كيف خسرت السعودية في مصر؟

كيف خسرت السعودية في مصر؟

ما يوضحه الذهول السعودي من ابتعاد مصر عنها أنها كانت ترجو من هذا التحالف أكثر من القضاء على الإسلام السياسي، لكن أحدًا لم يعدها بذلك (أ.ف.ب)

لا يبدو في السياسة الاستراتيجية خطأ أكثر من أن تتوسع بقدر ما يفوق قدرتك على الإدارة دون خطة للتراجع، لكن ذلك ما فعلته السعودية بالضبط.

ما يوضحه الذهول السعودي من ابتعاد مصر عنها أنها كانت ترجو من هذا التحالف أكثر من القضاء على الإسلام السياسي، لكن أحدًا لم يعدها بذلك

 

توسعت السعودية في تدخلاتها الإقليمية، في سنوات ما بعد هزيمة الثورة المصرية، الهزيمة التي دعمتها بحماسة، حتى بدا أنها في طريقها للتحول إلى دولة كلية القدرة على التحكم بجل الدول العربية، قبل أن تفيق من حلمها مصدومة.

اقرأ/ي أيضًا:هل بدأت الحرب الباردة بين مصر والسعودية؟

حلف الخلاص من الربيع العربي

في لحظة تاريخية بدا فيها الإسلاميون على وشك حكم المنطقة بأكملها، التقى الهوى السعودي الإماراتي المعادي للربيع العربي والراغب في التحصن من آثاره، مع هوى الثورات المضادة في البلدان العربية، لينتج عدة تحولات تاريخية في مستقبل هذه الدول، كان أبرزها إزاحة الجيش للإخوان من الحكم، وتحطيم الثورة المصرية. في هذه اللحظة أصبحت السعودية الدولة السنية العربية الأكبر والأكثر استقرارًا، وظهر أنها بعد تحطيم خصمها الأقوى، ممثلا في إسلاميي مصر، ستتمتع طويلا بقيادة العرب، لكنها ارتكبت خطأً فادحًا في نظرتها الاستراتيجية تلك، الخطأ الذي لن تكتشفه إلا متأخرًا جدًا.

في تحالفها مع مصر، اعتبرت السعودية هذا التحالف كتوافق على خطة استراتيجية على المدى الطويل، خطة تشمل الوضع العربي بأكمله، بينما، وبالنسبة للنظام المصري ممثلًا في الجيش، كان التحالف لمهمة محددة فقط، وتم إنجازها بالفعل، وانتهى الربيع العربي، وتوقفت سيطرة الإسلاميين عل أكبر بلد عربي. وأي أوهام تحاول تفسير الأمور بأكثر من هذا ستجد نفسها عاجزة عن فهم لماذا فجأة انفرط عقد هذا التحالف، الأوهام التي يتبناها السعوديون في الأغلب.

في تحالفهم الأول، كانت مصر مستعدة لتقبل السعودية، بل وحتى الإمارات، كـ"شقيقة كبرى"، والتنازل عن مكانة مصر الإقليمية، والأفول بشكل مرحلي، لتساعدها السعودية والإمارات في تجاوز الفترة الاقتصادية الصعبة بعد إزاحة الإخوان، كما أن تحبط السعودية، بنفوذها الاقتصادي والدبلوماسي، أي محاولة خارجية لمحاصرة مصر، أو تصنيفها كدولة مارقة بسبب قيام الجيش بإزاحة الرئيس المنتخب من السلطة.

ومقابل المساعدة السعودية تلك، سيقوم النظام المصري، بالمهمة التي تجمع البلدين، والتي تمثل له شرط وجودي وليس مجرد فكرة سياسية، وهي القضاء على الإسلام السياسي والثورة في مصر، لكن ليس أكثر من ذلك.

المفاجأة التي يوضحها الذهول السعودي من ابتعاد مصر عنها أخيرًا، ممثلًا في اقتراب مصر من روسيا وسياستها في سوريا، هي أن السعودية كانت ترجو من هذا التحالف أكثر من القضاء على الإسلام السياسي، لكن أحدًا لم يعدها بذلك من البداية.

ليس أبعد من معاداة الإسلام السياسي

وفاة الملك عبدالله، وتورط السعودية في حرب اليمن، جعل القضاء على الإسلام السياسي والربيع العربي، يتراجع في الأولويات السعودية لحساب المعركة ضد النفوذ الإيراني في المنطقة. هذه المعركة التي لا تتحمس لها مصر بأي درجة، ولم يكن النظام المصري ليقدم فيها أكثر من الكلام: مسافة السكة.

بتعبير أدق، كان النظام المصري مستعدًا لتقديم أي تنازلات شكلية تمس "الكرامة الوطنية المصرية" مثل صعود السيسي للملك عبد الله في طائرته بمطار القاهرة، ومثل الاحتفالات الصاخبة وغلق شوارع القاهرة لـزيارة الملك سلمان، وحتى التنازل عن حق مصر في النزاع حول جزيرتي تيران وصنافير، كل ذلك كان يمكن لمصر أن تقدمه، لكن الشيء الوحيد، والحاسم، الذي لم يبد ممكنًا للنظام المصري أن يقدمه للسعودية، هو بالضبط ما كانت تريده: مساندتها في سياستها الخارجية.

المثير أن مصر لم تكن وحدها في هذا الهروب من التورط السعودي في المنطقة، فالعدو اللدود لمصر، تركيا، اكتفت، هي الأخرى، في حرب اليمن، بمشاركة كلامية ووعود سياسية، وبدا أنها مثل مصر، تريد أن تحصل من السعودية على ما تريد، دون أن تضطر لتقديم أكثر من الكلام.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا يحاور السيسي صحافته؟

حليف مرهق

كحليف سياسي، السعودية دولة مرهقة، بمعاركها الطويلة والممتدة والعصبية، والفاشلة في الأغلب، في الخارج، وبنموذجها الداخلي المتطرف دينيًا، والذي لا يحافظ على نمطه المتشدد سوى العوائد النفطية، ولهذا اختارت الدولتان اللتان تحالفتا معها في السنوات الأخيرة، كل واحدة لأسبابها الخاصة، عدم الانجراف وراء السعودية فيما تريده، والذي يبدو للجميع أمرًا غير واضح على الإطلاق، بالشكل الذي يدفع أمريكا نفسها، أحد الحلفاء التاريخيين للسعودية، لتفضيل إيران، بكل مشاكلها، على السعودية، كحليف إقليمي يمكن التفاوض معه في المنطقة.

فمن جهتها، يمكن توقع ما تريده إيران في العراق وسوريا واليمن، وبالتالي يمكن الوصول معها لحلول وسط، هكذا تفكر أمريكا، لكن ما الذي تريده السعودية؟..بعيدًا عن شعارات تجريدية عن حماية السنة، لا تمتلك السعودية أي نموذج نظري يصلح للتطبيق في أي دولة سنية، بعدما حاربت بكل جهدها ميلاد ديمقراطيات عربية، فضلًا عن أنها هي نفسها لا تصلح بنمطها المتشدد وبمَلكيتها كنموذج يمكن تسويقه.

صدمة السعودية من مصر، صدمة بحد ذاتها، لكونها قد صدقت بالفعل المساندة الكلامية المصرية لسياستها التي تتعارض مع مزاج النظام المصري

ليست الإمارات

يمكن التفكير في الثقل السعودي بمقارنته بالخفة الإماراتية. الدولة الصغيرة الغنية التي تستطيع تلبية طلبات غالبية شعبها بسبب غناها، وبالتالي تحجيم تطلعاته السياسية، ويتوفر لديها فائض مالي يجعلها تنساق في مغامرات إقليمية بحماسة ودون حسابات معقدة، ودون أن خوف أن ترتد آثار هذه المغامرة عليها بعد ذلك.

لهذا، وعلى عكس السعودية، لم تتخفف الإمارات حتى الآن من حماستها ضد الإسلام السياسي، واحتمالية أن تسوء علاقتها بمصر مثل السعودية هي احتمالية ضئيلة للغاية، خصوصًا حينما يتعلق الأمر بسوريا، التي قد يكون موقف الإمارات فيها أقرب للمزاج المصري منه للمزاج السعودي، حتى ولو لم تعلن ذلك مراعاة لحلفها الأكثر صلابة مع السعودية. وفيما يتعلق بالحرب اليمنية، التي تورطت فيها كلتا الدولتين، السعودية والإمارات، تنال السعودية غالبية التنديدات بتجاوزات حقوق الإنسان وقصف المدنيين، فيما تظل الإمارات متوارية في الظل.

تمتلك الإمارات كذلك ميزة إضافية عن السعودية، وهي قدرتها على تسويق نفسها كنموذج لدولة ناجحة حديثة، يجب على العرب تقليدها، ومهما كان ذلك النجاح ابنًا لظروف محلية شديدة الخصوصية، صغر الدولة وتوافر النفط بجوار نجاح إداري لا يمكن إنكاره، إلا أنه يوفر ميزة "الصورة الإماراتية" وهي ميزة ضرورية لأي دولة تطمح في التدخل علنًا في شؤون الآخرين، لكن السعودية لا تمتلك تلك الصورة.

تنين ينهار

في المجمل يمكن اعتبار الصدمة السعودية من مصر، صدمة بحد ذاتها، لكونها قد صدقت بالفعل المساندة الكلامية المصرية، يحتاج الأمر لشخص لا يفهم أبجديات المنطقة ليصدق الوعد المصري بمساندة عسكرية للخليج "مسافة السكة"، باعتبار أنها قد تعني أكثر من الكلام. وينسحب ذلك أيضًا على الأمل السعودي، غير المبرر، من النظام المصري، المعادي للإسلاميين وللثورة المصرية، أن يساند الثورة السورية بإسلامييها الأكثر تشددًا، فقط لأنها تريد ذلك، أو أن يتحمس لإعادة الشرعية في اليمن لتيارات قريبة من خصومه المحليين، بل وكانت تريد منه التورط عسكريًا في هذه المغامرة.

التنين السعودي الذي ولد بعد هزيمة الثورة المصرية يتلقى الضربات من كل جانب. وهو غير قادر في الوقت نفسها على صياغة خطة للتراجع عن تورطاته الإقليمية فيما حلفاؤه ينفضون عنه، ويمر بأزمة اقتصادية يصحبها إجراءات ضريبية تجعل شعبه يتطلع لتمثيل سياسي، وضجر دولي من التدخلات السعودية الفاشلة في كل مكان، وعجز عن المطالبة بفاتورة الدعم السابق لدول مثل مصر، لأن السعودية لم تعد في مكان يسمح لها بأي مغامرات جديدة.

اقرأ/ي أيضًا:

مصر..حملات أمنية على "بيت أشباح" يناير قبل 11/11

نقيب الصحفيين السابق يضع النظام المصري في مأزق