كيف فاقم العدوان الإسرائيلي مشاكل الرياضة اللبنانية؟
22 مارس 2025
امتدت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان لأكثر من 400 يوم، من بينها شهران ممّا عرف بـ " الحرب الموسّعة " حيث أدت إلى تهجير أكثر من مليون ونصف مليون مواطن من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية ومناطق أخرى، وقد تأذّت بسبب هذه الحرب جميع القطاعات الحياتية في لبنان بشكل كبير، من بينها الرياضة اللبنانية التي دفعت مرة أخرى ثمن الحروب وغياب الاستقرار الأمني والسياسي في لبنان، بالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية والمالية المستدامة والضعف في تمويل الأندية والرياضيين.
كانت الرياضة اللبنانية تعاني مسبقًا، ومثلها مثل باقي القطاعات، تأثرت بشكل كبير جراء العدوان الإسرائيلي
وقد تزامن هذا العدوان مع استحقاقات رياضية مهمة، مثل مشاركة منتخب لبنان لكرة القدم في كأس آسيا 2024 التي استضافتها دولة قطر، ومشاركة رياضيين لبنانيين في أولمبياد باريس 2024. وصحيح أن الرياضة اللبنانية عاشت أزمات عميقة في السنوات الأخيرة، ما انعكس سلبًا على النتائج في الألعاب الفردية والجماعية على حدّ سواء، إلا أن الحرب ضاعفت من هذه المشاكل، ولعلّ البارقة الإيجابية الوحيدة خلال فترة الحرب كانت التألق الكبير لنادي "الرياضي بيروت" لكرة السلة، الذي توجّ موسمه المثالي بالفوز بدوري أبطال آسيا ما أهّله للمشاركة في كأس العالم للأندية.
إلغاء مسابقات محلية ومشاركات خارجية بسبب العدوان
بعد أيام من توسّع الحرب الإسرائيلية على لبنان، أعلن الاتحاد اللبناني لكرة القدم عن عدم مشاركة المنتخب الأول في بطولة ودية دولية كان من المقرّر أن تقام في الفيليبين، بهدف الاستعداد لتصفيات كأس آسيا 2027، كذلك أُلغي الكثير من المشاركات الخارجيات في مختلف الرياضات، فيما تجمدّت كل الأنشطة والدوريات محليًا، وتمّ تأجيل بعض الفعاليات الرياضية المهمة مثل "ماراتون بيروت" الذي كان مزمعًا تنظيمه في الخريف الماضي في العاصمة بيروت، وقد استعيض عنه بماراتون نُظم في مدينة ديربورن الأميركية وحمل اسم " معًا من أجل لبنان "، وذهب ريعه لدعم المتضررين من الحرب.
يؤكد الخبراء أن تداعيات العدوان الأخير على #لبنان ستظل قائمة لسنوات، سواء من حيث التأثير المباشر على القطاعات الاقتصادية المختلفة، أو من جانب التغيرات الديموغرافية التي طالت السكان.
— Ultra Sawt ألترا صوت (@UltraSawt) February 18, 2025
اقرأ التقرير: https://t.co/nqIUvGKlLv pic.twitter.com/9ZmSpgIMMP
خسائر بشرية في الجسم الرياضي اللبناني
قبل عام تقريبًا استشهد "مصطفى غريب"، لاعب نادي شباب بعلبك، وهو نادي كرة القدم تأهّل هذا الموسم إلى الدرجة الأولى، بعد غارة إسرائيلية طالت قرية أنصار البقاعية، كما تعرّضت لاعبة منتخب لبنان للشابات وقائدة نادي أكاديمية بيروت " سيلين حيدر"، لإصابة بليغة في الرأس إثر غارة استهدفت الضاحية الجنوبية إبّان الحرب الموسّعة.
كذلك تعرّضت المنشآت الرياضية والملاعب لأضرار كبيرة بسبب الغارات، وخاصة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وخسر الكثير من الرياضيين أقارب لهم ومنازلهم وممتلكات أخرى وفوّت بعضهم فرصة المشاركة في بطولات واستحقاقات خارجية بسبب الحرب.
استـ شهاد لاعب فريق تجمع شباب بعلبك مصطفى غريب في الغارة المعادية على محيط بعلبك .
— مصدر مسؤول (@fouadkhreiss) March 11, 2024
وتداول ناشطون من مدينة بعلبك ان العناية الالهية تدخلت و حالت دون استـ شهاد عدد من لاعبي فريق تجمع شباب بعلبك حيث كانوا يسهرون في منزل بالقرب من المكان الذي استهدفته الغارة pic.twitter.com/RmS4lAtuYY
استؤنفت معظم النشاطات الرياضية في لبنان بعد توقّف الحرب، إلا أن الآثار المادية والنفسية لها لا تزال تخيّم فوق قطاع الرياضة، فالأندية مُنيت بخسائر مادية فادحة، في التجهيزات وفي المنشآت، كما أن ممولي الأندية من رجال أعمال وأصحاب شركات خسروا الأموال بسبب الحرب، ما جعلهم غير قادرين على تغطية مصاريف الأندية فاستقال عدد منهم، وبدأت بعض الأندية تبحث عن مصادر جديدة للتمويل من بينها طلب التمويل من الجمهور، كما أن بعض اللاعبين الأجانب غادروا أنديتهم مع توسّع الحرب، ورفضوا العودة إلى لبنان رغم توقّف الأعمال القتالية.
للوقوف أكثر على واقع الرياضة في جنوب لبنان تحديدًا بعد توقف الحرب، كان لـ"ألترا صوت" لقاء مع الكابتن "مصطفى نور الدين" لاعب نادي "جويا " لكرة القدم الذي ينشط في مصاف أندية الدرجة الثانية، نسبةً لبلدة جويا في قضاء صور جنوبي لبنان وهي تقع خارج الشريط الحدودي.
يقول "نور الدين" إن ناديهم كان يلعب تحت مسمى "بنت جبيل" نسبة للبلدة الحدودية المعروفة، قبل أن يتم بيع الرخصة ويتحول ليصبح نادي "جويا" ، بعد انطلاق جبهة الإسناد خريف العام 2023. وفي تلك الفترة واجه الفريق الكثير من المشاكل، بسبب الأعمال القتالية التي شهدتها بلدة " بنت جبيل " ومحيطها حتى قبل توسّع الحرب، فلم يعد بإمكانهم التدرّب على ملعب البلدة، وتوجّب عليهم قطع مسافات طويلة لإيجاد ملاعب للتدريب، معظمها لم يكنّ بحالة جيدة، بل أنهم اضطروا أحيانًا للتدرب على ملاعب مخصّصة للـ "ميني فوتبول" في مدينة "صور". يضيف نور الدين: "لك أن تتخيل أن تتدرب لمباراة عشرة لاعبين وحارس" على ملعب مخصّص لـ " خمسة لاعبين وحارس".
وتحدّث "نور الدين" الذي يلعب في جميع مراكز خط الدفاع، وكانت له تجربة في الدرجة الأولى مع النادي الجنوبي الآخر "التضامن صور" الناشط في دوري الدرجة الأولى، عن المصاعب النفسية التي واجهها لاعبو الفريق في العامين الأخيرين، وبالأخص اللاعبون من أبناء قرى الشريط الحدودي، إذ تهجّروا في الأيام الأولى من حرب الإسناد، وكانوا في حالة نفسية سيئة، بسبب السكن بعيدًا عن منازلهم وقراهم، بالإضافة إلى المشاكل المالية وصعوبة تأمين مصاريفهم الشخصية.
🎥 جيش الاحتلال يشن غارات عنيفة على مدينة #صور جنوبي لبنان. pic.twitter.com/ANiEet7bLv
— Ultra Sawt ألترا صوت (@UltraSawt) October 23, 2024
ويشير "نور الدين" إلى أن عددًا من اللاعبين خسروا أقارب لهم بسبب الحرب، وآخرين تهدّمت منازلهم وتضرّرت أرزاقهم، وعلى المستوى الشخصي هو خسر ابن عمه وابن خاله الذين استشهدا خلال الحرب، ما ترك أضرارًا نفسية كبيرة لديه، حاله حال جلّ اللاعبين، وقد توجّه نور الدين في نهاية اللقاء بالشكر والامتنان للتضحيات التي بُذلت وللشهداء الذين عبّدوا طريق الصمود والعودة، كما تمنى على الدولة وعلى الجهات المعنية إيلاء اهتمام أكبر لكرة القدم وخاصة في الأطراف، وتقديم الدعم اللازم للأندية واللاعبين وتطوير الملاعب.
كذلك كان لـ"ألترا صوت" لقاء مع الكابتن حسن الزين، وهو صحفي متخصص بكرة القدم ولاعب سابق مع نادي "شباب الساحل" ومدرب معروف في بلدة "بنت جبيل" وجوارها، وقد أشار "الزين" إلى أن الحرب أثّرت بشكل كبير على أندية كرة القدم في مختلف الدرجات وخاصة في الجنوب، وقد دفع نادي "بنت جبيل" وهو النادي الأشهر في الشريط الحدودي الثمن الأكبر، حيث اضطر مسؤولوه إلى بيع رخصة النادي بسبب الحرب التي هجّرت أهالي المنطقة واللاعبين على حدّ سواء، فلم يعد بالإمكان إقامة التدريبات ناهيك عن لعب المباريات والمشاركة في دوري 2023/2024، ولا تغطية مصاريف النادي، وقد ثمن "الزين" الدور الذي لعبه الممولون من أبناء البلدة في دعم النادي وتقديم كلّ ما يلزم له، إلا أن ظلال الحرب ألقت بثقلها على الواقع الكروي للمنطقة، وتحوّلت أموال الخيّرين بشكل بديهي لدعم الأسر التي هجّرت من منازلها وفقدت مصادر رزقها.
كما أكّد "الزين" أن الحرب لم تُضعف من إرادتهم، وهم يعملون بجهد اليوم لنفض غبارها وإعادة الواقع الكروي إلى ما كان عليه، بفضل مساهمة أصحاب الأيادي البيضاء على حدّ وصفه، والعزم والإصرار الذي يظهره القيّمون على النشاط الكروي في المنطقة، حيث عاد العمل إلى أكاديمية "فوتبول أكاديمي" التي ترعى المواهب في المنطقة وتسعى إلى تطويرها، بالرغم من أن الأعمال العدائية لم تتوقّف وفي ظلّ تأخّر انطلاق ورشة إعادة الإعمار في الجنوب.
كما نوّه "الزين" في الختام بالدور الكبير الذي لعبته بلدية بنت جبيل ورئيسها "عفيف بزي" في دعم كرة القدم في البلدة، وخاصةً عبر بناء ملعب القرية وتجهيزه لاستقبال المباريات ورعاية المواهب وتطويرها. وطالب المعنيين وفي مقدّمهم اتحاد كرة القدم اللبناني بالإسراع بإعادة تأهيل ملعب "بنت جبيل" الذي تضرر بشكل كبير نتيجة للغارات التي تساقطت على البلدة، لما له من دور كبير في استضافة النشاطات الكروية لمختلف الفئات العمرية.