كيف يعيد الذكاء الاصطناعي إنتاج القمع السياسي في العالم؟

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي إنتاج القمع السياسي في العالم؟

تستخدم الصين الذكاء الاصطناعي للسيطرة على السكان (Getty)

ما هو الذكاء الاصطناعي؟ وكيف تتم إساءة استخدامه سياسيًا، خاصة في الدول التي تحكمها أنظمة شمولية، ذات هوس بمراقبة الفرد وتحديد رؤية شاملة وكاملة عن تفاصيل حياته وعلاقاته ونشاطاته الاجتماعية؟ كيف حولت هذه الدول أنظمتها إلى آلهة مطلعة على أفئدة شعوبها نبضة نبضة؟ وما هو دور الذكاء الاصطناعي في ذلك؟

تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لإعادة تشكيل وتقوية القمع العالمي بقدرات جديدة، وتعزيز سلطة الأنظمة الشمولية وقدراتها في التحكم في المواطنين

الذكاء الاصطناعي .. تطبيقات طيبة و خبيثة!

من الصور الذهنية الخاطئة التي ترد في ذهن المرء فورًا حين نتحدث عن الذكاء الاصطناعي، هو أنه تكنولوجيا مستقبلية، تذكره بالروبوتات البشرية التي تظهر في البرامج التلفزيونية والأفلام، لكن الحقيقة أن هناك بالفعل مجموعة كبيرة من التطبيقات الواقعية التي يُستخدم فيها الذكاء الاصطناعي ويعتمد عليها البشر العاديون في حياتهم اليومية. ولكن كيف؟

اقرأ/ي أيضًا: بعد التشكيك به... "فيسبوك" يرفض اتهامه بدعم ترامب

يقوم الذكاء الاصطناعي بالفعل بتشغيل العديد من التطبيقات والبرامج الشائعة في حياتنا اليومية، في فيسبوك وتويتر وأمازون ومحرك البحثغوغل، وقوائم الانتظار في نتفليكس على سبيل المثال لا الحصر.

مع ذلك، فإن هناك فجوة واسعة بين وظائف الذكاء الاصطناعي وطبيعتها من التعقيد إلى البساطة، فهي تقوم بوظائف أكثر تعيقدًا فيما يتعلق بمهامها في السيارات ذاتية القيادة مثلًا، بينما تحتاج إلى مستوى أقل تعقيدًا، في وظيفة روتينية مثل تصفية البريد الإلكتروني العشوائي.

هل يمكن إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي؟ يجيب عالم التكنولوجيا الشهير ميلفين كرانزبيرغ، بأن التكنولوجيا أداة وتخضع للطريقة التي تُستخدم فيها، فهي في حد ذاتها ليست جيدة أو سيئة، بل حسب وظيفتها، ويؤكد "أنها تؤدي مجموعة من الوظائف، بما في ذلك الوظائف العسكرية والسلمية على حد سواء". ومن ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد مسببات الأمراض في عينات الدم وتحليل نتائج التصوير بالرنين المغناطيسي لفحص السرطان. هذه الخوارزميات يمكن أن تعمل بسرعة أكبر وبدقة أكثر من نظيراتها البشرية، مما يسمح بمراقبة سريعة وتحديد الخلايا الخبيثة.

الصين.. رائدة الهوس بالمراقبة الإلكترونية

لكن تحديد الجيد والسيئ، ليس أمرًا مفهومًا ضمنًا، حيث تتنافس السلطة مع المجتمعات المحلية والمدنية على هذا التعريف. اخترعت الصين مثلًا آلية جديدة لمراقبة كل فرد في مجتمعها وتقييمه، في عديد من المدن الكبيرة. تستخدم السلطات الصينية تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في دمج مجموعة مختلفة من المعلومات بداية من عينات الحمض النووي، مرورًا بالمنشورات على الحسابات المختلفة لوسائل التواصل الاجتماعي والسجلات الطبية، وحتى معلومات الحسابات المصرفية. لكن الصين لا تستخدم الذكاء الاصطناعي فقط لمراقبة الاضطرابات في المناطق النائية لديها، لكن لدى بكين أيضًا ما تسميه بـ"درجات الرصيد الاجتماعي" أو نقاط الأهلية الاجتماعية، وهي عبارة عن مجموعة كبيرة من البيانات الاجتماعية مستمدة من السجلات العامة وحسابات منصات التواصل الاجتماعي ومجموعة من المصادر الأخرى، لمراقبة سلوك الأفراد وتشكيله وتصنيفه كجزء من نظام أوسع للسيطرة السياسية.

الذكاء الاصطناعي ذراع سياسية.. أحيانًا

تستخدم بعض أنظمة الذكاء الاجتماعي الموجودة في المجال العام من أجل نشر المعلومات المضللة بسرعة، و يتم التحكم في خوارزميات التواصل الاجتماعي، من أجل إبراز محتوى معين، لجذب المستخدمين نحو مقالات أو منشورات ما، من أجل التأثير على سلوك الناس، وإبقاء المستخدمين  مطلعين دومًا على منشوراتهم على الشبكات الاجتماعية. الأنظمة الاستبدادية أيضًا يمكن أن تستغل مثل هذه الخوارزميات في السيطرة لبعض الوقت على الفضاء الإلكتروني من خلال توظيف جيوش البوتات، وإبراز وجهات النظر المدافعة عن النظام. عربيًا، كان ما حدث في أكثر من حالة تتبع لحسابات نشطاء ومعارضين على الإنترنت واضحًا، من هذه حالات الصحفي السعودي جمال خاشقجي الذي تم اغتياله العام الماضي في قنصلية بلاده في إسطنبول. وعالميًا هناك حالات أخرى أكبر على المستوى السياسي، منها التدخل الروسي المزعوم في انتخابات عام 2016  في الولايات المتحدة الأمريكية.

وأخيرًا، أصبحت تقنية الذكاء الاصطناعي قادرة على نحو متزايد على إنتاج مقاطع فيديو واقعية وصوتية مزورة، معروفة باسمDeep Fakes ، أو المزيفات العميقة، وهي مقاطع تُنتج بجودة عالية في بعض الأحيان لديها القدرة على تقويض قدارتنا الأساسية على الحكم على الحقيقة من الخيال.

لماذا تستثمر الدول الكبيرة في الذكاء الاصطناعي؟

تنفق العديد من البلدان الكثير من الأموال لتعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في آذار/مارس 2018، أن فرنسا سوف تستثمر 1.8 مليار دولار في قطاع الذكاء الاصطناعي لديها للتنافس مع الصين والولايات المتحدة. وبالمثل، صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين علنًا بأن "من سيصبح القائد في هذا المجال سوف يصبح حاكمًا للعالم"، مما يعني استثمارًا روسيًا ضخمًا في تطوير هذه التكنولوجيا أيضًا. كما قامت دول أخرى مثل كوريا الجنوبية بتقديم تعهدات كبيرة بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

لكن قادة العالم الحقيقيين في هذا المجال هما الصين والولايات المتحدة الأمريكية. وبالنسبة لبكين، يعتبر الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من نظام أوسع للسيطرة السياسية الداخلية، وتريد الصين أن تكون رائدة العالم في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، فقد التزمت بإنفاق 150 مليار دولار لتحقيق الهيمنة العالمية في هذا المجال.

كيف استخدمت الصين الذكاء الاصطناعي مع الولايات المتحدة في الميدان السياسي؟

من أجل امتلاك زمام السيطرة على الذكاء الاصطناعي، فإن هناك ثلاثة عناصر يجب امتلاكها، وهي كما يوضحها الباحث ستيفن فلدشتاين في مقاله عن الموضوع، أولها بيانات التدريب اللازمة للتعامل مع الآلة، والخوارزميات القوية، و ما يُسمى بقوة الحوسبة، ومن بين هذه العناصر الثلاثة فإن الصين لديها البيانات الرقمية بوفرة، والخوارزميات، لكنها تتراجع خلف الولايات المتحدة في تصنيع رقائق الكومبيوتر المتقدمة بالإضافة إلى قوة الحوسبة، التي تتفوق فيها أمريكا دون منافس حقيقي حتى الآن.

وعلى النقيض من ذلك، تمتلك الولايات المتحدة الرقائق الإلكترونية الأكثر تطورًا في العالم والخوارزميات الأكثر تطورًا. ومع ذلك، فإن الأميركيين يتدافعون بشكل متزايد وراء نظرائهم الصينيين عندما يتعلق الأمر بالكم الهائل من البيانات الرقمية المتاحة لشركات الذكاء الاصطناعي، وذلك لأن الشركات الصينية تستطيع الوصول إلى بيانات أكثر من مليار مستخدم محلي مع ضوابط للخصوصية غير موجودة تقريبًا، مما يتيح لها ذكاء اصطناعيًا يعمل بنتائج أكثر دقة.

ما نوع الذكاء الاصطناعي الذي ينشره التنين الصيني؟

تروج الصين لطريق حرير رقمي (كجزء من مبادرة الحزام والطريق، التي تشمل الاستثمار الصيني في البنية التحتية للبلدان الأخرى) لنشر التكنولوجيا المتطورة للحكومات في جميع أنحاء العالم، وتشمل هذه الجهود خططًا لإنشاء شبكة من المدن "الذكية" أو "الآمنة" في بلدان مثل باكستان وكينيا. هذه المدن لديها تكنولوجيا مراقبة واسعة بنيت بشكل مباشر في بنيتها التحتية.

في أمريكا اللاتينية، باعت الصين برمجيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التعرف على الوجه إلى السلطات الإكوادورية والبوليفية والبيروفية لتعزيز المراقبة العامة، وبالمثل، في سنغافورة، توفر الصين 110 ألف كاميرا مراقبة مزودة بتقنية التعرف على الوجه. سيتم وضع هذه الكاميرات على جميع أعمدة الإنارة العامة في سنغافورة لإجراء عمليات تحليل للوجوه في الحشد البشري وللمساعدة في عمليات مكافحة الإرهاب، كما  تزوّد الصين زيمبابوي بتقنية التعرف على الوجه لخدمات أمن الدولة التابعة لها، وتقوم ببناء قاعدة بيانات وطنية للصور. بالإضافة إلى ذلك، دخلت الصين في شراكة مع قوات الشرطة الماليزية لتزويد الضباط بتكنولوجيا التعرف على الوجه. هذا من شأنه أن يسمح لمسؤولي الأمن بمقارنة الصور الحية على الفور التي تلتقطها كاميرات الجسم مع الصور المخزنة في قاعدة البيانات المركزية.

اقرأ/ي أيضًا: فيسبوك والسياسة القذرة.. خادم مطيع للأوامر الإسرائيلية والأمريكية

لماذا تهتم الصين بتصدير الذكاء الاصطناعي؟

تفترض الصين بشكل كبير أنه كلما تحولت الأنظمة السياسية في البلدان الأخرى إلى نظام أقرب إلى نموذج الحكم فيها، كلما قل التهديد الذي تشكله تلك البلدان على الهيمنة الصينية، كما تدرك بكين أن توفير التكنولوجيا الهامة للحكومات المتلهفة للحصول عليها، سيجعلها أكثر اعتمادًا على الصين. فكلما اعتمدت الحكومات على التكنولوجيا الصينية المتقدمة للسيطرة على سكانها، ازدادت الضغوط التي يشعرون بأنها تتوافق مع المصالح الاستراتيجية لبكين.

تستخدم بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي الموجودة في المجال العام من أجل نشر المعلومات المضللة بسرعة، والتحكم في خوارزميات التواصل الاجتماعي

وهكذا فقد تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لإعادة تشكيل وتقوية القمع العالمي بقدرات جديدة، يمكن في المستقبل أن تجعل من الصعب أن تقوم احتجاجات عفوية تخرج فيها جموع الشعب بشكل عفوي من أجل المطالبة بحلول حازمة لوقائع معيشية ضاغطة. ولكن حتى الآن، فإنه لا يمكن التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي قد تطور بشكل فعَال للعب هذا الدور مع ما يواجهه من تحديات لتطويره تستلزم وقتًا وجهدًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل تُهدّد وسائل التواصل الاجتماعي الديمقراطية؟

كيف تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لتنمية شركتك الخاصة؟ 6 نصائح ناجحة