كيف حوّل الذكاء الاصطناعي الاحتيال الإلكتروني إلى صناعة عالمية؟
30 يونيو 2026
لم يعد الاحتيال الإلكتروني يعتمد فقط على محتال يجلس خلف شاشة ويرسل رسائل عشوائية إلى ضحاياه، بل تحوّل، وفق تحقيق مشترك لوكالة أسوشيتد برس وبرنامج "فرونتلاين"، إلى صناعة عالمية منظمة، تستخدم الذكاء الاصطناعي، والبنى السحابية، وخدمات الإنترنت، والأقمار الصناعية، للوصول إلى الضحايا بسرعة غير مسبوقة، وبكلفة منخفضة، وبقدرة كبيرة على التخفي.
يبدأ التحقيق من قصة صفير محمد كوريمانيل، وهو شاب هندي قال إنه جرى الاتجار به إلى مركز احتيال في ميانمار، حيث أُجبر على انتحال شخصية امرأة سنغافورية تبلغ 28 عامًا تُدعى "إيلا". كانت التعليمات واضحة: أمامه أربعة أيام فقط لجعل الضحية تقع في الحب. خلال الوردية الواحدة، كان يتواصل مع أكثر من 100 شخص عبر عشرات الحسابات في الوقت نفسه، بينما يراقب المشرفون العاملين بعصي كهربائية.
خلال شهر واحد، استهدف كوريمانيل نحو 50 ألف ضحية من 17 دولة على الأقل، بينهم أرملة في كردستان، وطاهٍ في تركيا، ومزارع في قرغيزستان، وجنود في العراق، ومهندس في روسيا، وحارس أمن في بولندا، ومزارع ألبان في جورجيا. لم يكن ذلك ممكنًا بالطرق التقليدية، بل عبر برامج مبنية على نماذج ذكاء اصطناعي تابعة لشركات أميركية كبرى، استُخدمت لتوسيع نطاق الاحتيال وتحويله إلى عملية شبه آلية.
ظهرت له امرأة تُدعى "إليزا"، تحمل رقم هاتف من نيويورك، وتقول إنها تعمل في شركة مالية معروفة في أتلانتا. بدت القصة مقنعة، والصورة أكثر إقناعًا: امرأة شقراء، ملامحها طبيعية، وحتى في مكالمة الفيديو بدت حقيقية
التكنولوجيا الأميركية في الاحتيال
يكشف التحقيق أن التكنولوجيا الأميركية حاضرة في معظم مراحل سلسلة الاحتيال الرقمية؛ من نماذج الذكاء الاصطناعي التي تساعد على إنتاج رسائل مقنعة وترجمة فورية وبناء شخصيات وهمية، إلى خدمات الإنترنت السحابية التي تخفي الموقع الحقيقي للمحتالين، وصولًا إلى الإنترنت الفضائي الذي يسمح لمراكز الاحتيال بالاستمرار حتى بعد محاولات قطع الاتصال عنها.
ومن أبرز ما كشفه التحقيق استخدام برامج متخصصة مثل "كيه تي" و"007 تي جي"، وهي أدوات وُصفت بأنها منصات متكاملة لإدارة الاحتيال على نطاق صناعي.
هذه البرامج استخدمت نماذج مثل "شات جي بي تي" و"جيميني" لتوليد ردود تلقائية، وتشغيل روبوتات محادثة تساعد المحتالين على بناء شخصيات مقنعة، وترجمة الرسائل إلى أكثر من 100 لغة، بما يسمح باستهداف ضحايا من دول وثقافات مختلفة دون حاجة إلى معرفة لغاتهم.
ولا يقتصر دور هذه الأدوات على التواصل مع الضحايا، بل يمتد إلى إدارة العاملين داخل مراكز الاحتيال، لأن البرامج تتابع أداء كل عامل، وتقيس إنتاجيته، وتكشف من يحقق الأهداف ومن يفشل في استدراج الضحايا.
في حالة كوريمانيل، ساهمت هذه المراقبة في تعرضه للعقاب والضرب بسبب ضعف أدائه في الاحتيال، في مشهد يكشف أن الضحايا ليسوا فقط من يخسرون أموالهم، بل أيضًا العاملون الذين يجري استدراجهم أو الاتجار بهم ثم إجبارهم على تنفيذ عمليات الاحتيال.
عائدات بقيمة 75 مليون دولار
تظهر خطورة هذه الأدوات في الأرقام المالية المرتبطة بها. فقد أظهر تحليل معاملات العملات المشفرة أن محفظة مرتبطة ببرنامج "007 تي جي" تلقت 860 ألف دولار بين نيسان/أبريل 2024 وكانون الأول/ديسمبر 2025، بينها تحويلات من محافظ مرتبطة بشبكات احتيال معروفة. أما الشبكات التي استخدمت هذه الأدوات، فقد حققت ما لا يقل عن 75 مليون دولار من عائدات غير مشروعة.
ويشرح التحقيق أن التحدي الأكبر أمام شركات الذكاء الاصطناعي يكمن في أن الاستخدام الاحتيالي قد يبدو، في ظاهره، مشابهًا لاستخدامات عادية: ترجمة، كتابة رسائل، صياغة محتوى، أو إجراء بحث.
لكن الفرق يظهر عند تحليل السلوك المتكرر على مدى طويل، مثل أنماط الخداع، والتلاعب العاطفي، والضغط المالي، وتعدد الحسابات. وقالت "أوبن إيه آي" إنها تحذف نحو 100 ألف حساب احتيالي شهريًا، وإنها حظرت ثلاثة حسابات بعد معلومات شاركتها أسوشيتد برس معها. أما غوغل فأكدت التزامها بتطوير الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، من دون الرد تفصيلًا على كل ما ورد في التحقيق.

قصة احتيال بدأت برسالة وانتهت بخسارة 400 ألف دولار
لم يكن كريس كولوكوسيس، وهو رجل أميركي في الستينيات من عمره، يعرف أن رسالة عابرة على فيسبوك ستقوده إلى واحدة من أكثر عمليات الاحتيال تعقيدًا.
ظهرت له امرأة تُدعى "إليزا"، تحمل رقم هاتف من نيويورك، وتقول إنها تعمل في شركة مالية معروفة في أتلانتا. بدت القصة مقنعة، والصورة أكثر إقناعًا: امرأة شقراء، ملامحها طبيعية، وحتى في مكالمة الفيديو بدت حقيقية إلى درجة لم تترك له مجالًا واسعًا للشك.
مع الوقت، تحولت المحادثات إلى علاقة ثقة، قبل أن تقنعه "إليزا" بالاستثمار عبر تطبيق مزيف لتداول العملات المشفرة. كان يرى أرباحًا تظهر داخل الحساب، ما دفعه إلى مواصلة تحويل الأموال، معتقدًا أن استثماره ينمو فعلًا.
عندما حاول سحب أمواله، طُلب منه دفع مبالغ إضافية تحت ذرائع مختلفة، مثل الرسوم والضرائب وفتح الحساب. وفي 25 كانون الثاني/يناير 2025، وضع 80 ألف دولار نقدًا على طاولته، بناءً على تعليمات تلقاها من خدمة العملاء في التطبيق المزيف.
في اليوم التالي، وصل شاب إلى منزله بسيارة تحمل لوحات من نيويورك، وقال إن اسمه "فينسنت". طلب منه وضع رزم الأموال في كيس بلاستيكي، وبعد تسلّمه المال ظهرت القيمة فورًا داخل الحساب المزيف، ما عزز لدى الضحية الاعتقاد بأن العملية قانونية وحقيقية.
لاحقًا، اكتشف كولوكوسيس أن الحساب كان وهميًا، وأن الأموال التي دفعها اختفت، وخسر نحو 400 ألف دولار في عملية احتيال جمعت بين علاقة عاطفية مزيفة، ومنصة استثمار رقمية وهمية، ورسائل مقنعة يُحتمل أنها استُخدمت فيها أدوات ذكاء اصطناعي لصياغة الردود وإدارة التواصل مع الضحية.
من ضمن الأدوات المستخدمة في عملية الاحتيال، تبرز "ستارلينك" كعنصر حاسم في هذه البنية، وأصبحت خدمة الإنترنت الفضائي التابعة لإيلون ماسك المزود الأول للإنترنت في ميانمار
طبقة ثانية من الاحتيال
تتعلق الطبقة الثانية من الاحتيال بالبنية التحتية للإنترنت بعدما حللت أسوشيتد برس أكثر من 200 ألف اتصال صادر عن أجهزة في أربعة مجمعات احتيال في ميانمار، بينها "كي كي بارك" و"تاي تشانغ" و"ديكو بارك". وخلص التحليل إلى أن اتصالًا واحدًا من كل خمسة كان يمر عبر مزودي إنترنت أو خدمات أميركية، من بينها شركات مثل "كوغنت كوميونيكيشنز" و"أوراكل" و"إيه تي آند تي" و"ديجيتال أوشن".
وتستخدم هذه الشبكات الخدمات السحابية والعناوين الرقمية لإخفاء موقعها الحقيقي قبل الوصول إلى منصات كبرى مثل فيسبوك وإنستغرام وواتساب. وبذلك يستطيع المحتالون الظهور كما لو أنهم موجودون في دول أخرى، ما يساعدهم على تجاوز أنظمة الحماية التي تحاول كشف الحسابات المشبوهة. ويرى خبراء الأمن السيبراني أن مزودي الإنترنت قادرون على فعل المزيد، لكنهم غالبًا يتحركون بعد وقوع الضرر، لا بشكل استباقي.
خدمة ستارلينك في قلب الاحتيال
من جهة أخرى، من ضمن الأدوات المستخدمة في عملية الاحتيال، تبرز "ستارلينك" كعنصر حاسم في هذه البنية، وأصبحت خدمة الإنترنت الفضائي التابعة لإيلون ماسك المزود الأول للإنترنت في ميانمار، بما في ذلك داخل مراكز احتيال معروفة، رغم أنها لا تبيع خدماتها رسميًا في البلاد بحسب خريطة تغطيتها.
وتظهر البيانات أن مراكز الاحتيال استخدمت أجهزة ستارلينك للالتفاف على حملات قطع الإنترنت والكهرباء والغاز التي استهدفت هذه المجمعات قرب الحدود التايلاندية.
ورغم إعلان ستارلينك في تشرين الأول/أكتوبر قطع الخدمة عن أكثر من 2500 جهاز قرب مراكز الاحتيال، عاد استخدامها للارتفاع لاحقًا. وبحلول شباط/فبراير، استعادت الشركة موقعها كأكبر مزود للإنترنت في ميانمار. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية ظهور ما لا يقل عن 25 مجمعًا جديدًا منذ حملة القمع الأخيرة، واستخدمت شبكات في 13 منها عناوين إنترنت تابعة لستارلينك بين آذار/مارس وأيار/مايو.
ويؤكد التحقيق أنه لا توجد أدلة على أن الشركات الأميركية ارتكبت مخالفات قانونية مباشرة، لكنه يطرح سؤالًا حول مسؤوليتها في منع إساءة استخدام أدواتها. فهذه الشركات تملك شروط خدمة تمنع الاحتيال والأنشطة غير القانونية، لكنها تعمل في بيئة تنظيمية لا تفرض عليها، في الولايات المتحدة، مسؤولية كبيرة عن منع الاحتيال مسبقًا.
تحرك دولي
في المقابل، بدأت دول مثل بريطانيا والاتحاد الأوروبي وأستراليا وسنغافورة اعتماد قواعد تلزم الشركات ببذل جهود أكبر للحد من الاحتيال، مع احتمال فرض غرامات عند التقصير. أما في واشنطن، فما زالت الجهود تعتمد إلى حد كبير على التعاون الطوعي مع الشركات.
وفي أيار/مايو، عملت قوة أميركية لمكافحة مراكز الاحتيال مع شركات بينها ميتا وغوغل وسبيس إكس لتعطيل أكثر من 1.4 مليون حساب بريد إلكتروني وتواصل اجتماعي، وقطع حركة عناوين رقمية خبيثة، ومصادرة أجهزة إنترنت فضائي وخوادم مرتبطة بشبكات في جنوب شرق آسيا.
تكشف القضية في جوهرها أن الاحتيال لم يعد نشاطًا فرديًا محدودًا، بل منظومة عابرة للحدود تجمع بين الاتجار بالبشر، والذكاء الاصطناعي، والعملات المشفرة، وخدمات الإنترنت، والأقمار الصناعية. وفي هذه المنظومة، تُستخدم التكنولوجيا نفسها التي تسهّل التواصل العالمي لتصنيع الثقة المزيفة، واستغلال العاطفة، وإقناع الضحايا بتحويل مدخراتهم، بينما يبقى العاملون داخل هذه المراكز ضحايا شكل آخر من العنف والاستغلال.
تقرؤون المزيد في: لحماية مليارات الدولارات من الإيرادات.. "ميتا" تتسامح مع احتيال إعلاني واسع من الصين