كيف توسّع الصين أدوات الضغط الاقتصادي في مواجهة واشنطن؟
27 ابريل 2026
في وقت بدت فيه العلاقات الأميركية الصينية متجهة نحو تهدئة حذرة عقب قمة جمعت بين دونالد ترامب وتشي جي بينغ في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تكشف تطورات الأشهر الأخيرة عن مسار مغاير تمامًا، عنوانه تصاعد أدوات الضغط الاقتصادي وتوسيع ساحات المواجهة بين أكبر اقتصادين في العالم.
البيت الأبيض كان قد تحدث حينها عن تقدم كبير، مشيرًا إلى نية بكين تخفيف قيود تصدير المعادن النادرة ووقف الإجراءات الانتقامية ضد الشركات الأميركية. لكن ما حدث على الأرض كان مختلفًا، إذ استغلت الصين هذه "الهدنة التجارية" لإعادة تشكيل ترسانة اقتصادية أكثر تعقيدًا وتأثيرًا.
تحوّل استراتيجي لا مجرد رد فعل
وحسب تقرير لوكالة "رويترز"، فبدلاً من الاكتفاء بردود الفعل التقليدية، تحركت بكين بسرعة لتطوير منظومة ضغط اقتصادي متكاملة تستهدف واشنطن بشكل مباشر. فقد أقرّت قوانين جديدة تعاقب الشركات الأجنبية التي تسعى لنقل سلاسل التوريد خارج الصين، في خطوة تهدف إلى كبح محاولات "فك الارتباط" الاقتصادي.
كما شددت السلطات الصينية القيود على تصدير المعادن النادرة، وهي مواد حيوية تدخل في صناعات استراتيجية مثل السيارات الكهربائية والتكنولوجيا المتقدمة، ما يمنحها ورقة ضغط حساسة في مواجهة الولايات المتحدة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى قطاع التكنولوجيا، حيث حظرت بكين استخدام رقائق الذكاء الاصطناعي الأجنبية في مراكز البيانات المدعومة حكوميًا، ومنعت برامج الأمن السيبراني الأميركية والإسرائيلية من العمل داخل شركاتها، في إطار سياسة إحلال محلي واسعة النطاق.
قوانين جديدة
في نيسان/أبريل، وقّع رئيس الوزراء الصيني لوائح غير مسبوقة تمنح الحكومة صلاحيات واسعة للتحقيق مع كيانات أجنبية تتهمها الصين بالتمييز ضد سلاسلها الصناعية أو فرض قوانين خارج حدودها.
لا تسعى الصين إلى الدفاع عن مصالحها فقط، بل إلى إعادة رسم قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية، عبر امتلاك أدوات ضغط كانت حكرًا على الولايات المتحدة
هذه الإجراءات تتيح لبكين اتخاذ خطوات صارمة تشمل منع الدخول، أو الطرد، أو حتى مصادرة الأصول، ما يرفع مستوى المخاطر أمام الشركات الأجنبية العاملة في السوق الصينية.
ويرى خبراء أن هذه الخطوة تعكس انتقال الصين من موقع الدفاع إلى الهجوم، عبر بناء أدوات قانونية واقتصادية مشابهة لتلك التي استخدمتها واشنطن لعقود.
إيران تسرّع التصعيد
التوترات الجيوسياسية، خصوصًا الحرب في إيران، لعبت دورًا في تسريع هذا التحول. فقد جاء ذلك بعد تهديد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسينت بفرض عقوبات على مشتري النفط الإيراني، الذي تستحوذ الصين على نحو 80% من صادراته.
هذا التهديد دفع بكين إلى تعزيز أدواتها الدفاعية والهجومية اقتصاديًا، معتبرة أن أدواتها التجارية التقليدية لم تعد كافية في مواجهة صراع دولي متعدد الأبعاد.
في المقابل، لم تقف واشنطن مكتوفة الأيدي. فقد كثفت الضغوط عبر قيود تصدير على أشباه الموصلات ومعدات تصنيع الرقائق، ما حدّ من قدرة الصين على إنتاج تقنيات متقدمة. كما فتحت تحقيقات تتعلق بفائض الإنتاج الصناعي واستخدام العمل القسري، في محاولة لتقويض تنافسية المنتجات الصينية عالميًا.
لكن المعركة الأبرز تدور حول ما يُعرف بـ"نقاط الاختناق" في سلاسل التوريد العالمية. فبينما تسعى الولايات المتحدة لتقليل اعتمادها على المعادن الصينية، تعمل بكين على تحديد نقاط ضعف مقابلة، مثل معدات الطاقة الشمسية أو المواد النادرة المستخدمة في الصناعات الدفاعية.
هذا الصراع انعكس حتى على صفقات تجارية كبرى، مثل مفاوضات شراء الصين لطائرات من بوينغ، التي تعثرت بسبب ارتباطها بإمدادات مواد نادرة تحتاجها الولايات المتحدة لصناعة محركات الطائرات.
اقتصاد تحت ضغط متبادل
المشهد الحالي يكشف عن حالة "عدم توازن" في العلاقات الاقتصادية، حيث تستطيع الصين تقليص وارداتها من الشركات الأجنبية دون تكلفة كبيرة، بينما تواجه الشركات التي تحاول تقليل اعتمادها على السوق الصينية مخاطر قانونية وتنظيمية متزايدة.
وفي هذا السياق، تحذر أوساط اقتصادية أوروبية من أن استخدام الصين لأدوات تصدير ذات طابع خارج الحدود قد يؤدي إلى اضطرابات غير مسبوقة في سلاسل التوريد العالمية، مع تداعيات تتجاوز الاقتصاد إلى الجوانب السياسية والأمنية.
رغم أن الهدنة التجارية الحالية من المقرر أن تستمر حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2026، فإن المؤشرات توحي بأنها مجرد استراحة تكتيكية في صراع استراتيجي طويل. فالصين، وفق هذا المسار، لا تسعى فقط إلى الدفاع عن مصالحها، بل إلى إعادة رسم قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية، عبر امتلاك أدوات ضغط كانت حكرًا على الولايات المتحدة.