كيْت تشوبان: حسرة

كيْت تشوبان: حسرة

هنري سوجيموتو/ أمريكا

كيت تشوبان (1854-1904) روائية وقاصة أمريكية. وفيما يأتي ترجمة لإحدى قصصها.


كان لِمَدْموزيل أُورلي جسدٌ صحِّيّ وقويّ، ووجنتان متورّدتان، وشعرٌ يُراوِح لونه بين البُنيّ والرمادي، وعينان صارمتان. كانت تعتمر قبعة رجالية وهي تتنقّل في المزرعة، وعندما يكون الطقس باردًا كانت ترتدي معطفًا عسكريًّا أزرق قديمًا، وأحيانًا حذاءً برقبة عالية.

لم تفكّر مَدْموزيل أورلي في الزواج قطّ. لم تقع في الحبّ قطّ. في العشرين من عمرها تلقّت عرضًا بالزواج رفضته فورًا، وفي عمر الخمسين لم تندم على ذلك.

ولذا كانت وحيدةً تمامًا في العالم إلا من كلبها بونتو، والزنوجِ الذين كانوا يسكنون بيتها ويهتمون بمحاصيلها، وطيورٍ، وبضع بقرات، وبعضِ بغال، وبندقيتِها (كانت تطلق بها النار على الصقور التي تفترس الدجاج) وإيمانِها. 

ذات صباح وقفت مَدْموزيل أورلي في شرفتها ويداها على خاصرتها تنظر بتفكُّر إلى مجموعة صغيرة من الأطفال الصغار الذين بدوا وكأنهم سقطوا من الغيوم، لأن قدومهم لم يكن متوقّعًا وكان باعثًا على الاضطراب وغير مُرحّب به كليًّا. كانوا أطفال (أُوديل)، أقرب جاراتها، ولكنّها لم تكن جارة مقرّبةً منها على أيّ حال.

كانت المرأة الشابّة قد ظهرت منذ خمس دقائق فقط مصحوبةً بهؤلاء الأطفال الأربعة. كانت تحمل بين ذراعيها الصغيرةَ (لودي)، وتجرّ (تي نوم) من يده رغمًا عنه، في حين تبعتها كلٌّ من (مارسلين ومارسليت) بخطى متردّدة.

كان وجهها محمّرًا ومُشوَّهًا من الدّموع والانفعال. لقد استدعتها أبرشية قريبة بسبب مرض أمّها الخطير، وكان زوجها مسافرًا إلى تكْسَاس التي بدت لها بعيدة ملايين الأميال، وكان (فالسِن) ينتظرها مع العربة والبغلة ليقلّها إلى المحطة.

"إنها ليست قضية كبيرة يا مَدْموزيل أورلي، عليك فقط أن تُبقي هؤلاء الصغار معك إلى أن أعود. الرَّبُّ وحده يعلم، ما كنت لأزعجك بهم لو كانت ثمّة طريقة أخرى! دعيهم يطيعوك يا مَدْموزيل أورلي، ولا تتردّدي في معاقبتهم. إنني قلقة على الأطفال و(لِيون) ليس في البيت، وقد لا أجد أمّي المسكينة على قيد الحياة بعد!" احتمال مفزع دفع أوديل إلى اتخاذ قرار عاجل ومتشنّج بترك عائلتها البائسة.

تركتهم متزاحمين في المساحة الصغيرة المظلَّلة عند شرفة البيت المنخفض الطويل. كانت أشعة الشمس البيضاء تلفح ألواح البيت الخشبية البيضاء القديمة، وكانت ثمّة دجاجات تخمش العشب عند أسفل السلالم، وركبت إحداها السلّم بجرأة وراحت تمشي بتثاقل وكآبة وبلا هدف على الشرفة. كانت هناك رائحة قرنفل لطيفة في الهواء وكانت أصوات ضحك الزنوج تصل عبر حقل القطن المُزهر.

وقفت مَدْموزيل أورلي تتأمّل الأطفال. نظرت بعين فاحصة إلى مارسلين التي تُركت تترنّح تحت ثقل لودي البدينة. عاينت بالطريقة الحذِرة نفسها مارسليت التي اختلط بكاؤها الصامت بصياح تي نوم المسموع وتمرّده. وفي أثناء لحظات التفكّر القليلة تلك راحت تستجمع قواها عاقدةً العزم على القيام بسلسلة من الأمور التي ينبغي أن توافق مسؤولياتها وواجباتها. بدأت بإطعامهم. 

لو كانت مسؤوليات مَدْموزيل أورلي تبدأ وتنتهي عند هذا الحد لكان من السهل التصرّف فيها، لأن مستودع المؤن لديها كان مُهيَّأً بصورة كافية لطوارئ من هذه الطبيعة. لكنّ الأطفال الصغار ليسوا خنازير صغيرة، كانوا بحاجة إلى اهتمام لم تتوقّعه مَدْموزيل أورلي ولم تكن مُهيَّأة لمنحه. 

لقد كانت غير بارعة حقًّا في إدارتها أطفالَ أوديل في الأيام القليلة الأولى. كيف كان لها أن تعرف أن مارسليت تبكي كلّما تحدّث إليها أحد بلهجة آمِرة وعالية النبرة؟ كانت تلك صفة غريبة في مارسليت. وما كان لها أن تعرف شغف تِي نوم بالزهور إلا عندما قطف جميع زهور الغاردينيا والقرنفل المُنتقاة بعناية وأخضعها لدراسة بنائها النباتي.

أعلمتها مارسلين قائلة: "لا يكفي أن تتحدثي إليه يا مَدْموزيل أورلي، عليكِ أن تربطيه إلى كرسيّ. كان ذلك ما تقوم به أمي طوال الوقت عندما يسيء التصرّف. تربطه إلى كرسي." كان الكرسي الذي ربطت مَدْموزيل أورلي تِي نوم إليه واسعًا ومريحًا، فتحيّن الفرصة ليأخذ غفوة عليه، لا سيّما أن النهار كان دافئًا.

في الليل، عندما أمرتهم أن يذهبوا إلى الفراش كما تهشّ الدجاج إلى خُمِّها، وقفوا أمامها غير فاهمين. ماذا عن المنامات الصغيرة البيضاء التي ينبغي إخراجها من كيس المخدّة الذي جُلبت فيه، والذي ينبغي أن تهزّه يدٌ قويّة حتى يفرقع مثل السياط التي يُجلَد بها الثور؟ ماذا عن طست الماء الذي ينبغي أن يُجلب ويُوضَع على الأرض في منتصف الغرفة حتى يمكن غسل الأقدام الصغيرة المتعبة المغبرة الملفوحة بالشمس وتنظيفها؟ وقد ضحكت مارسلين ومارسليت بمرح من فكرة أنه كان على مَدْموزيل أورلي أن تصدّق لحظةً أن تي نوم لا يستطيع النوم من دون أن تُحكى له قصة البُعْبُع أو قصة المستذئب أو كلتيهما، أو أن لودي لا تستطيع النوم من دون هدهدة ولا مناغاة. 

أخبرت مَدْموزيل أورلي طاهيتها بِثقة: "أقول لك يا عمّة روبي، أُفضّل أن أُدير دزينة من المزارع على أن أُدير أربعة أطفال. يا إلهي! إنهم متعِبون! لا تحدثيني عن الأطفال!".

"لا أتوقّع أنك تعرفين شيئًا عنهم يا مَدْموزيل أورلي. لقد عرفتُ ذلك ببساطة البارحة عندما رأيتُ ذلك الطفل وهو يعبث بسلّة مفاتيحك. ألا تعلمين أن العبث بالمفاتيح يجعل الطفل عنيدًا؟ مثلما النظر إلى المرآة يجعل أسنانهم صلبة. هذه هي الأشياء التي ينبغي أن تعرفيها عن تربية الأطفال وتنشئتهم". 

مؤكّدٌ أن مَدْموزيل أورلي لم تكن تدّعي أو تطمح إلى معرفة هذا الموضوع معرفة دقيقة وبعيدة المدى كتلك التي امتلكتها العمّة روبي التي ربّت خمسة أطفال ودفنت ستة آخرين في تلك الأيام. سَرّها بصورة كافية أن تتعلّم بعض خدع الأمهات الصغيرة لخدمة الحاجة الآنيّة.

أجبرتها أصابع تي نوم اللزجة على أن تخرج مآزرها البيضاء التي لم ترتدها منذ سنوات، وكان عليها أن تعتاد قُبَلَه الرطبة، التي كانت تعبيرًا عن محبة وافرة. أنزلت سلّة الخياطة، التي نادرًا ما كانت تستخدمها، من الرفّ العلوي للدولاب ووضعتها في مكان قريب وسهل الوصول إليه كلما كان هناك قميص ممزّق أو صدار بلا أزرار. لبثت بضعة أيام لتعتاد الضحك والصراخ والثرثرة التي يتردّد صداها في البيت كلّه طوال اليوم. وفي الليلة الأولى أو الثانية فقط تمكنت من النوم بارتياح بالقرب من جسد الصغيرة لودي الدافئ والبدين المضغوط إلى جسدها، وأنفاس الصغيرة الدافئة تلفح وجنتيها مثل رفرفة جناح عصفور.

ولكن مع نهاية الأسبوعين أصبحت مَدْموزيل أورلي أكثر اعتيادًا لهذه الأشياء ولم تعد تشتكي.

وفي نهاية هذين الأسبوعين أيضًا عندما كانت مَدْموزيل أورلي تنظر ذات مساء ناحية الزريبة حيث كانت تُطعَم الماشية، رأت عربة فالسِن الزرقاء تنعطف نحو الطريق. كانت أوديل تجلس إلى جانب الحوذيّ الخلاسي مستقيمة ويقظة. وعندما اقتربت العربة كان وجه المرأة الشابّة مشرقًا وهو ما يشير إلى أن عودتها للمنزل كانت سعيدة. 

لكنّ هذه العودة غير المعلَنة وغير المتوقَّعة، وضعت مَدْموزيل أورلي في حالة من القلق والاضطراب. كان يجب جمع الأطفال. أين تي نوم؟ كان هنالك في الظل يحدّ شفرة سكينه على حجر الرحى. ومارسلين ومارسليت؟ كانتا تقصان خرقًا تصنعان منها دُمى في أحد أركان الشرفة. أما لودي فقد كانت تستريح بأمان بين ذراعي مَدْموزيل أورلي، وصاحت بفرح عندما رأت العربة الزرقاء المألوفة التي أعادت أمّها إليها.

انقضت الإثارة كلّها، ورحلوا. أيّ صمت عمّ المكان عندما غادروا! وقفت مَدْموزيل أورلي في الشرفة ناظرةً ومُصغية. لم تعُد ترى العربة. ألقى غروبُ الشمس الأحمر والشفقُ الأزرق الرمادي غشاوةً قرمزية على الحقول والطريق الذي كان يخفي العربة عن مرأى مَدْموزيل أورلي. لم تعد تسمع أزيز عجلاتها وصريرها. لكنها كانت لا تزال قادرة على سماع صياح الأطفال الصاخب السعيد، على نحوٍ خافت. 

استدارت نحو المنزل. كان عمل كثير بانتظارها، لأن الأطفال خلّفوا وراءهم فوضى محزنة، لكنها لم تهمّ فورا بإصلاح الوضع. جلست مَدْموزيل أورلي قرب الطاولة. ألقت نظرة بطيئة خلال الغرفة التي كانت ظلال المساء تزحف إليها وتتعمّق حول هيئتها هي -مَدْموزيل أورلي- المنعزلة. تركت رأسها يسقط على ذراعها المحنيّة وشرعت تبكي. أوه، لكنها بكت! ليس برفق كما تفعل النساء غالبًا. بكت كرجل، بشهيق بدا كأنه يمزّق روحها. لم تلاحظ بونتو وهو يلعق يدها. 

اقرأ/ي أيضًا:

الدوران السرمدي

أريان دريفوس: لم نعد نشعر بما يدخلنا