كيف يخدم التوقيت الصيفي نخبة المال والأعمال في المغرب؟

كيف يخدم التوقيت الصيفي نخبة المال والأعمال في المغرب؟

أصحاب المال والأعمال أكثر المستفيدين من نظام الساعة الإضافية (Getty)

بدون سابق إنذار، قررت الحكومة المغربية فجأةً العمل بالتوقيت الصيفي طوال السنة، وإضافة 60 دقيقة على توقيت غرينيتش المعمول به في البلاد، رغم شكاوى المواطنين المستمرة من نظام توقيت الساعة الزائدة.

يعتقد كثيرون أم العمل بالتوقيت الصيفي في المغرب سببه ضغوطات نخبة المال والأعمال، أكثر المستفيدين من الساعة الزائدة

وبحسب تسريبات رائجة على مواقع التواصل الاجتماعي، فإن هذا القرار الحكومي جاء إرضاءً لضغوطات أصحاب المشاريع التجارية، والذين يوجد العديد منهم في الحكومة والبرلمان. وبغض النظر إن كان ذلك صحيحًا أم لا، فإن التوقيت الصيفي هو في الواقع يصب في مصلحة البورجوازية التجارية بالمغرب، كما سنبين، لكن قبل ذلك دعونا أولًا نتعرف على هذا النظام الزمني المُربك.

اقرأ/ي أيضًا: المغرب ينتقل إلى التوقيت الصيفي.. 5 أسئلة تحل غموض الساعة الإضافية

ما هو التوقيت الصيفي ومتى بدأ؟

التوقيت الصيفي هو تعديل في التوقيت القياسي المعمول به، من خلال دفع الزمن إلى الأمام، بإضافة ساعة واحدة، وذلك بغرض توفير ضوء النهار لأطول فترة ممكنة، خاصة في فصل الصيف، حيث تستمر أشعة الشمس لفترة أطول مقارنة مع باقي الفصول.

وكان جورج هدسون، عالم الفلك البريطاني، هو أول من اقترح فكرة توفير ضوء النهار، وذلك في سنة 1895. وكانت الإمبراطورية الألمانية أول من طبّقت هذه الفكرة، بدءًا من 30 نيسان/أبريل 1916، لتستخدمها فيما بعد العديد من البلدان في أوقات مختلفة منذ ذلك الحين.

وقد بدأ العمل بالتوقيت الصيفي في المغرب لأول مرة عام 1984، وهي التجربة التي دامت حوالي 15 شهرًا، ليتم تكرارها مرة أخرى عام 1989، غير أن هذه الأخيرة لم تدم سوى شهر واحد فقط. ولم يعد المغرب إلى اعتماد هذا التوقيت إلا في عام 2008 لتستمر التجربة، إلى أن قررت الحكومة اليوم تثبيته طول العام، وليس فقط في فصل الصيف كما جرت العادة.

وسيلة لتربح أصحاب المال والأعمال

ويفيد التوقيت الصيفي نخبة المال والأعمال تحديدًا بطرق مختلفة، أولها أنه يُسهم في زيادة المبيعات بشكل لافت، وذلك لأن المحلات التجارية تفتح أبوابها لفترة أطول نتيجة ساعات النهار الطويلة، إلى جانب أن الموظفين وطلاب المدارس ينتهون من دوامهم في وقت أبكر بساعة من التوقيت العادي، ما يتيح لهم فرصة للخروج من البيت والتجول حيث لا يزال ضوء النهار، وبالتالي احتمال أكبر للشراء والتسوق، ما يحقق بدوره مزيدًا من الأرباح بالنسبة لشركات المبيعات التي تزود المحلات التجارية بالمواد الاستهلاكية.

خرجت تظاهرات في المغرب منددة بتثبيت نظام الساعة الإضافية (أ.ف.ب)
خرجت تظاهرات في المغرب منددة بتثبيت نظام الساعة الإضافية (أ.ف.ب)

ولذلك مثلًا، تسعى لوبيات التجارة في الولايات المتحدة الأمريكية جاهدة للضغط على الكونغرس من أجل تمديد العمل بالتوقيت الصيفي ما أمكن، وقد نجحت فعلًا في ذلك عام 2005 عندما تم تمديد العمل به بضعة أسابيع. وعن ذلك، يقول مايكل داوننغ، مؤلف كتاب "الربيع إلى الأمام: الجنون السنوي مع التوقيت الصيفي"، إن "العمل بهذا التوقيت هو سياسة لزيادة الإنفاق، ومساعدة شركات التجزئة على مزيد من البيع".

بالإضافة إلى ذلك، يتيح العمل بالتوقيت الصيفي لمالكي وسائل الإنتاج في المغرب إبقاء العمال في العمل لفترة أطول، خاصة في الضيعات الفلاحية، التي لا يمكن العمل فيها تحت إضاءة الكهرباء، فيصبح الحل هو استغلال ضوء الشمس ما أمكن، وبالتالي زيادة الإنتاج لصالح مالك الضيعة أو المعمل.

كان هذا السبب هو الفكرة الأصلية وراء تطبيق التوقيت الصيفي في أوروبا خلال الثورة الصناعية، عندما لم يكن للعمال حقوق، وكانوا يشتغلون فترات طويلة وفي ظروف مزرية. ورغم أنه في عصرنا الحالي هناك مواثيق دولية تحذر من انتهاك حقوق العمال أو استنزاف جهد أكبر منهم، إلا أنه في المغرب لا يزال أرباب المصانع وورشات البناء والضيعات الفلاحية، متحمسين لأية فرصة لزيادة أرباحهم، حتى لو كان ذلك على حساب جهد العمال.

أيضًا هناك عامل آخر يدعم فرضية وقوف نخبة المال وراء قرار الحكومة بإبقاء التوقيت الصيفي طوال السنة، وهو تيسير التجارة لأصحاب الشركات مع الشركاء الاقتصاديين الأوروبيين، وذلك من خلال تقليص الفارق الزمني بين المنطقتين، خاصة وأن بلدان الاتحاد الأوروبي تستحوذ على النسبة الأكبر من التعاملات التجارية للمغرب.

فوائد مزعومة

أما بخصوص فوائد التوقيت الصيفي المزعومة على المواطنين، فلا يبدو أنها تستند على أدلة علمية حاسمة، ففي حين تفترض دراسات أن إضافة ساعة في التوقيت من شأنه أن يقلل حوادث السير وعمليات السطو، باعتبار أن الناس يقضون وقتًا أطول تحت ضوء النهار، فيكونون أكثر حيطة وحذرًا  للتعرض للحوادث، إلا أن هناك دراسات أخرى تقول إن الناس يتعرضون بشكل أكبر من المعتاد لحوادث المرور والسطو خلال الفترة الصباحية المبكرة في التوقيت الصيفي!

يعد نظام التوقيت الصيفي، أو الساعة الإضافية، مربكًا على المستوى الشخصي والاجتماعي (Getty)
يعد نظام التوقيت الصيفي، أو الساعة الإضافية، مربكًا على المستوى الشخصي والاجتماعي (Getty)

وعلى الرغم من حقيقة أن التوقيت الصيفي قد يوفر الطاقة، وهي الحجة التي تسوقها الحكومة، إلا أن الدراسات المعمولة في هذا الصدد، تُظهر انخفاضًا طفيفًا فقط في استخدام الإضاءة، وفي المقابل زيادة في استخدام أجهزة التدفئة والتكييف واستهلاك الغاز، وبالتالي لا يوجد هناك توفير واضح للطاقة.

وأكثر من ذلك، فالعمل بالتوقيت الصيفي ربما يكون ضارًا على الأطفال، إذ يضطر التلاميذ إلى الاستيقاظ باكرًا بشكل يفوق الطبيعي، ثم يذهبون إلى المدارس في ساعات مبكرة من الصباح، وهو أمر يثير قلق الآباء على أطفالهم من ذهابهم وحيدين والشوارع خاوية. وبالتحديد صغار القرى سيعانون كثيرًا مع التوقيت الصيفي، خاصة في فصل الشتاء.

أكثر المستفيدين من التوقيت الصيفي هم نخبة المال والأعمال الذين تزيد مبيعاتهم بساعة إضافية يُقررها التوقيت الصيفي

ولعل الفائدة الوحيدة لترسيم التوقيت الصيفي على مدار العام، هي الاستغناء عن تبديل الساعات وضبطها في كل مرة من جديد، وهو أمر يربك نظامنا البيولوجي، ما يرتد سلبًا على الصحة النفسية والجسدية. لكن من المرجح أنه ليس السبب الحقيقي لإقرار الحكومة التوقيت الصيفي بشكل دائم!

 

اقرأ/ي أيضًا:

البطالة في المغرب.. توقعات متشائمة ومخاوف متزايدة

دور "النخبة الجاهزة" في المغرب