كيف يؤثر ما نأكله على خطر الإصابة بالسرطان؟
16 فبراير 2026
على مدى عقود، راكمت الأبحاث العلمية أدلة متزايدة تؤكد وجود علاقة وثيقة بين الأنماط الغذائية وخطر الإصابة بأنواع مختلفة من السرطان.
ولم يعد التركيز منصبًا على "الأطعمة الخارقة" أو مضادات الأكسدة بشكل منفصل، بل تحوّل الاهتمام إلى الصورة الكاملة، والمتمثلة بالعادات الغذائية طويلة الأمد وتأثيرها التراكمي على صحة الإنسان.
ورغم أن أي تشخيص فردي للسرطان لا يمكن إرجاعه إلى سبب واحد، إذ تتداخل فيه عوامل وراثية وبيئية وسلوكية متعددة، فإن الدراسات السكانية تكشف اتجاهات واضحة تربط بين نمط الغذاء وخطر المرض.
أولوية للنباتات
تشير الأبحاث التي نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن الأنظمة الغذائية التي تركز على الحبوب الكاملة، والفواكه والخضروات الطازجة، والبروتينات النباتية أو قليلة الدهون، ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري والسرطان.
للطعام الذي نتناوله أثر كبير على خطر الإصابة بالسرطان، فكيف يحدث ذلك؟ وما هي الأطعمة التي تزيد خطر الإصابة بالسرطان؟
ويرى باحثون أن أحد التفسيرات المحتملة لذلك هو انخفاض مستويات الإنسولين والالتهاب المزمن لدى من يتبعون هذه الأنماط الغذائية. فالارتفاع المزمن في الإنسولين والالتهاب يُعدّ من السمات الرئيسية للسمنة ومتلازمة الأيض، وهما عاملان يرتبطان بزيادة خطر السرطان، إذ يسهمان في تحفيز الانقسام الخلوي غير الضروري، ونمو الخلايا، وتلف الحمض النووي، وتعطيل موت الخلايا الطبيعي، وهي كلها خصائص أساسية في تطور السرطان.
كما أن الحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات والفواكه والخضروات غنية بالألياف الغذائية، التي ترتبط بدورها بانخفاض خطر الإصابة بالسرطان. فالألياف تساعد على تسريع مرور الفضلات في الجهاز الهضمي، ما يقلل من تعرض الأمعاء للمواد المسرطنة، كما تغذي البكتيريا النافعة في الأمعاء التي تسهم في تقليل الالتهاب.
وتشير البيانات إلى أن الخضروات الورقية الخضراء مثل الخس والسبانخ والجرجير، إضافة إلى الخضروات ذات اللون الأصفر الداكن مثل الجزر والقرع، قد تسهم ضمن نظام غذائي متوازن في خفض مستويات الإنسولين والالتهاب.
اللحوم تحت المجهر
صنّفت International Agency for Research on Cancer اللحوم المُصنّعة، مثل النقانق واللانشون واللحوم المقددة، على أنها "مسرطنة للبشر"، فيما اعتبرت اللحوم الحمراء "مرجّح أن تكون مسرطنة"، استنادًا إلى أدلة علمية قوية وإن كانت محدودة.
وتوضح الدراسات أن نوع الحديد الموجود في اللحوم الحمراء، إضافة إلى المركبات الكيميائية التي تتشكل عند طهيها في درجات حرارة مرتفعة، كالشواء، يمكن أن يؤدي إلى تكوين مواد تساهم في تلف الحمض النووي، كما ارتبطت النترات والنتريت المستخدمة في حفظ اللحوم المصنعة بزيادة خطر السرطان.
وينصح خبراء التغذية بتجنب اللحوم المصنعة قدر الإمكان، وتقليل استهلاك اللحوم الحمراء إلى حصتين أو ثلاث أسبوعيًا. وفي حال الشواء، يُفضَّل استخدام تتبيلات حمضية قائمة على الليمون أو الخل لتقليل تكوّن المواد المسرطنة. كما تشير بعض الدراسات إلى أن تناول الأسماك قد يرتبط بانخفاض مستقل في خطر الإصابة ببعض السرطانات.
خطر متصاعد للأطعمة فائقة المعالجة
يتزايد القلق العلمي بشأن الأطعمة فائقة المعالجة، بما في ذلك المشروبات المحلاة بالسكر. فهذه المنتجات غالبًا ما تكون غنية بالسعرات الحرارية والسكريات، ما يساهم في السمنة ومقاومة الإنسولين. وتشير دراسات مخبرية إلى أن بعض المواد الكيميائية والمضافات في هذه الأطعمة قد تخلّ بتوازن البكتيريا المعوية وتضعف بطانة الأمعاء، ما يعزز الالتهاب.
وأظهرت دراسة حديثة واسعة في فرنسا أن عددًا من المواد الحافظة الشائعة ارتبط بزيادة خطر الإصابة بالسرطان عمومًا، ولا سيما سرطان الثدي والبروستاتا. وكان نحو ثلث استهلاك المشاركين من هذه المواد مصدره الأطعمة فائقة المعالجة، لكنها وُجدت أيضًا في بعض المنتجات المعلبة والمجففة والمشروبات الكحولية.
ويوصي خبراء باختيار المنتجات الطازجة أو المجمدة، وتجنب الأطعمة التي تحتوي على قوائم طويلة من المكونات الصناعية غير المألوفة في المطابخ المنزلية.
لا مستوى آمن للكحول
ويحذر خبراء من أن خطر الكحول لا يقتصر على من يفرطون في الشرب، إذ تشير الأدلة إلى أن حتى الاستهلاك الخفيف قد يزيد من خطر بعض أنواع السرطان. وتؤكد American Institute for Cancer Research أنه "لا يوجد مستوى آمن من الكحول فيما يتعلق بخطر السرطان"، وأن تقليل الاستهلاك هو الخيار الأفضل، بينما الامتناع الكامل هو الأكثر أمانًا.
وتُظهر الدراسات أن الاستهلاك المرتفع والمستمر للكحول يرتبط بزيادة خطر سرطان القولون والمستقيم، وأن التوقف عن الشرب قد يخفض هذا الخطر.
ويتحلل الكحول في الجسم إلى مادة "الأسيتالديهيد" السامة للخلايا، كما يزيد من مستويات هرمون الإستروجين المرتبط ببعض أنواع سرطان الثدي، ويرتبط أيضًا بالإجهاد التأكسدي الذي قد يسبب تلف الحمض النووي.
إشارات إيجابية للقهوة ومنتجات الألبان
تشير بعض الدراسات إلى أن شرب ما يصل إلى ثلاثة أكواب يوميًا من القهوة أو الشاي قد يرتبط بانخفاض مقاومة الإنسولين والالتهاب، بفضل احتوائهما على مركبات مضادة للأكسدة تحمي الخلايا من التلف، بشرط تجنب إضافة السكر.
أما منتجات الألبان، وخاصة تلك المخمرة مثل الزبادي الطبيعي والأجبان، فقد ارتبطت بانخفاض خطر سرطان القولون والمستقيم، ويرجح أن الكالسيوم والبكتيريا النافعة يلعبان دورًا في ذلك ضمن نظام غذائي صحي متكامل.
الحلقة الأقوى بين الغذاء والسرطان
تبقى السمنة الرابط الأوضح بين الغذاء والسرطان. فقد ربطت مجموعة كبيرة من الأدلة بين السمنة وأكثر من اثني عشر نوعًا من السرطان، بينها سرطان الثدي والقولون والرحم والمعدة والكلى والكبد والبنكرياس.
وتؤدي الأنسجة الدهنية إلى زيادة إنتاج الإستروجين، الذي يُعد عاملًا محفزًا لبعض أنواع السرطان. كما أن الدهون المتراكمة في منطقة البطن تعزز الالتهاب ومقاومة الإنسولين.
ويؤكد خبراء أن الحفاظ على وزن صحي، إلى جانب ممارسة نشاط بدني معتدل لمدة 30 دقيقة معظم أيام الأسبوع، يشكلان عنصرين أساسيين في تقليل خطر السرطان، فضلًا عن الحد من مخاطر السكري وأمراض القلب وحتى الخرف. ورغم وجود أبحاث أولية تشير إلى احتمال أن تسهم أدوية "جي إل بي-1" في تقليل خطر السرطان، فإن الأدلة لا تزال محدودة.
المعركة ضد السرطان لا تُخاض فقط في المختبرات وغرف العلاج، بل تبدأ أيضًا من المطبخ ونمط الحياة اليومي، حيث تتقاطع صحة الأيض مع الوقاية طويلة الأمد.