كيف غيّر الذكاء الاصطناعي شكل التضليل السياسي؟
7 يونيو 2026
لم يعد التضليل السياسي في العصر الرقمي يعتمد فقط على الأخبار الكاذبة أو الحسابات الوهمية، بل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا مع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي القادرة على إنتاج صور وفيديوهات وأصوات ونصوص تبدو واقعية بالكامل، ما جعل الحدود بين الحقيقة والتزييف أكثر ضبابية من أي وقت مضى.
وخلال الأعوام الأخيرة، تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أداة مركزية في الحروب المعلوماتية والحملات السياسية، بعدما أصبح إنتاج المحتوى المضلل أسرع وأرخص وأكثر إقناعًا، سواء عبر تقنيات "التزييف العميق" أو المكالمات الصوتية الاصطناعية أو الحسابات المؤتمتة القادرة على نشر المحتوى بشكل واسع ومنسق.
وقالت الباحثة نينا شيك، المتخصصة في التزييف العميق والدعاية الرقمية، إن العالم دخل مرحلة "ما بعد الحقيقة البصرية"، حيث لم يعد بالإمكان التعامل مع الصورة أو الفيديو باعتبارهما دليلًا قاطعًا على الواقع، مع التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي.
استخدمت أحزاب هندية تقنيات استنساخ الأصوات والترجمة الفورية بالذكاء الاصطناعي لإنتاج خطابات انتخابية بلغات محلية متعددة
ثورة في صناعة التضليل
قبل ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، كانت حملات التضليل السياسي تحتاج إلى فرق متخصصة وميزانيات ضخمة لإنتاج محتوى دعائي أو تشغيل شبكات حسابات مزيفة، أما اليوم فأصبح بإمكان شخص واحد إنتاج فيديو مزيف لرئيس دولة أو مرشح انتخابي خلال دقائق باستخدام أدوات متاحة للعامة.
وأظهرت بيانات شركة "كالريتي" المتخصصة في كشف التزييف العميق أن عدد الفيديوهات المزيفة المتداولة عالميًا ارتفع بأكثر من 900% بين عامي 2019 و2024، فيما أصبحت بعض المقاطع تُنتج خلال دقائق وبتكلفة لا تتجاوز عشرات الدولارات.
كما رصدت شركة "ريكوردد فيوتشر" للأمن السيبراني 82 مقطع "ديب فيك" استهدف شخصيات عامة في 38 دولة بين تموز/يوليو 2023 وتموز/يوليو 2024، معظمها خلال مراحل انتخابية.
وشملت تلك المقاطع انتحال شخصيات مثل الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب استخدام شعارات وسائل إعلام موثوقة مثل "بي بي سي" و"فرانس 24" لإضفاء المصداقية على المحتوى المزيف.
من الأخبار الكاذبة إلى "الواقع المصطنع"
من جهة أخرى، لم يعد التضليل السياسي قائمًا على نصوص مضللة أو صور مفبركة قابلة للتفنيد نسبيًا، بل بات يعتمد على محتوى بصري وصوتي يولّد تأثيرًا عاطفيًا أكبر ويمنح الأكاذيب مظهرًا واقعيًا.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح ليس "كيف نكشف التزييف؟" بل ماذا يحدث للثقة العامة في عالم لا يمكن فيه التحقق من أي شيء؟
وبذلك قد أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل "البنية النفسية للتضليل"، لأن الجمهور يتفاعل مع الصورة والصوت بسرعة وتأثير أكبر مقارنة بالنصوص التقليدية، بحسب الباحثة رينيه دي ريستا من مرصد الإنترنت في جامعة ستانفورد.
وحذّرت مؤسسة "راند" الأميركية من أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تمنح الجهات السياسية والفاعلين الأجانب قدرة غير مسبوقة على تنفيذ حملات تأثير نفسي واسعة النطاق بسرعة كبيرة وتكلفة منخفضة، مع إمكانية استهداف فئات محددة نفسيًا وسلوكيًا عبر تحليل البيانات الشخصية وسلوك المستخدمين.
كما أشارت دراسة منشورة في مجلة " العلوم السياسية الأوروبية " إلى أن التزييف العميق لم يعد مجرد أداة تقنية، بل تحول إلى "سلاح سياسي" قادر على التأثير في ثقة الناخبين والديمقراطيات الحديثة.
الهند: أول اختبار جماهيري
وفي سياق المثال العملي على تأثير الذكاء الاصطناعي في التضليل السياسي، شكّلت الانتخابات الهندية عام 2024 واحدة من أوضح التجارب على استخدام الذكاء الاصطناعي سياسيًا.
واستخدمت أحزاب هندية تقنيات استنساخ الأصوات والترجمة الفورية بالذكاء الاصطناعي لإنتاج خطابات انتخابية بلغات محلية متعددة، بينما انتشرت فيديوهات دعائية مولدة آليًا عبر "واتساب" و"يوتيوب".
وأشارت صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن بعض المرشحين استخدموا نسخًا رقمية عن أنفسهم لإرسال رسائل مخصصة للناخبين، ما دفع باحثين لوصف البيئة الرقمية الهندية بأنها "مختبر عالمي للدعاية السياسية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي".
في الولايات المتحدة، ظهرت واحدة من حوادث التضليل السياسي المرتبط بالذكاء الاصطناعي قبيل الانتخابات التمهيدية في مطلع عام 2024.
حيث تلقى آلاف الناخبين مكالمات هاتفية بصوت يشبه الرئيس الأميركي السابق جو بايدن تدعوهم إلى عدم التصويت، قبل أن تكشف التحقيقات أن الصوت مولّد بالذكاء الاصطناعي.
وقالت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية إن الحادثة تمثل مثالًا خطيرًا على استخدام الذكاء الاصطناعي للتأثير في المشاركة السياسية وتضليل الناخبين.
تقرؤون في: ذكاء اصطناعي وأفاتارات مزيفة.. كيف استهدفت إسرائيل مرشحي حزب "فرنسا الأبية"؟
الاستخدام في الحروب
ولم يقتصر التزييف على الانتخابات، بل امتد أيضًا إلى ساحات المعارك، وخلال الحرب الروسية الأوكرانية، انتشرت مقاطع مزيف للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يدعو الجنود الأوكرانيين إلى الاستسلام.
كما انتشر مقطع مزيف عن شراء زوجة زيلينسكي سيارة فارهة، محققًا نحو 18 مليون مشاهدة خلال 24 ساعة فقط.
وقالت الباحثة كيت ستاربيرد من جامعة واشنطن إن "النزاعات المسلحة أصبحت بيئة مثالية لاختبار تقنيات التضليل الجديدة، لأن سرعة تداول المعلومات خلال الحروب تجعل التحقق أكثر صعوبة."
وفي لبنان، عقب اندلاع الحرب الإسرائيلية على البلاد، في 2 آذار/مارس، انتشر عبر المعرفات الرسمية أول خطاب لرئيس الجمهورية جوزاف عون، عرض فيه رؤيته للحرب.
وكان الخطاب مُولّدًا باستخدام الذكاء الاصطناعي، ما دفع كثيرين إلى التشكيك بصحته قبل أن يتبين أن الأمر لا يتعلق بعملية اختراق، بل بأن رئاسة الجمهورية استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد الخطاب بدل ظهور الرئيس بشكل حقيقي.
كما كاد فيديو ساخر مُولّد بالذكاء الاصطناعي أن يشعل فتيل حرب أهلية في لبنان، بعدما أثار موجة واسعة من التحريض والانقسام، ما استدعى صدور بيانات ومواقف من مختلف الأطراف السياسية والدينية لضبط الشارع اللبناني ومنع تفاقم التوتر الداخلي.
وفي هذا السياق، تستخدم إسرائيل الذكاء الاصطناعي بشكل واسع للتأثير في الرأي العام العالمي بشأن ما يجري في قطاع غزة من عملية إبادة جماعية، إذ تعمل بعض برامج الذكاء الاصطناعي على استبعاد توصيف "الإبادة الجماعية" أو الموازنة بين ما تقوم به إسرائيل وحركة حماس، رغم أن الأمم المتحدة نفسها اعتبرت أن ما ارتكبه جيش الاحتلال في القطاع يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية.
وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية أن إسرائيل خصصت 145 مليون دولار للتأثير في وسائل التواصل الاجتماعي وبرامج الذكاء الاصطناعي، عام 2025، بينها "تشات جي بي تي"، ضمن حملة دعائية لها.
أرقام ودراسات مقلقة
تشير بيانات شركة "سينسيتي AI" إلى أن أكثر من 90% من الفيديوهات المزيفة على الإنترنت كانت ذات طابع إباحي في البداية، لكن الاستخدام السياسي للتزييف العميق ارتفع بشكل متسارع منذ عام 2020.
في تقرير حول إساءة استخدام نماذجها، كشفت شركة "أوبن إيه آي" عن تعطيل خمس حملات تأثير مرتبطة بروسيا والصين وإيران وإسرائيل استخدمت أدوات الشركة لتوليد مقالات وتعليقات متعددة اللغات وإنشاء حسابات وهمية.
وبحلول تشرين الأول/أكتوبر 2024، أعلنت الشركة تعطيل أكثر من 20 شبكة تضليل حول العالم، قبل أن تكشف في حزيران/يونيو 2025 عن تعطيل أربع عمليات صينية استخدمت "تشات جي بي تي" لإنتاج محتوى منسق على "تيك توك" و"فيسبوك" و"ريديت" و"إكس".
تقرؤون في: "أنثروبيك" تحذر من فقدان البشر السيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي