لاجئو عرسال.. العودة قسرًا إلى حكم الجلاد برعاية الدولة اللبنانية!

لاجئو عرسال.. العودة قسرًا إلى حكم الجلاد برعاية الدولة اللبنانية!

لاجئون سوريون إلى بلدة عرسال اللبنانية (جوزيف عيد/ أ.ف.ب)

كيف يعود اللاجئ عن بلاده بفعل الحرب، إليها مرة أُخرى في خضم الحرب التي شردته نفسها؟ كيف يسلك طريق العودة وقد تضاعف الخطر عليه؟ ففِعل آلة القتل التي دفعته سابقًا إلى الاعتراض والمعارضة ومن ثم الرحيل ريثما يسقط نظام بشار الأسد؛ لم تعد هي وحدها الخطر المحدق بالكبير والصغير، بالشيوخ والنسوة والرجال والأطفال، بل رد فعلها أيضًا اقتصاصًا ومعاقبةً على الخروج من بيت الطاعة الأسدية ثم العودة إليه. كيف يعود الهارب من الموت تحت ناظري الجلّاد وسوطه؟ ما الذي يدفع اللاجئ إلى المرّ، "غير الأمرّ منه"؟!

الخيبة، والكثير من الخوف، ينتظران من رحل مجاهرًا بولائه للثورة، ثم عاد مرة أخرى وقد أجبرته الظروف على أن يشكر النظام السوري!

يُفترض أن تكون القافلة الثانية للاجئين السوريين، قد عادت بالأمس، أكثر من مئتي لاجئ من مخيم النور في عرسال، إلى بلدة "عسال الورد" في الداخل السوري، بموجب ما تحدثت عنه وسائل الإعلام ووصّفته بـ"الدفعة الثانية"، التي سبقتها دفعة أولى وستلحقها دفعات أخرى، يُؤمّن خط سيرها لبنانيا الجيش اللبناني على أن يتسلّم من الداخل السوري جيش النظام متابعة المسير تحت عيني عناصر مليشيا "حزب الله"، وصولًا إلى عسال الورد، التي أعاد النظام بدعم "حزب الله" سيطرته عليها.

لا خيار العودة

متاعٌ زهيد وحزن كثير وخوف أكثر من مجهول ينتظر من رحل مجاهرًا بالولاء للثورة، ثم عاد وقد أجبرته الظروف على ذلك، بعد أن خذل القريب والغريب شعبًا أعزلًا وتوانى عن نصرته بوجه الظلم والطغيان. يظهر من خلال شاحنات النقل التي أفرغ فيها النازحون، سنوات عجاف أبعدتهم عن بلادهم. وملابس وأدوات منزلية وبضع قطع من الأثاث الرث، وابتسامات مصطنعة وخيبة تحاول الاختباء في عيون لامعة دون أن تفلح.

اقرأ/ي أيضًا: لاجئو عرسال.. هربًا من الحرب السورية إلى التوحش اللبناني

ربما تكون عبارات الشكر التي توجّه بها لاجئون عائدون، إلى أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله ورئيس النظام السوري بشار الأسد، على تسهيل عودتهم إلى بلدتهم في القلمون الغربي، أمام عدسات كاميرات إعلام الأسد وحلفائه؛ أولى مؤشرات ما ستكون عليه إقامة العائدين الضبابية في بلدهم الذي هجّروا منه، ثم "أُجبروا على العودة إليه".

زوّرت وسائل الإعلام السورية مشاهد عودة النازحين، وصوّرت الأسد باعتباره المنقذ من الإرهاب ومخلص هؤلاء النازحين السوريين من مآسيهم

فالعودة جاءت في أعقاب مداهمات الجيش اللبناني للمخيمات، والتي قيل إنها شهدت انتهاكات إنسانية، ووُضعت في سياقها وفاة عدد من الشبان النازحين. وبنتيجة اتفاق بين "سرايا أهل الشام" من جهة و"حزب الله" وجيش النظام السوري من جهة أخرى، قيل أيضًا إنه يقضي في جانب منه بإعفاء العائدين من الخدمة العسكرية، الأمر الذي أكدت عكسه تقارير إعلامية أشارت إلى أن الشبان العائدين سيتم تجنيدهم في جيش النظام.

إعلام يكذب على هواه

وسائل الإعلام التي لطالما لمّعت صورة الأسد، وصوّرت ما يحصُل في سوريا على أنه مؤامرة كونية على عروبة تناصر فلسطين دون أن تقدّم لقضيتها شيئًا، وروّجت لإرهاب لم يكن النظام سوى صانعه وراعيه وعرّابه، كانت قد واكبت وصول دفعة سابقة من النازحين إلى بلدة عسال الورد، بتقارير إخبارية تشبه المعتاد بثّه على قنوات النظام، سيناريو الأسد هو المنقذ من الإرهاب والترهيب، ومخلّص السوريين بعد أن التمس لهم السماح وأعادهم إلى سوريا، "بلا ضربة كف"!

اقرأ/ي أيضًا: أعتى 11 كذبة للنظام السوري

أحد النازحين العائدين، بحسب أحد هذه التقارير، عاد مباشرة ليقطف ثمار الكرز وكأن شيئاً لم يكن. آخر باشر بطلاء منزله الذي لم يمسه ضرر. امرأة غسلت في وعاء نحاسي ملابس أولادها. ابتسامة هنا وزغاريد من هناك، والحياة حلوة ولا سنوات مرّت ولا شهداء سقطوا ولا خوف على النازحين العائدين ولا من يحزنون، فهل من يصدّق؟.

نسف حقوق الإنسان برعاية الدولة اللبنانية

ينص القانون الدولي الإنساني ومجمل أحكام شرعة حقوق الإنسان، يضاف إليهما اتفاقيات جنيف الأربع، على تحريم طرد اللاجئ الذي عبر الحدود الدولية خارج بلده الأم نتيجة أعمال حربية فيها أو تهديد على حياته وأمنه.

كما لا يجوز لأي طرف من الأطراف أن يحرم اللاجئ من الملاذ الآمن ما لم تزل الأسباب التي دفعته للجوء، وهذا تحديدًا ما ينطبق على حالة من تم طردهم قسرًا من عرسال اللبنانية إلى داخل الحدود السورية، فلا الحرب انتهت ولا ضمانات على أمنهم يمكن الحديث عنها.

هذا ولا يحق أيضًا انتهاك حقوق اللاجئ الإنسانية العامة عبر إجراءات كالحجز غير القانوني أو تعريضه للتعذيب، لكن هذا أيضًا جاز وتم تجاوزه من طرف الجيش اللبناني ومخابراته بحق اللاجئين في عرسال، لتكون الدولة اللبنانية بذلك خانت التزاماتها الدولية مرتين، واحدة بالقتل تحت التعذيب وأخرى بالطرد القسري لمن التمسوا المأمن من الحرب لديها. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

فوبيا اللاجئين السوريين في لبنان.. عنصرية من الوزير قبل المواطن

الأمني/ الإنساني.. جدلية اللجوء السوري في مصر