لاجئ المواصفات القياسيّة

لاجئ المواصفات القياسيّة

طفل فلسطيني في ذكرى يوم النكبة (Getty)

أنا اللاجئ المتسلسل، المتكرّر التشرّد والهجرات، المتنوّع أماكن النزوح، المتعدّد الهويّات المتآلفة المتناقضة، خَطوتُ الخطوة الأولى في رحلة شتاتي قبل أن أولد باثنتي عشرة سنة، حملني والدي نطفةً لم تتكوّن بعد في ظهره وهو لمّا يزل صبيًّا على عتبات المراهقة، من الشجرة إلى لوبية شرقًا، ومن ثمّ شمالًا إلى المغار فعيلبون، قطع بي حدود دول الشِقاق الشقيقة للمرّة الأولى إلى بنت جبيل فعنجر، وللمرّة الثانية في قطار نقل البضائع والمواشي من رياق إلى حارم شمالًا، وعندما أوجع الحنين جديّ رجع بي جنوبًا إلى الضبعة فالخالديّة فثكنة خالد بن الوليد التي سميّت مخيّم العائدين بعد أن ضمّت اللاجئين الفلسطينيّين في بركسات جنودها الفرنسيّين الذين عادوا إلى بلادهم، ولا أحد يعرف للآن على من يعود اسم العائدين، علينا أم عليهم!
 
في مخيّم العائدين الذين لم يعودوا وُلدت، رضعتُ حليب النكبة وبذور القصيد من صدر أمّي، على نغمات عزف حبّات المطر الثقيلة فوق سقف الزينكو بدأت أحبو متلعثمًا بأوّل الكلام، وعلى نور ضوء الكاز الشحيح أخذت صورة حياتي القادمة تتشكّل في عيوني، أنا الولد الذي كنت أنام على الجاعد في حضن جدّتي وأتدثّر ببطّانيّات أحلام عودتها ذوات الحزوز الخضراء والحمراء، رحلتُ وأهلي مجدّدًا جنوبًا إلى مخيّم اليرموك لنكون أقربَ إلى فلسطين، قال جدّي الأعمى الذي خانه بصرهُ وبصيرتهُ يومها أنّ عودتنا من دمشق إلى طبريّا ستغدو أسهل وأقلّ إرباكًا إذا ما قُرعت أجراسها فجأة، جدّي ذلك لم يعد، جدّتي وأبي وعمّي وأخي وكثيرون من أهلي وأبناء مخيّمي لم يعودوا أيضًا، أقصى ما فعلوه أنّهم تابعوا مشوار لجوئهم إلى مقابر المخيّم.
 
أنا اللاجئ صاحب المواصفاتٍ القياسيّةٍ العالميّة، النموذجيّ الذي يتكيّف مع كلّ الأوزان والمقاسات، الناسخ المتناسخ الذي يركب على جميع القوالب مهما تباينت أحجامها، المثاليٌ الحائزٌ على شهادة الأيزو 9999 حسب معايير المنظمّة الدوليّة لتوحيد اللاجئين على اختلاف منابتهم، وُلدتُ لاجئًا لأبوين لاجئين وجديّن وجدّتين لاجئين أيضًا، أعمامي وعمّاتي وأخوالي وخالاتي وإخوتي وأخواتي وجيراني وكلّ أبناء قريتي ومخيّمي لاجئون كذلك، فتحتُ عيوني وآذاني على صخب هذه الدنيا في بركسٍ يتقاسم أرضه العارية وسقفه الصدء لاجئون في مخيّم لاجئين، في وقتٍ كان اللجوء فيه لا يزال جديدًا ومبتكرًا، عرفتُ المراحيض والحمّامات ومناهل الماء المشتركة وطوابيرها وشجاراتها وعرفتني هي كذلك وصار بيننا ودٌّ وكراهيةٌ وألفةٌ ونفورٌ وأنا بعد طفلٌ صغير، وعندما أنعم عليّ القدر انتقلتُ من مخيّم لاجئين إلى مخيّم لاجئين آخر.
 
في مخيّم لجوئي الجديد عشتُ حياةً موزّعةً بين مطعم وكالة الغوث التي أسّست لأجل خدمتي والسهر على راحتي، وبين مركز توزيع الحليب ومستوصف الوكالة، حفظتُ عن ظهر غيبٍ دروبًا لا يسيرُ عليها سوى لاجئين، قضيتُ أيّامًا أجوب الشوارع بين بيتنا ومركز الإعاشة وأنا ألبس ملابسَ ليست على قياسي حصلت عليها من بُقج المعونات، ركبتُ على الطنابر فوق أكياس الطحين والعدس والحمّص وصابون الوكالة الذي قرّح جسدي، حملتُ على رأسي مرارًا أرغفة عجين أمّي إلى أفران كانت تخبز خبزًا حصريًا للاجئين فقط، درستُ في مدارس الوكالة وخَبرتُ حبوب الڤيتامين وزيت السمك والحليب الذي ليس به من طعم الحليب ورائحته شيء، أساتذتي ومديري كانوا لاجئين، وكذلك كلّ أقراني التلاميذ وأذنة المدرسة، حتّى بعد حصولي على البكالوريا درستُ في معهدٍ للاجئين، وعندما أردتُ أن أتزوّج اخترتُ فتاةً لاجئةً من مخيّم لاجئين، وأنجبتُ أولادًا لاجئينَ أيضًا.
 
أنا اللاجئ الذي لم يُعجبني لجوئي الذي دُبّر لي في وضح نهار بعيد من تاريخي المزيّف وفُرضَ عليّ فرضًا، فثرتُ على نفسي وعليه وعملتُ جاهدًا على تغييره من لجوء إجباري إلى آخر اختياري بنجومٍ أكثر، لم أرِد أن أورّثَ أولادي ذلك اللجوء البائس الذي ورثته عن والدي وجدّي، فحملتهم وأمّهم على كاهلي في رحلة نزوحٍ طويلةٍ باحثًا عن لجوءٍ جديدٍ يليقُ بالألفيّة الثالثة، أدرتُ ظهري لمخيّمي وهربت، وعندما وصلتُ بهم إلى الأرض الموعودة جابهني موظّفو الهجرة بحقيقتي المرّة، صفعوني بها على وجهي المتعب ساخرين: "كيف تجرؤ على طلب اللجوء هنا وأنت أصلاً لاجئٌ هناك!!"، في بلاد لجوئي الجديدة كان عليّ أن أنتظر سبع سنوات عجاف لأحصل على صفة لاجئ هي عندي منذ ولادتي، فأيّ بطرٍ هذا!!

أنا لاجئ الوقت الضائع، لاجئ البثّ الفضائي المباشر، لاجئ هذا الفضاء الافتراضي الأزرق، لاجئ ذلك الواقع الحقيقيّ الأسود، لاجئ الهواتف الذكيّة والماسنجر والسكايب، لاجئ الخبر العاجل على الشاشات ومواقع الإنترنت، الثابتُ المتحرّك، متجاوزًا بخطاي الواهنة منتصف عقدي السادس أتابع لجوئي عن بعد وأنا جالسٌ مع أركيلتي، مع كلّ نفخة من دخانها أراني أركض في لجوء من طرازٍ لا سابق له، أخرجُ من بيتي في اليرموك مع أمّي وإخوتي وأخواتي وعائلاتهم لننتشر في جرمانا والمزّة وحمص وصيدا وماليزيا وألمانيا والسويد، أمشي وأجري وأركب القوارب والباصات والقطارات والطائرات، أنا اللاجئ السندباد البحريّ والبريّ والجويّ، أصلُ إلى وجهتي التي لم أتوجّه إليها مرّةً وأفشلُ مرارًا، أموتُ قنصًا مع أحمد عند زاوية حارتنا، حسرةً مع لميس في ملجئها البارد، قهرًا مع أبو العبد في عين الحلوة، تعبًا وإنهاكًا مع فاطمة على الحدود السوريّة التركيّة، غرقًا مع الغارقين في البحر بلا شاهدةٍ أو بعض قبر، ضياعًا مع التائهين في البرّ يحاولون الوصول إليّ.
 
أنا اللاجئُ الأزليّ الموغل في القدم، الأبديّ إلى مالا نهاية، المؤقّت الخالد، المحميّ بقرارات الأمم المتحّدة، المستباحُ من شرطة ومخابرات وجيوش تلك الأمم نفسها، أنا اللاجئ القديم الجديد المتّكئّ على خيبتي، أجدّد لجوئي في كلّ ليلةٍ إلى دمعتي وقصيدتي، إلى ذكرياتٍ عشتها وأخرى أنتظرها، لستُ الفريدَ ولستُ الوحيد ولستُ الأفضلَ ولا الأتعس كذلك، لا الأوّلَ ولن أكون الأخير، لديّ فروعٌ كثيرةٌ موزّعةٌ على جهات العالم الألف فوق الأرض وتحتها، وفي كلّ يومٍ أفتتحُ فرعًا جديدًا في أمكنةٍ لم يطأها أحدٌ قبلي، كنتُ لاجئ المخيّمات الصغيرة المهمّشة وأصبحتُ لاجئ المدن الكبيرة الصاخبة، كنتُ لاجئًا بتذكرة إقامةٍ مؤقّتةٍ بدون جنسيّة، وأصبحتُ لاجئًا بإقامةٍ دائمةٍ وحقوق مواطنة وجنسيّة البلد الذي كان السبب الرئيسيّ في لجوئي.
 
أنا الذي وُلدتُ لاجئًا وعِشتُ لاجئًا، وإذا لم أعد لأموت في قرية والدي الشجرة وأُدفن في مقبرة الحياتلة، سأموت هنا.. أو هناك.. أو في أيّ مكان من هذا الكون الكئيب.. لاجئًا.

اقرأ/ أيضًا:

خيطٌ من قماش الكفن

متىَ سترأفينَ ببؤسِ الشحّاذ؟