كيف يهدد "الركود الديموغرافي" الاقتصاد الأميركي؟
12 ابريل 2026
تواجه الولايات المتحدة تحديًا متصاعدًا يتجاوز تقلبات الأسواق قصيرة الأمد، ويتمثل ذلك في ركود ديموغرافي متسارع قد ينعكس مباشرة على النمو الاقتصادي ومستقبل الرفاه العام، في وقت يركز فيه صناع القرار غالبًا على مؤشرات آنية مثل التضخم وسوق العمل.
وحسب مقال نشرته وكالة "بلومبيرغ"، يبدو سوق العمل الأميركي في حالة استقرار نسبي، وفق توصيف رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم بأول، حيث تتسم المرحلة الحالية بانخفاض معدلات التوظيف والتسريح في آنٍ معًا. هذه "المعادلة الغريبة" أبقت معدلات البطالة منخفضة رغم ضعف الطلب على العمالة.
الخطر الحقيقي: تراجع القوة العاملة
بعيدًا عن المؤشرات قصيرة المدى، يكمن التهديد الأعمق في تباطؤ نمو القوة العاملة، وهو العامل الحاسم في تحديد مسار الاقتصاد على المدى الطويل.
ساهم المهاجرون في الولايات المتحدة بفائض مالي كبير، حيث تجاوزت الضرائب التي دفعوها حجم المنافع التي حصلوا عليها، وبلغ هذا الفائض نحو 15 تريليون دولار بين عامي 1994 و2023
وتشير التقديرات إلى أن نمو السكان في سن العمل في الولايات المتحدة يشهد تراجعًا حادًا، مدفوعًا بانخفاض الهجرة وتباطؤ النمو السكاني. ففي العام الحالي، من المتوقع أن يسجل أدنى معدل نمو خلال 75 عامًا، مقارنة بمتوسط بلغ 1.3% منذ ستينيات القرن الماضي.
شيخوخة السكان وتأثير التكنولوجيا
إلى جانب تراجع عدد السكان، تنخفض أيضًا معدلات المشاركة في سوق العمل لأسباب هيكلية، أبرزها تقدم السكان في العمر وخروج جيل "الطفرة السكانية" إلى التقاعد.
كما أن صعود الذكاء الاصطناعي قد يفاقم هذه الظاهرة، إذ قد يواجه العمال الأكبر سنًا صعوبة في التكيف مع متطلبات العمل الجديدة، ما يزيد احتمالات خروجهم المبكر من سوق العمل، ويعمّق الاختلالات الهيكلية.
النتيجة المباشرة لهذه التحولات هي احتمال توقف نمو القوة العاملة تمامًا، وهو سيناريو غير مسبوق يحمل "تداعيات كبيرة" على الاقتصاد الأميركي. أحد هذه التداعيات يتمثل في تعقيد مهمة الاحتياطي الفيدرالي في تحديد السياسة النقدية، إذ سيصبح من الصعب تقدير عدد الوظائف اللازمة للحفاظ على استقرار البطالة، ما يزيد من احتمالات الخطأ في ضبط أسعار الفائدة.
لكن الأثر الأهم يتمثل في تراجع النمو الاقتصادي، حيث يعني تقلص عدد العمال انخفاض القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
رهان غير مضمون على الذكاء الاصطناعي
رغم أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية، إلا أن التعويل عليه لتعويض تراجع العمالة يبدو مبالغًا فيه حتى الآن، مع غياب مؤشرات على تأثير واسع النطاق.
وبالتالي، تبدو التوقعات بتحقيق نمو اقتصادي قوي، مثل نسبة 3% سنويًا، غير واقعية مع المعطيات الحالية.
وحتى مع تباطؤ نمو السكان، لا تنخفض النفقات العامة بالوتيرة نفسها، إذ تظل التزامات مثل الدفاع والخدمات العامة قائمة، بل وقد ترتفع مع زيادة نسبة كبار السن الذين يحتاجون إلى رعاية وخدمات إضافية. كما أن تمويل الدين العام الضخم يصبح أكثر عبئًا، إذ يتوزع على عدد أقل من العاملين، ما يزيد التكلفة الفردية.
الهجرة: عامل حاسم في التوازن الاقتصادي
في هذا السياق، تبرز أهمية الهجرة كعنصر داعم للاقتصاد. فقد أظهرت دراسة صادرة عن معهد "كاتو" أن المهاجرين ساهموا بفائض مالي كبير، حيث تجاوزت الضرائب التي دفعوها حجم المنافع التي حصلوا عليها. وبلغ هذا الفائض نحو 15 تريليون دولار بين عامي 1994 و2023، ما ساهم في تقليص العجز المالي بشكل ملموس.
تشير المعطيات إلى أن الركود الديموغرافي، خاصة إذا استمر بفعل سياسات تحد من الهجرة، قد يقود الاقتصاد الأميركي نحو نمو أبطأ ومستوى معيشة أدنى. ووسط هذه التحديات، تبدو الحاجة ملحّة "بالنسبة للأميركيين" لإعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو معالجة جذور المشكلة، بدل الاكتفاء بإدارة تداعياتها قصيرة الأمد.