرة متزايدة، وتُشَوِّه واجهات المباني التاريخية الفخمة، وهو تدنيس يعده الزعيم إهانة شخصية. وللزعيم كذلك شغف شديد ببَاخ، نابع من الفخر القومي بالمؤلف الموسيقي الذي وُلد في تورينغن مثله. كما يتدرب الزعيم نفسه بانتظام مع أوركسترا باخ المحلية، لكن الجميع، وخاصة هو، يفتقرون إلى المهارة والانضباط والموهبة اللازمة، مما يسبب له إحباطًا كبيرًا. ومع ذلك، في مرحلة ما، يشعر القارئ أن ضوء باخ يتسلل حتى إلى هذه الروح المظلمة، وأن الزعيم يحب باخ حقًا، لا بدافع القومية العمياء فحسب أو لأنه ابن الوطن الشهير. فهل هذا صحيح؟ هل هناك بارقة أمل في أن الفن السامي قد يساعدنا في النهاية؟
كراسناهوركاي: لا، لا يوجد أمل في ذلك، ولا في أي شيء آخر. أنتِ محقة في قولك إن الزعيم يشعر بعظمة باخ الهائلة من الناحية الموسيقية، لكن رغم ذلك، يظل كما كان طوال ذلك الوقت، نازيًا جديدًا يحمل في دماغه خيالات مُروِّعة تفوق ما في روحه من فظاعة. فللأسف، نحن قادرون تمامًا على الجمع بين الإعجاب بباخ وبين إيواء الكراهية في قلوبنا. فباخ لا يستطيع أن يمحو غلاظتنا. لا شيء قادر على ذلك.
شتاينبرغ: أما عن التعاطف، ففي أعمالك، تحمل الحيوانات المشاعر كلها بصبر وثبات، مثل الكلب المحتضر الذي حرَّر الزمن من حالة التوقف المُعلَّق وأعاد انسيابه في حديقة يابانية أشبه بالفردوس، أو الذئاب التي تنتقل إلى "كانا" وتُطارد باعتبارها رسلًا للشر. وفي روايتك القصيرة "Herman"، ينجح الصياد في قتل الذئاب والحيوانات المفترسة الأخرى، لدرجة أن النباتات التي أصبحت بلا رادع بدأت تنتقم. وتوجد قصة " The Last Wolf" التي تدور حول البحث العبثي عن آخر ذئب في منطقة إكستريمادورا القاحلة حيث قتل البشر الذئاب كلها، ومعظم المخلوقات الكبيرة التي اعتبروها منافسة لهم. والأمر نفسه في كتابك "AnimalInside" الذي أنجزته مع الفنان ماكس نيومان، إذ يبدو أن شفقتك تتجه دومًا نحو الحيوان، لكن أيضًا نحو "الكائن" الذي نحن عليه. فغالبًا ما تعود إلى فكرة "الكائن"، لماذا بالتحديد؟
كراسناهوركاي: أنا لا أعود إلى هذه الفكرة لأنها لم تبارحني قط. فـ"الكائن" حاضر في جحيم وجودنا، وسيظل فيه. فأنا أرى العالم الأرضي بكل عناصره دفعة واحدة، لا شيء مفقود، بل كل شيء موجود في اللحظة نفسها. ولا وقت لهذا الشيء أو ذاك، لأنه لا وجود لشيء اسمه الزمن إذا فكرنا في كل شيء في اللحظة نفسها.
شتاينبرغ: يظهر موضوع الحرب كذلك مرارًا وتكرارًا في رواياتك، إذ تقول في إحداها: "إن هذا الشيطان الأكثر خبثًا مختلف عن ملاك الموت، لأنه ليس روح السلام بل هو شيطان الحرب الذي يجد اللذة في تدمير كل ما هو موجود". ولا شيء ولا أحد في مأمن من سلطانه. في أي تجلٍّ واجهت هذا الشيطان في الماضي؟
كراسناهوركاي: أُفضِّل ألا أُجيب عن هذا السؤال، ويمكنني أن أتجنب الإجابة، التي ستكون شخصية جدًا، بقول إن ملاك الحياة وملاك الحرب في جوهرهما كيان واحد. وقد نتمكن من فهمها أكثر بتخيُّلهما كائنًا واحدًا. وهذا ما أفعله أنا، وشخصياتي، لكن في الحقيقة هما ليسا كائنين بل قوتان للوجود، وهما حاضرتان معًا في كل لحظة، أي في تلك اللحظة الوحيدة التي توجد الآن فعلًا، لكنها لا توجد إلا إذا لمحتها.
شتاينبرغ: أنت الآن تمضي وقتًا طويلًا بعيدًا عن المجر الخاضعة لحكم لأوربان، وقد وجدت الملجأ في ترييستي الهادئة الوقورة، حيث يرسو يخت لرجل أوليغارشي روسي صمّمه فيليب ستارك. والسفن الدولية التي كانت ترسو في موانئ أخرى قبل غزو بوتين لأوكرانيا أصبحت ترسو الآن في ذلك المرفأ العريق المليء بالقصص. إذًا، فالحرب ليست بعيدة. كيف تراها؟
كراسناهوركاي: ليس بوسعي أن أفعل الكثير حيال ذلك. أحيانًا أتنزّه بمحاذاة المياه في ذلك الحيّ حيث ترسو هذه اليخوت، وأبصق في اتجاهها. أعلم أن هذا لا يُجدي، وأنه سخف، بل وغير لائق كذلك، لكنني أشعر بتحسن بعدها. ينبغي عليهم أن يتركوا ترييستي وشأنها. وكما يحب البعض أن يقول: "أيّتها اليخوت، ارحلي من هنا بحق الجحيم!".
شتاينبرغ: في عام 2018، كتبت إيدرا نوفاي في صحيفة "نيويورك تايمز" عن مجموعتك القصصية "The World Goes On" أن قصصك، الممتدة في أنحاء العالم من كييف إلى شنغهاي، تصف رجالًا وحيدين ويائسين وتائهين، وفي الوقت نفسه محكوم عليهم بأن يظلّوا واقفين في المكان ذاته بلا حركة. هل هذا نوع من اليأس خاص بالرجال تمامًا كما يبدو أن صناعة الحروب شأنًا ذكوريًا بالأساس؟ رغم أنّ في بلدة "كانا" بعض النساء العنيفات أيضًا!
قادرون تمامًا على الجمع بين الإعجاب بباخ وبين إيواء الكراهية في قلوبنا. فباخ لا يستطيع أن يمحو غلاظتنا. لا شيء قادر على ذلك
كراسناهوركاي: لا أرى أي فرق بين الرجال والنساء، وخصوصًا في هذا الصدد. صحيح أن الرجال أقوى جسديًا، ولديهم عضلات أكبر، لكن فيما يتعلق بمقدار الشر، لماذا يُفترض وجود اختلاف بينهما؟ إن كُنت تُشيرين إلى العنف الجسدي، ففي هذا الجانب يختلفون فعلًا، ولكن ذلك فقط بسبب بنيتهم الطبيعية. كما أن تبرير العنف والتحريض عليه ليس أقل وحشية من ارتكاب العنف نفسه. و"ليدي ماكبث" ليست المثال الوحيد على ذلك في عالمنا.
شتاينبرغ: يقول المؤلف جاريد مارسيل بولن عن كتبك أنها لا تقدم أي توضيحات وكل شيء فيها محجوب. وتبدو روايتك القصيرة الأخيرة "Spadework for a Palace" تجسيدًا حيًا لهذا الادعاء، إذ تدور حول هيرمان ميلفيل أمين المكتبة الذي لا يكتفي بالتجول فقط في مانهاتن على خطى هرمان ميلفيل الكاتب، بل هو مهووس بفكرة حبس المحتوى الكامل لمكتبة نيويورك العامة في ناطحة سحاب بلا نوافذ بوسط مانهاتن - حيث تُخزَّن الآن في الواقع كميات لا تُحصى من بيانات المراقبة في طبقات مرتفعة - وذلك لحمايتها من جمهور يراه هيرمان غير جدير ومُخَرِّب. فهل لم يعد يبقى لنا سوى أن ننقذ ما نبدعه من خير وجمال، بل ونحميه من أنفسنا، رغم معرفتنا بأنه لن يستطيع إنقاذنا كما كنا نأمل دائمًا؟
كراسناهوركاي: إن أسئلتك تزداد غموضًا، ما يجعل إجاباتي أكثر إيجازًا. نعم، إن إنقاذ الأشياء هو الفعل الوحيد الممكن لنا، وإن كان يمكننا أيضًا أن نتوقف عن التعلق بالأمل. لأن المأساة تكمن في أن القيم التي نختار أن ننقذها اليوم، ستفقد معناها بالكامل بعد لحظات قليلة. في الواقع، نحن لا نعرف شيئًا عن الماضي، فنحن عاجزون -كما تعلمين- عن تقديم وصف موضوعي لحادث في الشارع رأيناه للتوّ. أو، لنستخدم صياغة المؤرخ الأمريكي هايدن وايت: نحن نخلق الماضي، وهذا يعني أن كل مستقبل يختار ماضيه الخاص. ونحن أيضًا اخترنا ماضينا، وفي تلك الأثناء يكون المستقبل قد وصل، لكنه ليس مستقبلنا، فهو يعود لآخرين سيخلقون لأنفسهم ماضيًا آخر، غير ذلك الذي نعدّه نحن ماضينا في هذه اللحظة.
أما عن الخير والجمال اللذين ذكرتهما، فهما، كما كانا في كل مراحل التاريخ، لا ينتميان إلا لمن يتجسد فيهم الخير والجمال حقًا، فهما ليسا ملكية عامة يشترك فيها الجميع، وبالتالي لا يمكنهما بأي حال أن يُخلّصا أولئك البعيدين عنهما، بل إنهما حتى لا يكترثان بهم ولا يلتفتان إليهم.
شتاينبرغ: إن الوظيفة الحقيقية لبرج AT&T سابقًا كأرشيف إلكتروني للبيانات، نجحت على الأرجح في تخزين حجمًا كبيرًا من المعلومات لا يقل عن الموجود في المجموعة الكاملة لمكتبة نيويورك العامة بأكملها. وقد أقامت ابنتك، كاتا كراسناهوركاي، مؤخرًا معرضًا في ألمانيا تناولت فيه الكميات الهائلة من تقارير المخابرات التي أعدّها الجواسيس في دول الكتلة الشرقية عن فناني الأداء المحليين؛ وهي حركة فنية اعتبروها وافدة من "الغرب المُنحَط"، ومن ثم عوملت على أنها شديدة التخريب والخطورة. وبفضل هذه البارانويا، بات لدينا الآن الكثير من الوثائق عن هذا النوع الفني الزائل. كما أنه يكشف أيضًا عن الطفرة الهائلة في إنتاج البيانات، وهو انفجار بدأ ينمو نموًا كبيرًا قبل الثورة الإلكترونية، وغالبًا من قِبْل الحكومات. والآن أصبح لدينا روبوتات محادثة مجتهدة أتقنت الكذب وأصبحت قادرة على كتابة المقالات المدرسية المقبولة. فهل دخل الذكاء الاصطناعي في رؤيتك الديستوبية للعالم؟
كراسناهوركاي: نعم، لقد دخل. في هذه المرحلة، يمكن أن يخيفني أي شيء تقريبًا. بعد أن مررتُ بحرب واحدة، قد أكون عاجزًا عن الخوف بالمعنى الدقيق للكلمة، لكن يمكنني أن أفزع من أي شيء، وفي أي وقت. وفي هذه اللحظة، يرعبني الذكاء الاصطناعي. فليس لدي وقت لأُعجَب به، رغم أنه توجد أسباب كثيرة للإعجاب به، لأنني ما إن بدأتُ أتأمله حتى خطر لي فورًا: يا إلهي، هذا الذكاء الاصطناعي ليس مجرد إنجاز تكنولوجي مذهل من صُنع البشر، بل إنه أيضًا واقع في أيدي البشر! وكل ما يقع في يد الإنسان مصيره الحتمي أن يُستخدم للشر، للشر المُروِّع.
قد تقولين لي أنت: وماذا عن القطارات؟ أو العجلة؟ أو الكهرباء؟ حسنًا، القطارات أخذتنا إلى أوشفيتز. والعجلات تنقل الدبابات إلى ساحة معركة باخموت. أما الكهرباء فشاهدِي ما تفعله بالمحكوم عليهم في الكرسي الكهربائي. إن سكة حديد واحدة تؤدي إلى أوشفيتز تجعل حقيقة أن القطارات تنقل الملايين إلى أعمالهم كل يوم أمرًا تافهًا لا يُذكر. لقد اختُرعت لفعل الخير، لكنها جلبت الشر. وإن عُدنا قليلًا إلى مسألة إعادة صياغة الماضي والمستقبل التي ذكرتها، فبسبب الذكاء الاصطناعي، سيكون المستقبل القريب أقصر بكثير من كل المستقبلات السابقة. وشرّنا العبقري سيُرفع اليوم إلى مرتبة الإله بفعل الذكاء الاصطناعي.
شتاينبرغ: في أحد أعمالك ذكرت أن: "الكارثة هي لغة الواقع". وأنت تتفادى هذه الكارثة - ولو مؤقتًا - في كتابك "A Mountain to the North, a Lake to the South, Paths to the West, a River to the East" الذي صدر حديثًا في الولايات المتحدة، ويصف حديقة صُممت وفق مبادئ تقليد بوذي يعود إلى آلاف السنين. ويقود الرحلة إلى عَالَم خارج الزمن شاب رقيق، ومريض، وبالغ الجمال، يتخيّل نفسه حفيد الأمير غينجي، بطل الرواية التي كُتبت في القرن الحادي عشر على يد سيدة من البلاط الإمبراطوري الياباني. هذا السليل النبيل المزعوم في روايتك يبدأ وينهي مغامرته عبر الزمن في رحلة بالقطار، ويتخلل ذلك رحلاته في مجموعة معابد بُنيت بعناية لا توصف من أفخر المواد، على رقعة من الطبيعة المُصمّمة بإتقان بالغ، والمُعتنى بها بمعرفة نباتية عظيمة. إن وصفك العظيم لكل تفصيلة يحاكي عملية البناء المعقدة للأشياء في ذلك المكان. وهنا أيضًا، يدخل القارئ عالمًا مُحكَم الإغلاق، بل حتى الطبيعة نفسها مُحاطة ومروّضة حسب مفهوم جمالها الأمثل. وإذا تجاوزنا الإعجاب بهذا التكوين الطبيعي الفني، فكيف شعرت وأنت في ذلك المكان؟
كراسناهوركاي: لقد شعرتُ بالافتتان، والسحر. كانت تلك الحديقة الصغيرة بالغة الجمال لدرجة أنني حين صادفتها للمرة الأولى، تجمدت في مكاني لوقت طويل. وشعرت كأنني وقفتُ خارج حدود الوجود، والزمن، وانتقلت إلى عالم يتجاوز حدود الواقع. والآن أكشف أن هذه الحديقة موجودة فعلًا بطريقة ما. لكن حفيد غِـنجي الذي يظهر في كتابي لم يجدها، ومع ذلك، فهي موجودة، بطريقة ما. لقد كتبتُ "A Mountain to the North, a Lake to the South, Paths to the West, a River to the East" لأنني أردتُ أن أُظهر أنه إذا كان مثل هذا الجمال ممكنًا، فهو ممكن فقط بفضلنا، فالجمال يحتاج إلينا، إلى كل واحد منّا بلا استثناء.
شتاينبرغ: عندما تفكر في اليابان وأنت في ترييستي، ما أكثر شيء تشتاق إليه حتى الألم؟
كراسناهوركاي: أشتاق إلى اليابان نفسها. أشتاق إلى ذلك الوهم بأنني كنت هناك، وعشت في اليابان. والوهم بأن اليابان جزء خارج كوكب الأرض. أحنّ إلى يقين ذلك الوهم الذي يجعلني، حين أتأمل روائع فنهم الإمبراطوري، أشعر أنني في الواقع أشارك في إدراك جمالهم، أي في وجود هذا الجمال رغم كل شيء، وفي بقائه. وإن أردت أن أجيب بطريقة أكثر واقعية، فهناك أشياء كثيرة أخرى تنقصني هنا في ترييستي حين أفكر في اليابان، أهمها أنّ اليابان نظيفة.
شتاينبرغ: هل من الخطر الكتابة عن الجمال؟ ففي كتابك تعكّر تلك الأجواء السامية التي خلقتها بتفاصيل كثيرة من خلال اكتشاف صادم لأماكن فوضوية ومُهمَلة قريبة جدًا، وكأنها الجانب الخفي الحتمي لكل هذا الجمال.
كراسناهوركاي: نعم، إن الكتابة عن الجمال محفوفة بالمخاطر، لأنها تنقلك إلى فضاء بلا حدود، وعندما تنظر عبر تلك الحدود، فإن افتراضك بوجود شيء ما وراءها لا يعود مجرد فرضية. والكتابة عن الرعب خطرة أيضًا، لأنك إن وصفتَه بإتقان شديد، فإنه يتحقق. في الواقع، إن القدرة على تطويع الكلمات بهذه الطريقة، تجعل الكتابة عن أي موضوع أمرًا محفوفًا بالمخاطر لأنك قد تستحضر إلى الوجود ما لا يتوافق مع وجودنا. لكنني في الوقت نفسه لا أستطيع منع نفسي. ولا أعرف سر هذا الدافع بداخلي. فهل أرغب في فعل الخير، ولكن بدلًا من ذلك أُحدث فوضى؟ وبالطبع، في تلك اللحظة بالذات، تقع تفاحة على رأسي من الأعلى، فأدرك الحقيقة.
أي عمى يدفعني لقول مثل هذه الأشياء؟ من بحق الجحيم يهتم بما أقوله هنا أو بما قلته سابقًا؟ إن الأدب من حيث النثر قد انتهى، وقد جرفته القوى الكريهة ذاتها التي أوجدته في البداية. أتتذكرين؟ لقد ظهر الأدب أولًا في شكل كتيبات رخيصة تُعرض في الأسواق، وكقصص شعبية موضوعة على قطعة قماش بجانب الأكشاك. والآن حتى أفضل الكتّاب يقفون في الطابور وكتبهم في أيديهم، ينتظرون إذنًا لوضعها على واجهة المحلات. الأدب النثري؟ إنه سوق ينادي فيه الباعة: "تفضلوا بالدخول". لم يبقَ سوى الشعر، لأن الشعر ينجو دائمًا، ويجد وسيلة ليظهر. أما نحن فبشر فانون. وأتساءل ماذا سيحدث حين يتولى الحلزون أو الجرذ عزف لحن جنازتنا، والغناء عن حياتنا الماضية.
شتاينبرغ: يذهلني أن كورين، البطل المجنون في روايتك "War and war"، يحظى أيضًا بتعاطفك الكامل، وحتى فشل مشروعه لا يقلل من مودتك له إطلاقًا. إن افتتانك بالشغف الأعمى يُذكِّرني بأفلام فيرنر هيرتسوغ، التي يلاحق فيها أبطاله الحقيقيون والخياليون أهدافهم حتى الهلاك. هل هذا الجانب المتطرّف من الحالة الإنسانية يستدعي التعاطف بداخلك؟
كراسناهوركاي: الجواب سهل: نعم. هناك عدد هائل من الكائنات الباهتة الذين يحاولون التسلل إلى وجودنا، لكن المجانين العظماء وحدهم هم من يؤثرون في كفاية لأمنحهم الأولوية. فهم يحملون دائمًا نوعًا من الرقة بطريقة ما، وهذه الرقة تثير بداخلي تعاطفًا فوريًا. فأنا أخاف عليهم، وأتابعهم، وأرافقهم، لكنني لا أساعدهم، فهم لا يحتاجون إلى مساعدتي. إن طريقهم يقود إلى الفشل لا محالة، ولذلك يثيرون شفقتي، لكنهم لا يطلبون تعاطفي. فهم مشغولون بفعل المستحيل.
شتاينبرغ: قلتَ إن أحداث 11 أيلول/سبتمبر "دمّرت معنى اللغة وقوتها ورحابتها ودقتها" ألا توجد كوارث أخرى بمثل ضخامتها، وهل كان لهذا الحدث المروّع تأثير فعلي في كتابتك؟
كراسناهوركاي: أنا عاجز ببساطة عن استيعاب كمية الفظائع التي تقع، لقد مسّني 11 أيلول/سبتمبر شخصيًا، وربما لهذا شعرت أنه حدث محوري إلى هذا الحدّ. لكن المرعب هو أنك ما أن تقول شيئًا كهذا، كما فعلت أنا آنذاك، حتى تدرك فورًا أن لا شيء قد تغيّر، وكل شيء ظل على حاله. إن نهاية عصر ما لا تعتمد على وقوع أحداث معينة بل نهاية العصر تحدث نتيجة عمليات خفية غير محسوسة. ومن ثم يستحيل أن يستعد المرء لها. يمكنك أن تطلق نداء الاستغاثة مرارًا، ويمكنك أن توجه الاتهامات، وأن تتعلق بيأس ببارقة أمل في العهد القديم، لكن دون جدوى. وسبب كل ذلك يكمن في ما وقع بالفعل، وما سيحدث لاحقًا هو محض صدفة حتمية، وهذا هو الرعب في أقصى صوره.
شتاينبرغ: إن كوكبنا يسبح في محيط لا نهائي من المادة المظلمة التي لا يمكن لحواسنا ولا خيالنا فهمها، نحن نعلم فقط - وإن كنا نرتجف خوفًا - أنها لا بد أن تكون موجودة. لطالما خفت من فكرة الأبدية واللانهاية وفضّلت ألّا أؤمن بالجنة، إذ لا أجد عزاءً في فكرة التحليق بين السحب إلى الأبد. وفي الوقت نفسه، أصابتني مقولتك: "الجنّة حزينة" بالإحباط بشكل مفاجئ. هل يمكنك أن تشرح رؤيتك للعالم العلوي؟
كراسناهوركاي: حسنًا، أود أن أقول شيئًا يُطمئن أولئك الذين ربما انتزعتُ منهم الأمل بتلك العبارة. أقول: آمنوا بما تشعرون بأنه الصواب. لا تُقلقوا أنفسكم بالتساؤل عمّا إذا كان محتوى هذا الإيمان أو نفسيته ينسجم مع هذه التجربة أو تلك من تجاربكم، ولا تهتموا بأي شيء آخر، فقط تأكّدوا من أن تُحفظ رفات يسوع، ذلك الحمل الصارم، بعناية وأن تظل جافّة، واستمروا في الإيمان بأنكم ستحتاجون إليها يومًا ما.





