لأنّنا لا نستحق ألا تُغطّى التماثيل عن أعيننا

لأنّنا لا نستحق ألا تُغطّى التماثيل عن أعيننا

كابيتوليني (Getty)

الأسوأ في كل المسألة أن روحاني لم يطلب تغطية التماثيل. كارهو الرئيس الإيراني في بلادنا كثر، والتلقّي الأوّل لخبر حجب التماثيل من قبل معظمنا، كعرب تأذوا بشكل شخصي أو وطني من الدولة الإيرانية، كان السخرية من روحاني "المتخلّف" الذي أجبر إدارة متحف الكابيتوليني على تغطية التماثيل، مستقويًا بالعقود التجارية التي أتى بها من إيران والبالغة 17 مليار يورو.

الانتقاد أو السخرية أتت من الإيطاليين الذين سخروا من حكومتهم وإدارة متحفهم بسبب تغطيتها بعضًا من تراثهم القومي

ولأنّ الثورات، وخاصة السورية، قسمت العرب طوليًا إلى قسميْن، فإن من سخر من إيران، وهؤلاء لا يملكون أن يفعلوا أكثر من ذلك، بهتوا حين توضّح الخبر بأنّ تغطية التماثيل كانت بمبادرة إيطالية. أمّا القسم الآخر، لنسمّهم محبّي إيران، فبدايةً فرحوا لما رأوه من قدرة روحاني على إجبار المتحف على تغطية تماثيله العارية، ثم وبعد توضيح الخبر فرحوا أكثر لتبرئة روحاني من تهمة التخلّف، وكذلك لأنّ المبادرة الإيطالية بالتغطية دلّت على احترام مسبق للرئيس الإيراني.

الانتقاد أو السخرية المبررة تأتي، وأتت، من الإيطاليين، لا الإيرانيين ولا نحن. سخروا من حكومتهم وإدارة متحفهم بسبب تغطيتها بعضًا من التراث القومي لإيطاليا والتراث الإنساني للعالم أجمع. أمّا نحن، وهنا أُجمل العرب والإيرانيين، فلم يكن ما حصل خبرًا جيّدًا لا لمحبي النظام الإيراني منّا ولا لكارهيه، لأن ما فعلته إيطاليا لا علاقة له بالموقف من النظام الإيراني، عربيًا. لا خصّ للمسألة السورية في ما فعلته إيطاليا.

لنترك للإيطاليين أسبابهم الخاصة في السخرية من حكومتهم، ولنبقَ في سؤال بعضنا عن السبب في حجب التماثيل، المسألة هنا ليست اقتصادية أو سياسية، لو حلّ الرئيس الهندي أو الصيني محل الإيراني لما تمت تغطيتها، لكن إن حلّ محلّه الملك السعودي، أو غيره ممن يمكن أن يأتي كممثل ثقافي عن الإسلام، مهما كان تمثيله الطائفي، لتمت تغطية التماثيل، أو تحجيبها كما يحجّب هؤلاء مواطنيهم.

لذلك أقول يا ليت لو أنّ الخبريّة اكتفت بأنّ روحاني من طلب ذلك. لأنّ المبادرة الإيطالية بالتغطية دلّت على أننا، نحن كمجتمعات مسلمة بغض النظر عن الخيارات الفردية، والطوائف والقوميات التي تشتتنا، أننا نرى أنّ احترامنا يكون بحجب الفنون، تماثيل ولوحات، لأنّ ثديًا من الرّخام منحوت قبل ظهور كلّ الأديان يهين كرامتنا.

فكان لا بدّ من إزاحتها عن ناظرنا لأنّ الإيطاليين يرون فيها النقيض الثقافي لنا، فلا يتوقّف الأمر عند اختلاف في الأذواق بل يصل حدّ التناقض، فلا بد بالتالي من حجب واحدتها بحضور الثانية. وبالمليارات التي أتى بها روحاني، كان لا بد من أن تكون التماثيل ما يتوجّب حجبه.

هنالك أطراف سيحطّمون "الأصنام" عن بكرة أبيها، إن وصلوا إلى الكابيتوليني، وهؤلاء متصارعون مع روحاني وعصابته!

سخر العديد منّا، كارهي إيران، من روحاني، كالقول مثلًا أن ما يتوجّب تغطيته هو روحاني نفسه وليس التماثيل، وهذا صحيح لكنّه كلام مؤلم غير مضحك إن صدر عنّا، وعنصري واستشراقي إن صدر عنهم، لأنّ السخرية من روحاني في هذه الحادثة تحديدًا هي سخرية من حالنا كمجتمعات مسلمة، لم يحصل ما حصل لأنّ روحاني داعم للنظام السوري في حربه، بل لأنّه مسلم متديّن. وهنالك بالمناسبة أطراف أخرى في المسألة السورية سيحطّمون "الأصنام" عن بكرة أبيها، وبالفؤوس، إن وصلوا إلى الكابيتوليني، وهؤلاء متصارعون مع روحاني وعصابته.

أي ممثل للثقافة الإسلامية في المتحف سيستطيع بحسب ثقله اقتصاديًا وسياسيًا أن يتسبب بتغطية التماثيل، لأنّ هنالك سببًا ثقافيًا حاضرًا دائمًا، سبب ضروري وغير كافٍ. في هذا السبب الضروري، وهو ثقافي، نجتمع والإيرانيون. مهما كانت أنظمتنا، فالمتجمعات تجتمع في ذلك.

أخيرًا، هل أخطأ الإيطاليون في تغطية التماثيل؟ طبعًا، في حق الإنسانية لا في حق إيطاليا فحسب. لكن، كعربي أسأل، هل تجنّى الإيطاليون على أحد ممثلي الإسلام في العالم حين غطّوا التماثيل بحضوره؟ لا، أبدًا. إيطاليا التي أخطأت في حق ذاتها، لم تخطئ في حقّنا ولم تتجنَّ علينا، هذا الإسلام وهذه مجتمعاته.

وعيوننا، بالمناسبة، لا تقع ما إن ترى التماثيل إلا على أعضائها الجنسية، وتبقى هناك، عالقة، فلا نرى غيرها. ثمّ ندعو لإنزالها كي لا يضعف أحدنا فيجد نفسه وقد خرَّ ساجدًا. ما حصل في الكابيتوليني كان مرآة تعكس حالنا البائس، لأنّنا فعلاً لا نستحق، كمجتمعات، ألا تُغطّى التماثيل عن أعيننا.

اقرأ/ي أيضًا:

تنقيب إلهة الجمال كرمى لعيون الظلاميين

لنهدم تماثيلنا بأيدينا