كيف يُقرأ اعتقال رئيس فنزويلا قانونيًا؟
5 يناير 2026
أوقفت الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في خطوة غير مسبوقة، أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الدولية والقانونية، وجعلت الحصانة السيادية على المحك، وطرحت تسييس القانون واستخدامه في الصراعات السياسية للتساؤلات..
فكيف يُقرأ توقيف "مارودو" قانونيًا؟
اعتقال "مادورو" يكشف الهوة بين النص والتطبيق في القانون الدولي
يقول الدكتور في القانون المحامي "محمد درويش لـ"الترا صوت": "يتمتع رؤساء الدول بحصانة شخصية مطلقة، أثناء توليهم المنصب حسب القانون الدولي، حيث تشمل الحصانة من الولاية القضائية الجنائية والحصانة من أي إجراء تنفيذي بما في ذلك الاعتقال أو التوقيف"، ووفقًا لدرويش، فإن "هذه الحصانة شاملة لا يجوز رفعها إلا بانتهاء ولاية الرئيس، ولا يجوز خرق هذه الحصانة إلا بموجب قرار من المحكمة الجنائية الدولية، حيث نص نظام روما الأساسي على عدم الاعتداد بالصفة الرسمية. وهذه الحصانة ليست امتيازا بل ضمانة لسيادة الدولة نفسها".
أما اعتقال رئيس دولة من قبل قوة عسكرية لدولة أخرى، فهو يشكل وفق الدكتور درويش "انتهاكًا خطيرًا لحظر استخدام القوة المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، ولمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ومساسًا بالنظام الدولي، وهذا الفعل يشكل استبدالًا لسلطة القانون بمنطق القوة، وانكشافا لفجوة دائمة بين النص والتطبيق في مجال القانون الدولي".
خبيرة قانونية: توقيف مادورو يعتبر جريمة عدوان دولية، وخرقًا سافرا لسيادة الدول
ويضيف "درويش" أن "كل ما تتذرع به الولايات المتحدة من شعارات نشر الديمقراطية هي شعارات فارغة، وجميعنا رأى كيف سمحت باستمرار الصراع في سوريا لأربعة عشر عامًا، وسمحت لديكتاتور بقتل شعبه الثائر وتدمير مدنه، واكتفت بإدارة الأزمة دون تدخل مباشر لإنهاء نزيف الدم"، ويضيف: "بالطبع هي بارعة في إكساء الصبغة القانونية على أفعالها، من خلال إعادة تعريف الشخص سياسيًا. واستعرض المحامي سابقة للولايات المتحدة، عندما "اعتقلت رئيس بنما الجنرال مانويل نورييغا سنة ١٩٨٩، حيث سعت إلى نزع الصفة السيادية عنه، بعدما وصفته كمجرم مخدرات لا كرئيس دولة".
أما في الحالة الفنزويلية فبحسب الدكتور المحامي، فـ"الهدف من تصرف ترامب هو إعادة رسم خارطة السيطرة على منابع النفط فقط، فتاجر مثل ترامب لا يمكن أن يسمح بحرمانه من ثروات أميركا الجنوبية التي يعتبرها الحديقة الخلفية للبيت الأبيض" وفقًغ لتعبيره.
لا مبرر قانوني لاعتقال "مادورو"
في السياق ذاته، يوضح الحقوقي المختص بالقانون الجنائي الدولي "المعتصم الكيلاني" لـ"الترا صوت" أن القانون الدولي يحظر استخدام القوة ضد سيادة دولة أخرى، باستثناء وجود تفويض صريح من مجلس الأمن، أو حق الدفاع عن النفس في حال وقوع هجوم مسلح مباشر، وفي الحالة الفنزويلية لا يوجد تفويض مجلس الأمن، ولا هجوم مسلح مباشر على الولايات المتحدة يبرّر العملية، لذلك فإن "استخدام القوة عبر عملية عسكرية في فنزويلا يُعد انتهاكًا لمبدأ عدم استخدام القوة في العلاقات الدولية وفقًا للميثاق".
ومن وجهة نظر القانون الدولي العام، يوصف اعتقال رئيس دولة في بلده بواسطة قوات دولة أخرى قانونيًا بأنه استعمال غير مشروع للقوة واعتداء على سيادة الدولة، وعند بعض المحللين يشبه "اختطافًا سياسيًا" أو "اعتقال غير مشروع"، وتبرير العملية بموجب تهم جنائية داخلية أميركية لا يغيّر من واقع أن "عملية عسكرية" استخدمت قوة في أراضي دولة ذات سيادة، ومثل هذه الاعتقالات خارج الأطر القانونية الدولية، تُعد تطبيقًا انتقائيًا للقانون لصالح سياسة دولة قوية، بدلًا من احترام مبادئ القانون الدولي العام.
ما الذي يمكن أن تفعله فنزويلا؟
وحول الخيارات القانونية الممكن أن تتخذها فنزويلا دوليًا حيال هذا الإجراء، فإنها تتمثل وفقا للـ"الكيلاني" برفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية (ICJ)، للمطالبة باعتراف انتهاك السيادة الوطنية واستخدام القوة، أو طلب تدخل مجلس الأمن أو محاولات إصدار قرارات إدانة، رغم احتمالية استخدام فيتو من الولايات المتحدة في مجلس الأمن، كما يمكنها التوجه للهيئات الدولية لحقوق الإنسان لاعتبار العملية انتهاكًا لحقوق الإنسان والسيادة، مؤكدًا أن الفعالية العملية لهذه الخيارات قد تتأثر بالاعتبارات الجيوسياسية، وقدرة الدول الكبرى على حماية نفسها من مساءلة فعلية.
آليات حماية القانون الدولي من التسييس
وتجدر الإشارة هنا إلى الآليات القانونية لحماية القانون الدولي من الانتقائية والتسييس، والتي يمكن تلخيصا حسب "الكيلاني" بالآليات التقليدية والتي تشمل الميثاق الأممي وهيئاته (مجلس الأمن والجمعية العامة)، ومحكمة العدل الدولية لفض المنازعات بين الدول، والاتفاقيات الدولية لحماية السيادة وحقوق الإنسان، إلا أن تطبيق هذه الآليات يعتمد على إرادة الدول واحترامها للمعايير، وهو ما تمثّله أحيانًا تحديات أمام قدرة النظام الدولي على كبح تجاوزات الدول الكبرى.
ومثل هذه العمليات غير مبررة قانونيًا إذا أصبحت مقبولة أو غير محاسبة، فإنها قد تقوّض الأساس القانوني الذي يقوم عليه النظام الدولي الحديث بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصًا مبدأ عدم استخدام القوة واحترام السيادة، ما يجعل النظام الدولي أكثر هشاشة أمام تدخلات واسعة غير منظمة بالقانون.
اعتقال مادورو يضع القانون الدولي على المحك
الخبيرة في القانون الدولي المحامية "ديالا شحادة" تؤكد لـ"الترا صوت" أن هذا التوقيف يعتبر جريمة عدوان دولية، بحسب اتفاقية روما المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية، وانتهاكًا صريحًا لاتفاقية فيينا المنظمة للعلاقات الدبلوماسية وميثاق الأمم المتحدة، كما يعد خرقًا سافرا لسيادة الدول.
ويجب أن تتحمل الدول المنفذة لمثل هذه الإجراءات تبعات قانونية عند ثبوت عدم شرعية الإجراء وفقًا لمجلس الأمن، إلا أن الولايات المتحدة لا يمكن محاسبتها كونها تمتلك الفيتو بمجلس الأمن والذي يخولها منع أي إجراء أو إدانة ضدها.
وتوضح "شحادة" أن هذه الجريمة تضعف مفهوم الشرعية الدولية والقانون الدولي، والتي أخذت تضعف شيئًا فشيئًا عند الرأي والوعي العام، خاصة جراء السكوت عن الإبادة الجماعية المستمرة في غزة على مدى سنتين، وهذه الجريمة تعتبر ضربة جديدة موجهة لمفهوم العدالة الدولية ومجتمع القانون الدولي، كما أن سكوت الدول الأخرى وعدم اتخاذ موقف من هذه الجريمة، سيضع الإجراء في مسار القبول والتمرير، ويساهم في إضعاف جسم القوانين في مواجهة القوة
يعيد هذا الحدث طرح سؤال جوهري حول مستقبل سيادة الدول في النظام الدولي، وحدود احترام الحصانة السيادية، وسط تصاعد توظيف القانون كأداة ضغط سياسي، وقرع جرس الإنذار فيما يتعلق بأوضاع الدول ذات السيادة خارج نفوذ القوى الكبرى، فحين تُنتزع الإجراءات القسرية من إطارها القضائي الدولي، لا يعود الخطر محصورًا بدولة بعينها، بل يمتد ليطال مبدأ السيادة ذاته، بوصفه أحد أعمدة الاستقرار الدولي، وبين القانون والقوة يبقى التحدي الحقيقي في حماية قواعد النظام الدولي من الانتقائية، وضمان ألا تتحول العدالة الدولية إلى وسيلة لتكريس ميزان القوة على حساب الشرعية.