ultracheck
  1. قول

كي تكون قارئًا ناجحًا.. كُن فضوليًا

24 يناير 2026
القارئ
القارئ (لؤي كيالي)
سمير عطيةسمير عطية

ينتظرني صديقي في المقهى، أصل إليه وهو يرتشف كوب شاي ساخن في يوم شتائيّ، يقرأ في كتاب ولم ينتبه لوصولي إلا متأخرًا، وقبل أن أضع معطفي وحقيبتي الصغيرة، وبعد تحية سريعة أسأله تباعًا: "هل هذا كتاب جديد؟ ما عنوانه؟ من المؤلف؟".

وفي ابتسامة منه يبدأ بالسرد الجميل، والإبحار في سفينة القراءة.

يُقال إن رحلة البحث عن كتابٍ ما تكون أكثر متعة من الحصول على الكتاب، وتفسير هذا أن القارئ سيجد في طريقه إلى الكتاب المنشود كتبًا متنوعة، في مواضيع مهمة، تأخذه أحيانًا في صفحاتها، فينسى كتابه الذي جاء يبحث عنه، فعرف بعد ذلك معنى أن يكون فضوليًّا في القراءة.

هل نقرأ كل ما يُكتب؟

بلا شك أن الإجابة "لا" كبيرة، فهذا من المستحيل على البشر أن يتمكنوا من تحقيقه. عشرات الآلاف من الكتب تصدر كل عام بكل اللغات، إحصائيات مذهلة من اليونسكو، والمنظمات المعنية بالنشر المعرفي في أنحاء العالم، ناهيك عن إصدارات لا توثقها المؤسسات التي تصدرها في سجلات الكتب.

ومعروف لدى القارئ النبيه أني لا أتحدث هنا عن المقالات التي تحفل بها الصحف الورقية والإلكترونية، ورغم أهمية ذلك وأنها أحد مفاتيح القراءة التي نسعى إليها، غير أن الحديث هنا عن الكتب، مصدر المعارف، ومخزن العلوم والآداب.

إذن هي الإجابة الحاسمة: نحن لا نقرأ كل ما يُكتب، فلماذا كان السؤال؟

وبشكل مباشر أجيب: لأننا معنيون بدوام القراءة، واتساع دوائر المعرفة الذاتية لدينا. نحن أمام حشود يومية من الإصدارات المعرفية، فأين موقعنا منها؟ وماذا نقرأ من كل هذا الزخم الضخم؟ فعلى سبيل المثال، ووفقًا لبيانات اتحادات الناشرين، نجد أن عدد نسخ الكتب المطبوعة لكل مواطن تركي خلال عام 2024، يتجاوز 8 نسخ. يعني ذلك طباعة ما يقرب من مليوني نسخة من الكتب كل يوم!

فكم قرأنا منها؟ وكم عرفنا عنها؟ وكم اشترينا من هذه العناوين وأضفناها إلى عقولنا قبل رفوف مكتباتنا؟ أسأل بصيغة الجمع، لأنني لا أستثني نفسي عن هذه الأسئلة، ولا أريد لنفسي أن تنفي عن نفسها صفة "الفضول المعرفي"، موضوع هذه المقالة.

ما هو "الفضول المعرفي"؟

لن تجد، عزيزي القارئ، هذا المصطلح في كتب القراءة، تلك الكتب الجميلة التي تحفزنا على القراءة، وتأخذ بأيدينا نحو قراءة واعية هادفة ممتعة.

إنه مصطلح من كاتب هذه السطور، نعم، وقد وجدته في صفات القارئ الناجح وهو لا يدري، في أكثر من بلد ولأكثر من تخصص.

الفضول الإيجابي في المعرفة، الذي يقود صاحبه للتعرف على أكبر عدد ممكن من الكتب، بشكل مختصر أو مطول، يسأل عن الجديد والقديم، والمكرر.

الفضول المعرفي الذي يقود القارئ لمعرفة فيما إذا كان الكاتب يكرر ذات الأفكار أم لا؟ الفضول المعرفي الذي يسأل عن جديد العقول، وما خطته أقلامها ولوحات حواسيبها على جدران الإبداع وأوراق العلوم والآداب.

الفضول المعرفي الذي يسأل عن الكتاب، وصاحبه، وأهم ما جاء به في كتابه.

الفضول المعرفي في اكتشاف "قارات أدبية وعلمية وفكرية" جديدة، عبر أسفار متجددة في سطور الكتب.

الفضول المعرفي الذي يقود صاحبه للمكتبات، والقراءة، والاستماع، والحوار، والإنضاج العقلي، والتحليق في فضاءات جديدة.

يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي: "ليكن غرضك من القراءة اكتساب قريحة مستقلة، وفكر واسع، وملكة تقوى على الابتكار، فكل كتاب يرمي إلى إحدى هذه الثلاث فاقرأه".

هل يستحق الكتاب هذا الجفاء؟

سؤال كبير، نجد إجاباته في واقعنا الحضاري المخجل بين الأمم، وتراجعنا العلمي والثقافي المؤثر في العالم.

إن تجديد المعرفة أمر مهم للغاية، وكيف ننسى في تراثنا ما قادنا إلى ما كنا عليه، فهذا أبو عمرو بن الجاحظ، يصف الكتاب وصفًا بديعًا يقول فيه:

"الكتاب وعاء مليء علمًا، وظرف حشي ظرفًا، وإناء شحن مزاحًا وجدًّا، ومن لك بواعظ ملهٍ، وبزاجر مغرٍ، وبناسك فاتك، وبناطق أخرس؟"

وقد قيل للإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: إنك تكثر الجلوس وحدك! فغضب وقال: أنا وحدي؟! أنا مع الأنبياء والأولياء والحكماء والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

هل تعرف دور النشر ذلك؟

تدرك عدد من دور النشر أساليب ناجحة في التسويق الناجح، فتعمل على تشويق القراء وجذبهم لاقتناء كتبها وشرائها، من خلال "الفضول المعرفي"، في ابتكار فكرة الغلاف، أو الجديد الذي يقدمه المؤلف، أو الغموض المشوق في العنوان، وأفكار أخرى منفردة أو مجتمعة من أجل "الفضول المعرفي" الذي يشعر به القارئ دون أن يدري، فيقوده هذا الفضول الإيجابي إلى معارض الكتب، ورفوف المكتبات، ونوادي الثقافة، وأصدقاء الكتاب.

إن معرفة هذا السلوك الثقافي في القراء والعمل عليه فيما يعود على صناعة الكتاب وجمهوره بالنفع، لهو أمر محمود، وأتحدث هنا عن التسويق الذي يرتكز على الصدق والحرص على بناء معرفي سليم، وامتداد للكتاب وحضور بين القراء بالجديد والمفيد، وحتمًا لا أتحدث عن "استغلال" الفضول المعرفي فيما يضر الكاتب والكتاب والقراء.

غير أن هذا الثناء يحتاج إلى جهد أكبر من دور النشر التي ما زالت تواجه تحديات عديدة، ولعل قدرتها على "جذب القراء" سيكون مفتاحًا مهمًا لها لفتح الأبواب المغلقة أمامها، وهذا الجذب يرتكز على القارئ، وما يمكن لهذه الدور أن تحفز فيه صفة "الفضول المعرفي"، وتنميتها فيما يفيد المشهد الثقافي والفكري بكل عناصره.

ولعل من هذه الأمور المهمة التي تواجهنا جميعًا، ارتفاع أسعار بعض الكتب، هذه الآفة الاقتصادية التي تحول دون انتشار الكثير من الكتب كما يجب، وتعمل بعض معارض الكتاب والمؤسسات ودور النشر وضع حلول لها، تساعد القراء على تلبية رغبات فضولهم المعرفي في اقتناء أكبر عدد من الكتب وقراءتها.

الجوائز الإبداعية تفعل ذلك!

رأينا في الأعوام الماضية، ما أسمته جوائز الثقافة والإبداع "القائمة الطويلة"، ثم "القائمة القصيرة" للروايات في المراحل المختلفة لتصفيات الفوز بالجائزة الروائية الأولى محليًّا أو عربيًّا أو عالميًّا.

وقد حققت هذه الفكرة اهتمامًا من الجمهور والنقاد والمبدعين لأسباب يمكن أن أذكر أهمها:

شعور الجمهور بأنه يعرف مراحل التحكيم، وبالتالي يظل على تواصل مع أخبارها، كما أن هذا يعطي انطباعًا بشفافية التحكيم، ولا يكتفي بالنتائج النهائية المفاجئة، وقد أعطت هذه الفكرة مجالًا أوسع للاهتمام بالكتاب ومؤلفاتهم، والحرص على التعرف عليهم أكثر، خاصة أن الأمر يرتبط بنتجات معرفية تخوض منافسات في الحصول على المراكز الأولى في هذه الجوائز.

لقد استطاعت هذه الفكرة أن تخاطب "الفضول المعرفي" الموجود لدى الجمهور والكتاب والمشتغلين في الثقافة على حد سواء.

في الختام، هل أنت قارئ فضولي؟

عزيزي القارئ، أنت فقط من يستطيع الإجابة عن هذا السؤال، وأن يعرف أكثر من أي خبير ومتخصص في المعارف والعلوم.

نعم، أنت فقط، تستطيع أن تبحث في نفسك، عن صداقتك مع الكتب، وبحثك عن الجديد فيها، والشغف المتجدد بالسؤال عن نوادي القراءة، وأصدقاء الكتاب، وكم أحب أصدقاء الكتاب، كيف لا؟ وهم من يشاركوننا البحث عن المعارف.

وأختم بهذه القصة التي حدثت معي، حين كنت بصحبة صديق قارئ، نتحدث، وأستشيره في مشروع ثقافي يشغل ذهني، وترددي في اتخاذ خطوة فيه، فما كان منه إلا أن قال:

"لا صعب في الحياة يا ماجدولين غير الخطوة الأولى، فإذا خطاها المرء هان عليه ما بعدها".

فسألته مندهشًا وبفضول المشتاق:

ما هذا؟ ماذا قلت يا صديقي؟

قال: هذا رد "ستيف" على "ماجدولين" في رواية "تحت ظلال الزيزفون" عرّبها مصطفى المنفلوطي، في لحظتها، قلت له: لن أغادر منطقة "الفاتح" اليوم قبل أن أقتني هذه الرواية، وقد كان، وفي هذا أختم مقالتي بدعائي لكم أن يرزقكم الله "الفضول المعرفي" لما فيه من سعادة للروح، وثراء للعقل.

كلمات مفتاحية
حمزة عرباوي

في أربعينه: رسالة إلى طارد الضباع حمزة عقرباوي

عزيزي طارد الضباع عن حيّنا، حمزة عقرباوي

السلطة الجديدة في سوريا

التعيين بين الدولة والقرابة: كيف تكشف الوظيفة شكل السلطة في سوريا

بعد مرور أكثر من عام على سقوط الأسد، وانتقال العمل الإداري إلى حكومة مؤقتة، تُقرأ التعيينات بوصفها ملفًا إداريًا، إلى جانب كونها أول مساحة تظهر فيها طبيعة السلطة بعد الحرب

جيفري إبستين واللورد بايليش (الترا صوت)

ملفات إبستين.. المنهج لا يُحاكَم

جيفري إبستين جزء من منظومة استغلال، تعرف كيف تحوّل الرغبات، بمختلف أنواعها، إلى ورقة ضغط، وليس مجرد وسيط، لكنها طريقة في السلطة والقوة

طهران
سياق متصل

إعادة تموضع سياسي ومفاوضات مشروطة: رسائل متبادلة بين طهران وواشنطن مع زيارة نتنياهو

وصف لاريجاني المرحلة المقبلة على أنها ستشهد إعادة تموضع سياسي، في توصيف يُعدّ الأول من نوعه على لسان شخصية تنتمي إلى دوائر صنع القرار

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

بين الوهم والعلاج: تطبيقات الذكاء الاصطناعي تهدد سلامة المرضى

يلجأ ملايين المرضى حول العالم إلى روبوتات المحادثة والتطبيقات الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على "تشخيصات"، لكن ذلك تسبب بالكثير من الأضرار

صورة تعبيرية
مجتمع

الهند تشدد قبضتها على منصات التواصل الاجتماعي بقاعدة الإزالة خلال ثلاث ساعات

يُنظر إلى هذا القرار على أنه تأكيد لموقع الهند كواحدة من أكثر الدول تشددًا في تنظيم المحتوى على الإنترنت

برشلونة
رياضة

آراوخو يكشف معاناته مع القلق والاكتئاب ويؤكد: الاستراحة أنقذتني

كشف قائد برشلونة رونالد آراوخو عن معاناة طويلة امتدت لعام ونصف مع القلق، قبل أن تتطور إلى اكتئاب دفعه في النهاية لطلب استراحة مفتوحة من كرة القدم