كيف جندت السعودية موظفين في تويتر للتجسس على معارضيها؟

كيف جندت السعودية موظفين في تويتر للتجسس على معارضيها؟

جندت السعودية موظفين في تويتر للتجسس لصالحها (تويتر)

في التقرير المفصل أدناه، المترجم عن صحيفة واشنطن بوست، جزء من القصة الطويلة لتورط السلطات السعودية بالتجسس على معارضيها، خاصة فيما يتعلق بنشاطهم على مواقع التواصل الاجتماعي. حيث يكشف التقرير عن إدانة موظفين سابقين في تويتر بالتجسس على حسابات معارضين سعوديين لصالح إدارة محمد بن سلمان.


أدانت وزارة العدل الأمريكية اثنين من موظفي تويتر السابقين بالتجسس لصالح المملكة العربية السعودية عبر الولوج إلى معلومات لدى الشركة حول معارضين سعوديين يستخدمون منصتها، وهي أول مرة يتهم فيها المدعون الفدراليون المملكة علنًا بتجنيد عملاء في الولايات المتحدة.

تسلط قضية التجسس السعودي على تويتر الضوء على مشكلة القوى الخارجية التي تستغل منصات وسائل التواصل الاجتماعي الأمريكية للتعرف على هوية المعارضين وقمعهم

أحد هؤلاء المتورطين في القضية هو شخص ذو صلة بمحمد بن سلمان ولي العهد السعودي الذي خلصت وكالة الاستخبارات المركزية CIA إلى أنه أمر باغتيال الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول العام الماضي.

اقرأ/ي أيضًا: تويتر والسعودية.. العالم قرية صغيرة بيد الاستبداد

تسلط هذه القضية الضوء على مشكلة القوى الخارجية التي تستغل منصات وسائل التواصل الاجتماعي الأمريكية للتعرف على هوية المعارضين وقمعهم. وهي تثير مخاوف بشأن قدرة شركات وادي السيليكون على حماية المعلومات الخاصة للمعارضين والمستخدمين الآخرين من أن تقع في أيدي الأنظمة القمعية.

جاءت هذه التهم التي كشف عنها يوم الأربعاء في سان فرانسيسكو، بعد يوم من اعتقال واحد من موظفي تويتر السابقين ويسمى أحمد أبو عمو، وهو مواطن أمريكي، متهم بالتجسس على حسابات ثلاثة مستخدمين لصالح الحكومة السعودية في الرياض. ومن بين هؤلاء المستخدمين مغرد ينشر تغريدات حول خبايا الطبقة الحاكمة في السعودية. ويواجه أبو عمو أيضًا تهمًا بتزوير فاتورة لإعاقة تحقيق الـ FBI.

أما موظف تويتر السابق الآخر ويسمى علي آل زبارة سعودي الجنسية، فقد اتهم بالولوج إلى المعلومات الشخصية لأكثر من 6000 مستخدم على تويتر في عام 2015، لصالح المملكة العربية السعودية. أحد هذه الحسابات هو للمعارض الشهير عمر عبد العزيز الذي أصبح لاحقًا مقربًا من الصحفي جمال خاشقجي، كاتب الرأي في صحيفة واشنطن بوست الذي دعا لحرية التعبير في العالم العربي.

قال المحققون إن شخصًا ثالثًا، يسمى أحمد المطيري وهو مواطن سعودي، عمل وسيطًا بين موظفي تويتر والمسؤولين السعوديين. وهو أيضًا متهم بالتجسس. يعتقد أن آل زبارة والمطيري يقيمان الآن في المملكة العربية السعودية.

وبين المدعي العام الأمريكي ديفيد أندرسون "أن الدعوى الجنائية التي كشف عنها اليوم تتهم عملاء سعوديين باستغلال النظام الداخلي في تويتر للحصول على معلومات شخصية لمعارضين سعوديين وآلاف من مستخدمي تويتر. ونحن لن نسمح للشركات الأمريكية والتكنولوجيا الأمريكية بأن تكون وسيلة للقمع بما ينتهك القانون الأمريكي".

وقال متحدث باسم الشركة طلب عدم الكشف عن هويته إن تويتر يحصر الولوج إلى معلومات الحسابات الحساسة في "مجموعة صغيرة من الموظفين المدربين والموثوق بهم. نحن نتفهم المخاطر العديدة التي يواجهها كثيرون ممن يستخدمون تويتر لمشاركة آرائهم ولمساءلة السلطة. ولدينا أدوات لحماية خصوصيتهم وقدرتهم على مواصلة عملهم الحيوي".

اتُهم الرجال الثلاثة بالعمل مع مسؤول سعودي يرأس منظمة خيرية تتبع لمحمد بن سلمان.ووفقًا لتوصيف المؤسسة فإن هذا المسؤول هو بدر العساكر، وهو ما أكده شخص مطلع على مجريات القضية طلب عدم الكشف عن هويته. جمعية MiSK الخيرية التي يرأسها بدر العساكر تابعة لمحمد بن سلمان الذي يشار له في الدعوى باسم فرد الأسرة الملكية 1.

حسب الدعوى، عمل العساكر "لصالح محمد بن سلمان ووفقًا لتوجيهاته فيما يخص حضوره الإلكتروني على تويتر". وذلك في 2015 حين كان محمد بن سلمان يصعد بسرعة سلم السلطة في الأسرة المالكة في السعودية.

بعد وفاة الملك عبد الله في كانون الثاني/يناير عام 2015 وتولي الملك سلمان والد محمد العرش، عُين محمد وزيرًا للدفاع وبعدها بأشهر قليلة عين نائبًا لولي العهد. ووفقًا للدعوى فإن هذا النشاط التجسسي الذي اطلع فيه أبو عمو على بيانات حساب عبد العزيز مرارًا وتواصل مع العساكر، قد حدث في هذه الفترة تحديدًا. ولم تستجب السفارة السعودية لطلب التعليق على هذه القضية.

بحسب تمارا كوفمان الباحثة في معهد بروكينج، فإن هذه القضية تظهر كيف بدأت مساعي ولي العهد لمطاردة هؤلاء المعارضين مبكرًا جدًا، وتظهر مدى رغبته في تعقب هؤلاء الأشخاص حتى لو تطلب الأمر اختراق شركات أمريكية كبرى واستهداف أشخاص في دول صديقة.

تعكس هذه الدعوى كذلك مقدار البيانات التي تجمعها شركات التكنولوجيا عن مستخدميها، والتي من بينها عناوين البريد الإلكتروني وطرق الدفع وعناوين الـ IP التي تعين على كشف موقع المستخدم.

وقال آدم غوغل، وهو باحث في هيومان رايتس ووتش نشر مؤخرًا دراسة عن استهداف المملكة العربية السعودية للمعارضين، "إن هذه القضية مهمة للغاية. إن تويتر يمثل المجال العام الفعلي في المملكة العربية السعودية، وهو مكان يجتمع فيه المواطنون السعوديون ويناقشون القضايا المختلفة. وهو مكان استخدمت فيه السلطات السعودية وسائل متعددة لقمع الأصوات المعارضة، وصلت إلى محاولة كشف النقاب عن الحسابات المجهولة".

وقد جلب الرئيس ترامب لنفسه نقدًا لاذعًا بسبب استمرار إدارته في إقامة علاقات وثيقة مع الحكومة السعودية، التي لم تتخذ حتى الآن إجراءات حاسمة ضد المتورطين في مقتل خاشقجي.

بحسب الدعوى، بدأ بدر العساكر في محاولة تجنيد موظفي تويتر عام 2014، محاولًا جمع معلومات عن المستخدمين لا تستطيع الحكومة السعودية الحصول عليها من مكان آخر.

وبحسب الدعوى أيضًا، عمل أبو عمو الذي اعتقل في سياتل، في تويتر في وظيفة مدير الشراكات الإعلامية؛ وقد التقى بالعساكر في لندن في نهاية عام 2014. وفي غضون أسبوع، بدأ خفية الولوج إلى بيانات مستخدمين سعوديين. تشير الدعوى إلى أحد أهدافه بـ "مستخدم تويتر 1" وهو "معارض شهير" للمملكة السعودية والعائلة المالكة ولديه أكثر من مليون متابع. يطابق هذا الوصف حساب @Mujtahidd (مجتهد) وهو حساب تويتر لمستخدم مجهول، أغضب كشفه للفساد في القيادة السعودية مسؤولين كبار. وأكد شخص مطلع على القضية هوية الحساب المستهدف.

دفع العساكر إلى أبو عمو ما لا يقل عن 300 ألف دولار مقابل جهوده كما قدم له ساعة هوبلوت تبلغ قيمتها حوالي 20.000 دولار، حسب ما ورد في الدعوى. استقال أبو عمو من تويتر في أيار/مايو 2015، وانتقل إلى سياتل.

في الخريف الماضي، أجرى أحد عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي مقابلة مع أبو عمو في منزله بشأن الساعة وتواصله مع عساكر وآخرين. وفقًا للدعوى، زور أبو عمو إيصالًا مستخدمًا جهاز حاسوب في المنزل أثناء المقابلة ليدلل على أن مبلغ 100000 دولار الذي حصل عليه من العساكر ما هو إلا أتعاب حصل عليها مقابل عمله في مجال التخطيط الإعلامي.

بحسب الدعوى وظف تويتر آل زبارة في آب/أغسطس  سنة 2013 كمهندس موثوقية في الموقع. بدأ عمله كعميل للحكومة السعودية في أيار/مايو 2015. في ذلك الوقت، كان العساكر موظفًا في الديوان الملكي السعودي وأصبح مديرًا لمكتب محمد الخاص.

سافر آل زبارة إلى واشنطن في أيار/مايو 2015، وكان يخطط لمقابلة العساكر، وفقًا لما جاء في الدعوى. وكان المطيري أيضًا في واشنطن في ذلك الوقت، بالإضافة إلى محمد بن سلمان، الذي كان في زيارة للبيت الأبيض.

في غضون أسبوع من عودته إلى سان فرانسيسكو، بدأ آل زبارة بجمع بيانات مستخدمي تويتر بأعداد كبيرة. وكما فعل أبو عمو، ولج آل زبارة إلى حساب مجتهد. وفحص هو أيضًا حساب المعارض الشهير للحكومة الذي يعيش في المنفى في كندا، وهو وصف يطابق عبد العزيز، وقد أكد هويته شخص مطلع على القضية.

اقرأ/ي أيضًا: هل تُهدّد وسائل التواصل الاجتماعي الديمقراطية؟

رفع عبد العزيز دعوى قضائية ضد تويتر الشهر الماضي، متهمًا فيها الشركة بأنها فشلت في تحذيره من أن حسابه قد اخترق رغم أن لديها أسبابها للاعتقاد بأن هذا ما حدث. عقد عبد العزيز الذي يقبع اثنان من إخوته في معتقلات الحكومة السعودية، علاقة صداقة مع خاشقجي في نهاية عام 2017. في الشهور التي سبقت مقتل خاشقجي، عمل الاثنان على مشروع داخل المملكة العربية السعودية لمعارضة الحسابات المزيفة المناصرة للحكومة السعودية على تويتر.

دفع العساكر إلى أبو عمو ما لا يقل عن 300 ألف دولار مقابل جهوده كما قدم له ساعة هوبلوت تبلغ قيمتها حوالي 20.000 دولار، حسب ما ورد في الدعوى

في الثاني من كانون الأول/ديسمبر، واجهت شركة تويتر آل زبارة بحقيقة ولوجه لبيانات المستخدمين. قال إنه فعل ذلك بدافع الفضول. ثم فصل من عمله على إثر ذلك. في اليوم التالي سافر إلى المملكة العربية السعودية.