كيف يكرّس اليمين الإسرائيلي واقعًا بلا أفق سياسي في الأراضي المحتلة؟
5 سبتمبر 2026
لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في إسرائيل اليوم هو ما إذا كان "حل الدولتين" ممكنًا، بل ما الذي يحلّ مكانه على الأرض فيما يستمر الجميع في الحديث عنه. ففي الضفة الغربية تتوسع المستوطنات، وتتآكل قدرة السلطة الفلسطينية على الحكم، وتتحول إجراءات الضم من مشروع معلن إلى وقائع إدارية وجغرافية متراكمة. أما في غزة فقد خلّفت الحرب مجتمعًا منهكًا وبنية مادية واقتصادية مدمرة. وفي الحالتين، يتقدم الواقع أسرع من السياسة.
تكشف قراءات إسرائيلية متقاطعة أن هذه التحولات لم تعد مجرد نتائج مؤقتة للحرب أو لوجود حكومة يمينية متطرفة، بل بدأت تأخذ شكل تحول أعمق داخل إسرائيل نفسها: في تصورها للفلسطينيين، وفي فهمها لحدود القوة، وفي تحديدها لما يمكن أن يكون عليه مستقبل الأرض الواقعة بين البحر والنهر.
ومن موقعين سياسيين وفكريين مختلفين، تصل الصحفية الإسرائيلية عميرة هاس والمحلل ميخائيل ميلشتاين إلى نقطة مشتركة مقلقة، هي أن إسرائيل لا تدير صراعًا بانتظار تسوية مقبلة بقدر ما تخلق واقعًا قد يجعل التسوية التي عرفها العالم طوال ثلاثة عقود غير قابلة للتطبيق على الإطلاق.
تطرح هاس، في مقالها بصحيفة "هآرتس"، رؤية قاتمة مفادها أن النقاش حول الدولة الفلسطينية لم يعد جوهريًا داخل إسرائيل، في ظل تراكم سياسات ميدانية في غزة والضفة الغربية تجعل الوجود الفلسطيني أكثر عرضة للخطر. وترى أن الأمر يتجاوز خيارات حكومة بعينها إلى منظومة تتداخل فيها السياسة والتشريع والجيش والمجتمع، وتدفع تدريجيًا بفكرة "التسوية" نفسها إلى خارج النقاش الفعلي.
وتصف عميرة هاس الوضع في قطاع غزة بأنه وصل إلى مرحلة انهيار شبه كامل للبنية الاقتصادية والاجتماعية، حيث يعيش نحو مليوني شخص في ظروف إنسانية قاسية، وسط دمار واسع وقيود مشددة على إعادة الإعمار والحياة الطبيعية.
كما ترى أن هذا الواقع يكرّس حالة من الاعتماد الإنساني المطلق، مع تراجع فرص الإنتاج وإعادة البناء، بما يعمّق هشاشة المجتمع الفلسطيني ويجعل الاستقرار طويل الأمد أكثر صعوبة.
تطرح هاس، في مقالها بصحيفة "هآرتس"، رؤية قاتمة مفادها أن النقاش حول الدولة الفلسطينية لم يعد جوهريًا داخل إسرائيل، في ظل تراكم سياسات ميدانية في غزة والضفة الغربية تجعل الوجود الفلسطيني أكثر عرضة للخطر
الضفة الغربية.. ساحة تحديد مستقبل إسرائيل
في الضفة الغربية، تشير هاس إلى تصاعد الضغوط المالية والإدارية على السلطة الفلسطينية، إلى جانب توسع الاستيطان، وتزايد القيود على الحركة والزراعة، بما في ذلك الحواجز والإجراءات العسكرية، الأمر الذي يحدّ من قدرة الفلسطينيين على تطوير اقتصادهم المحلي.
وفي السياق نفسه، يذهب المحلل الإسرائيلي ميخائيل ميلشتاين في مقال نشره في صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أن الضفة الغربية لم تعد ملفًا مؤجلًا أو قابلًا للإدارة المرحلية، بل أصبحت المتغير الحاسم في تحديد شكل إسرائيل خلال العقد المقبل، بغض النظر عن نتائج الانتخابات.
ويرى أن صدمة السابع من أكتوبر لم تؤدِّ إلى مراجعة نقدية داخل المجتمع الإسرائيلي، بل إلى حالة من الجمود الفكري، حيث باتت أي مقاربة تتحدث عن حدود القوة أو بدائل سياسية تُصنَّف تلقائيًا باعتبارها "سذاجة ما قبل 7 أكتوبر".
ويضيف أن المفارقة تكمن في أن بعض أبرز الداعين اليوم إلى منطق القوة المطلقة هم أنفسهم من شاركوا في بلورة السياسات التي قادت إلى الانفجار الأمني.
وينتقد ميلشتاين ما يصفه بـ"الازدواجية البنيوية" في السياسة الإسرائيلية: دعم البؤر الاستيطانية وإضعاف السلطة الفلسطينية، بالتوازي مع تحميل الفلسطينيين مسؤولية تصاعد العنف.
ويرى أنه لا يمكن فصل هذا كله عن التدهور الأمني، بل يُسهم في إنتاج بيئة فلسطينية مهيأة لانفجار متجدد.
يمين جديد.. من البراغماتية إلى "الرؤية الخلاصية"
تلفت هاس إلى أن هناك منظومة متداخلة تُنتج بنية مادية وأيديولوجية ونفسية تمهّد، وفق قراءتها، لاحتمال تهجير جماعي جديد للفلسطينيين. فالتيارات الاستيطانية الأكثر تطرفًا لا تخفي هذا الهدف، وتعمل عبر ممارسات يومية متصاعدة على خلق الظروف التي يمكن أن تتيح تنفيذه.
ولا تحصر هاس هذا التحول في المستوطنين أو اليمين المتطرف، بل تشير إلى ما تعتبره اتساعًا في القبول أو التواطؤ داخل المجتمع الإسرائيلي مع هذا المسار، بما ينقل الفكرة من هامش أيديولوجي متطرف إلى احتمال سياسي أكثر حضورًا.
بدوره، يوضح ميلشتاين أن التحول داخل اليمين الإسرائيلي لم يعد مجرد امتداد لليمين التقليدي، بل أصبح ذا طابع ديني–قومي "خلاصي"، تتقدم فيه مشاريع الضم والترانسفير ونماذج الدولة الواحدة ذات المستويات غير المتساوية كخيارات مطروحة في قلب النقاش العام.
ويشير إلى أن شخصيات مثل وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، تلعب دورًا محوريًا في صياغة الوقائع على الأرض في الضفة الغربية، عبر سياسات تراكمية تؤدي عمليًا إلى الضم دون إعلان رسمي، خصوصًا من خلال توسيع الاستيطان ومشاريع استراتيجية مثل منطقة "E1" بين القدس ومعاليه أدوميم، والتي تعقّد إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
ويحمّل ميلشتاين المعارضة الإسرائيلية مسؤولية إضافية، معتبرًا أنها تتعامل مع هذه التحولات إما بالغموض أو التجنب أو التماهي، ما يترك المجال مفتوحًا أمام اليمين المتشدد لاحتكار الخطاب السياسي.
ولا تتوقف دلالة ذلك عند ضعف المعارضة، بل تمتد إلى انكماش المسافة التي كانت تفصل أجزاء من الوسط عنها في القضية الفلسطينية. فبعد السابع من أكتوبر، أصبح النقاش الإسرائيلي أكثر تمركزًا حول الأمن والقوة والردع، بينما تراجعت الأسئلة المتعلقة بإنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية إلى هامش المجال السياسي.
الدولة الواحدة.. سؤال الهوية قبل السياسة
ترى هاس أن النقاش التقليدي حول "حل الدولتين" وبدائله أصبح نظريًا إلى حد كبير، في ظل غياب أرضية سياسية مشتركة تُعرّف المشكلة نفسها، وفي ظل خطاب ينكر، في أحد تياراته، الفلسطينيين كجماعة وطنية ذات امتداد تاريخي وحقوق سياسية.
في المقابل، يحذر ميلشتاين من أن إسرائيل تتقدم نحو واقع الدولة الواحدة من دون مناقشة تبعاته الفعلية. فضم ملايين الفلسطينيين من دون منحهم حقوقًا متساوية يعني، في نظره، ترسيخ نظام تمييزي لا يحل المشكلة الفلسطينية، بل ينقلها إلى داخل تعريف إسرائيل وطبيعة نظامها السياسي.
والفارق بين القراءتين لا يقل أهمية عن نقاط التقائهما. فهاس تنظر إلى المسار أساسًا من زاوية ما يفعله بالفلسطينيين: إضعاف شروط بقائهم، وتضييق المجال المتاح لحياتهم السياسية والاقتصادية، وصولًا إلى احتمال التهجير.
أما ميلشتاين فينطلق بدرجة أكبر من السؤال الإسرائيلي الداخلي: ماذا ستصبح إسرائيل إذا واصلت السيطرة على ملايين الفلسطينيين من دون منحهم حقوقًا سياسية متساوية؟ وهكذا تصل قراءتان تنطلقان من موقعين مختلفين، إحداهما من مصير الفلسطينيين والأخرى من مستقبل إسرائيل، إلى تشخيص متقارب: الوضع القائم ليس ساكنًا، بل يتحرك نحو صيغة جديدة وأكثر تطرفًا.
بين خيارين: استمرار المسار أو إعادة التفكير
في ضوء ذلك، يضع ميلشتاين الاستحقاقات السياسية المقبلة في إطار أكثر قتامة مما تبدو عليه عادةً. فهي ليست اختيارًا بين يمين ويسار، بل مواجهة بين الاستمرار في المضي نحو دولة واحدة بمنطق عقائدي لا يناقش عواقبه، وبين محاولة فتح نقاش واقعي حول بدائل لم تُطرح بجدية. ومن هذه البدائل، يقترح ما يسميه "الانفصال المادي الواقعي": إبقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية على غور الأردن وحرية العمل العسكري، مع تقليص الإدارة المدنية لملايين الفلسطينيين.
لكنه يحذر من أن أي محاولة لتقييد التوسع الاستيطاني ستواجه مقاومة داخلية شديدة من التيارات الدينية والقومية، وهو يستحضر رمزية سفينة "ألتالينا" تحذيرًا تاريخيًا من أن الصدام الداخلي بين اليهود ليس مستحيلًا.
يضع ميلشتاين الاستحقاقات السياسية المقبلة في إطار أكثر قتامة مما تبدو عليه عادةً. فهي ليست اختيارًا بين يمين ويسار، بل مواجهة بين الاستمرار في المضي نحو دولة واحدة بمنطق عقائدي لا يناقش عواقبه
ما بعد "إدارة الصراع"
ربما تكون الخلاصة الأهم في القراءتين هي أن إسرائيل تقترب من نهاية مرحلة طويلة قامت على فكرة "إدارة الصراع". فطوال عقود أمكن الجمع بين استمرار الاحتلال والاستيطان وبين إبقاء إمكانية التسوية السياسية مفتوحة نظريًا. وكان بالإمكان التعامل مع التناقض بين الاثنين باعتباره، مؤقتًا، احتلالًا سيزول يومًا، مستوطنات يمكن التفاوض عليها، وسلطة فلسطينية يُفترض أن تتحول في نهاية الطريق إلى دولة.
لكن تراكم الوقائع يجعل هذه الصيغة أكثر صعوبة. فالاستيطان لم يعد مجرد عقبة أمام الحل، بل أصبح أداة لإعادة تصميم الجغرافيا؛ وإضعاف السلطة الفلسطينية لم يعد مجرد وسيلة للضغط عليها، بل يهدد وجود الشريك الذي قامت عليه هندسة أوسلو أصلًا، فيما أظهرت حرب الإبادة في غزة إلى أي مدى يمكن أن تتراجع الاعتبارات السياسية أمام منطق القوة.
لهذا لا تبدو المسألة اليوم اختيارًا بسيطًا بين حل الدولتين والدولة الواحدة. السؤال الأعمق هو أي نوع من الدولة الواحدة يتشكل بالفعل قبل أن يقرر أحد تسميته كذلك: من يعيش فيها، ومن يملك الأرض، ومن يتمتع بالحقوق السياسية، ومن يخضع للسلطة من دون أن يشارك في تحديدها.
وهنا تقع نقطة الالتقاء الأعمق بين هاس وميلشتاين. فإذا كانت الأولى تحذر مما يفعله هذا المسار بالفلسطينيين، وكان الثاني يحذر مما قد يفعله بإسرائيل، فإن كليهما يشير إلى أن السؤال القديم عن مستقبل "حل الدولتين" قد يكون متأخرًا عن الواقع الذي يتشكل بالفعل.