كيف تواجه دول المغرب العربي جائحة كوفيد 19؟

كيف تواجه دول المغرب العربي جائحة كوفيد 19؟

مشهد عام من العاصمة المغربية الرباط (فاضل سنا/أ.ف.ب/Getty)

لم تكن دول المغرب العربي محصنة من فيروس كورونا المستجد الذي يكتسح العالم، ففي نهاية شهر شباط/فبراير الماضي، طرق الفيروس باب الجزائر ليصل بعدها إلى تونس والمغرب وموريتانيا ثم ليبيا التي لازالت تواجه ويلات الحرب والتفرقة السياسية.

ترفع تونس الحجر الصحي العام تدريجيًا بسبب انحسار الإصابات داخل حدودها

أجبر الفيروس دول المغرب العربي الخمس على اتخاذ مجموعة من التدابير، من إغلاق الحدود، وتعليق الرحلات، وإلغاء الفعاليات السياسية والثقافية والفنية، بالإضافة إلى منع التجمعات والأعراس والحفلات والصلوات الجماعية، وإقرار حجر صحي لازالت تُمدده إلى يومنا هذا باستثناء تونس التي ترفعه تدريجيًا بسبب تراجع عدد إصابات بالفيروس.

تدابير خاصة

بمجرد إعلان بدء تصاعد منحى الإصابات، أعلنت دول المغرب العربي حزمة من الإجراءات لاحتواء كورونا والحد من انتشاره، فالحكومة التونسية أعلنت على لسان رئيسها إلياس الفخفاخ عن مجموعة من القرارات الاقتصادية والاجتماعية الاستثنائية لمواجهة الفيروس بكلفة تم تحديدها في  2.5 مليار دينار/مليار دولار أمريكي.

اقرأ/ي أيضًا: ملفّ خاص.. فيروس كورونا الجديد

وفتحت الحكومة التونسية خط مساعدات بقيمة 107 ملايين دولار، فضلًا عن تخصيص اعتمادات مالية بقيمة 53 مليون دولار لفائدة الفئات الهشة، ومحدودي الدخل، وذات الاحتياجات الخصوصية ستتوزع في شكل منح بإشراف وزارة الشؤون الاجتماعية.

وقال رئيس الحكومة التونسي، إلياس الفخفاخ إن حكومته قررت إحداث صناديق استثمارية بقيمة 700 مليون دينار/ 250 مليون دولار أمريكي لإعانة المنشآت الصغيرة، والمتوسطة على مواجهة الآثار الاقتصادية لتفشي فيروس كورونا.

أما المغرب، فمباشرة مع بدء تسجيل تصاعد في الحالات، دعا الملك محمد السادس إلى إنشاء صندوق تدبير جائحة كورونا، والذي فتح له حساب لجمع التبرعات لمواجهة الفيروس والحد من آثاره الاقتصادية والاجتماعية.

أيضًا، قررت الحكومة المغربية دعم العمال المتوقفين على عملهم، لمدة 3 أشهر، بالإضافة إلى دعم الفئات الهشة لنفس المدة، وتقديم الدعم للمقاولات بالإضافة إلى بناء مستشفيات ميدانية وتجهيز غرف الإنعاش والنهوض بقطاع الصحة بشكل استعجالي.

وفي الجزائر، أعلن البنك المركزي إعادة البنوك لجدولة مدفوعات قروض الشركات التي تأثرت ماليًا بانتشار فيروس كورونا، وتخفيض الحد الأدنى الإلزامي للسيولة، بالإضافة إلى تمكين البنوك من زيادة مستويات التمويل.

قررت الحكومة المغربية دعم العمال المتوقفين على عملهم، لمدة 3 أشهر، بالإضافة إلى دعم الفئات الهشة لنفس المدة

بينما في موريتانيا، ورغم أنها أعلنت قبل أيام عن تسجيل 0 حالة قبل أن تعود لتسجيل حالات جديدة، فقد أعلن رئيس البلاد، محمد ولد الشيخ الغزواني، عن إنشاء صندوق خاص للتضامن الاجتماعي ومكافحة فيروس كورونا، بلغت مساهمة الدولة فيه خمسة وعشرين مليار أوقية، وتخصيص خمسة مليارات أوقية لدعم ثلاثين ألف أسرة فقيرة بإعانة مالية شهرية طيلة ثلاثة أشهر.

وكغيرها من بلدان العالم تُعتبر دول المغرب العربي من بين أكثر الدول تأثرًا من جائحة فيروس كورونا، فما عدا موريتانيا التي أعلنت انتصارها على الفيروس بتسجيلها 0 حالة قبل أن تعود لتسجيل الحالات، تُعد كل من المغرب والجزائر الأكثر تضررًا بسبب ارتفاع عدد الحالات المصابة، الأمر الذي هوى باقتصاد منطقة شمال أفريقيا  وأسواقها بطريقة غير مسبوقة.

الجزائر.. النفط يهوي بالاقتصاد

تُعتبر الجزائر أكثر ثالث بلد عربي بعد السعودية ومصر، والأول في المغرب العربي تضررًا من فيروس كورونا، فلقد سجلت إلى حدود السبت  16 أيار/مايو 2020 ما بلغ 488 حالة وفاة، و5369 إصابة مؤكدة بالفيروس، بعدما سجلت أول حالة في 25 شباط/ فبراير 2020 لرجل إيطالي كان في زيارة للبلاد.

وكغيرها من البلدان التي تفشى فيها المرض، أعلنت الجزائر مجموعة من التدابير التي اتخذتها منها غلق جميع المدارس في 12 أذار/مارس والحد من التجمعات وتسريح عمال المصانع وغلق المحلات بالإضافة إلى تعليق السفر بالإضافة إلى فرض الحجر الصحي على المواطنين.

اقرأ/ي أيضًا: ما الفرق بين التنظيف والتطهير والتعقيم وأيها أفضل للوقاية من فيروس كورونا؟

تبقى الجزائر من بين الدول المتضررة على جهتين، الأولى بسبب تأثير أزمة فيروس كورونا  على اقتصاد البلاد، والثانية بسبب الانخفاض الكبير في سعر النفط العالمي، الذي أثر على البلاد باعتبار أن الجزائر بلد نفطي، هذا الأخير الذي يشكل 90 % من عائداتها من العملة الصعبة.

وبحسب توقعات صندوق النقد الدولي، فإن الجزائر، التي تواجه انهيار أسعار النفط وتوقف الاقتصاد بسبب وباء (كوفيد-19)، من المنتظر أن تسجل انكماشا بنسبة -2.5 % سنة 2020، وكذا عجزًا في الميزانية يعد من بين الأكثر ارتفاعًا بالمنطقة.

الجزائر وحسب التصريحات التي قدمها رئيس منتدى رؤساء المؤسسات، سامي عاقلي، فإن حوالي 80 % من المقاولات الصغرى والمتوسطة تضررت بشكل مباشر بالأزمة الصحية المرتبطة بفيروس كورونا. 

وتعد الجزائر اليوم مطالبة بإصلاح منظومتها البنكية للاستقطاب الكتلة النقدية من السوق الموازية، التي تتراوح ما بين 60 و80 مليار دولار، بالإضافة إلى خلق دينامية اقتصادية وفتح شبابيك جديدة للبنوك الإسلامية التي من المنتظر أن تمكن الاقتصاد من الخروج من الأزمة التي تسبب فيها انهيار أسعار النفط ووباء فيروس كورونا العالمي.

دعا رئيس منتدى رؤساء المؤسسات إلى فتح فرص للاستثمار عبر وضع حد للممارسات البيروقراطية، وتمكين كافة المقاولات المتضررة من قروض بنكية دون فوائد، قصد تجاوز الأزمة الناجمة عن فيروس كورونا، وخاصة المحافظة على مناصب الشغل بالإضافة إلى الإسراع في الذهاب إلى نموذج اقتصادي جديد عبر تحرير الاستثمار ورفع القيود البيروقراطية، ورقمنة القطاع المالي وإصلاح المنظومة البنكية.

المغرب.. هل تنقذ السياحة المملكة؟

المغرب ليس ببعيد عن الآثار الاقتصادية لفيروس كورونا فتبعات انتشار المرض تظهر تدريجيًا على السوق المغربية واقتصادها، الذي يعتمد بدرجة رئيسة على السياحة الأجنبية الوافدة، ففي شهر أذار/مارس الماضي أعلن المغرب بدوره تعليق جميع الرحلات الجوية الدولية من وإلى أراضيه، حتى أجل غير مسمى، لمنع تفشي فيروس كورونا.

كما قررت وزارة الداخلية منع تنظيم جميع التظاهرات الثقافية والرياضية، التي يشارك فيها أشخاص قادمون من الخارج، أو تلك التي يشارك فيها ألف شخص فما فوق من المقيمين في حالة إقامتها في أماكن مغلقة، لمواجهة تفشي فيروس كورونا، بالإضافة إلى إلغاء جميع "المواسم الدينية" مهما كان حجم التجمعات التي تشهدها.

من جهته كشف أحمد الحليمي، رئيس المندوبية السامية للتخطيط (وكالة رسمية مكلفة بالإحصاء)، أنه "يتوقع تراجع نمو الاقتصاد المغربي لأدنى مستوى منذ 20 عامًا، بسبب الجفاف، وانتشار فيروس كورونا".

الآثار الاقتصادية لانتشار فيروس كورونا المستجد لم تنتظر طويلًا لتظهر على سطح الوضع الاقتصادي المغربي، فشهر أذار/مارس الماضي أعلن محمد الحليمي، المندوب السامي للتخطيط في تصريح لوكالة "بلومبيرغ" الاقتصادية: أن "مندوبية التخطيط ستخفض توقعاتها لمعدل نمو الاقتصاد المغربي لعام 2020 بنسبة الثلث، إلى 2.2%".

وبالموازاة مع هذه التطورات، أعلنت الحكومة المغربية إنشاء "لجنة اليقظة الاقتصادية" لمواجهة انعكاسات وباء فيروس "كورونا المستجد" على الاقتصاد، وتحديد الإجراءات المواكبة.

وقالت وزارة المالية والاقتصاد، في بيان لها إنه "في إطار الجهود الاستباقية التي تقوم بها الحكومة لمواجهة الانعكاسات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة لوباء كورونا على الاقتصاد الوطني، تم إنشاء لجنة اليقظة الاقتصادية على مستوى الوزارة".

تونس تتعافى

إذا كانت المغرب والجزائر لازالتا تواجهان الفيروس بشكل كبير، فإن تونس تستعد لمرحلة ما بعد كورونا، خصوصًا بعد تسطيح منحنى الإصابات في البلاد، وإعلان الرئيس قيس سعيد الرفع التدريجي للحجر الصحي، من خلال السماح لبعض القطاعات الحيوية باستئناف نشاطها ضمن شروط معينة، مع الحرص على الجانب الوقائي.

مقابل ذلك تبحث الحكومة التونسية مختلف السيناريوهات المستقبلية لتطور الأوضاع والإجراءات التي يمكن اتخاذها، بهدف رفع حالة الشلل التي تعيشها البلاد جراء فيروس كورونا وتأثيرات هذا الشلل على مختلف القطاعات، إذ عقدت الحكومة اجتماعًا وزاريًا خصص لمتابعة وتقييم الأوضاع في تونس، وآخر تطورات انتشار فيروس كورونا في البلاد، وخلصت ببيان تقول فيه إن "ضرورة التقيّد بالإجراءات الوقائية والصحية المتّخذة وتنفيذ خطة الحدّ من انتشار هذا الوباء في تونس بإحكام".

تونس التي عادت إلى تسجيل الحالات بعد مرور 5 أيام بدون إصابات ستعتمد حسب رئيس حكومتها على السياحة خصوصًا بعد النتائج الصحية التي حققتها في مكافحة كورونا، هذه النتائج التي أنعشت آمال قطاع السياحة واستغلال تراجع الوباء في الحملات الدعائية التي تنوي وزارة السياحة إطلاقها من أجل جلب الزوار إلى البلاد باعتبارها وجهة آمنة صحيًا.

من جهته كشف صندوق النقد الدولي أن وباء فيروس كورورنا، سيعمق عدم التوازن الاقتصادي بما سيدفع البلاد إلى الدخول في نسبة عجز غير مسبوق في النمو -3.4%، كما أن ميزانية تونس ستكون بحاجة إلى تمويل يفوق 1.7 مليار دولار أ مريكي  وهو ما يمثل 4.7% الناتج الداخلي الخام.

موريتانيا.. تجدد الفيروس المستجد

رغم أنها أعلنت قبل أيام خلو البلاد من الفيروس قبل أن يعود لها مرة أخرى، فالحكومة الموريتانية لازالت تُنفذ  خطتها لمواجهة التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لأزمة فيروس كورونا بكلفة تبلغ 634 مليون دولار أمريكي، حسب ما أعلنت عنه وزير الاقتصاد والصناعة الموريتاني عبد العزيز ولد داهي.

الخطة التي أعلنت عنها الحكومة الموريتانية لمواجهة التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لأزمة «كورونا» تبلغ كلفتها الإجمالية 63,4 مليون دولار أمريكي، وهو ما يعادل 24 مليار أوقية قديمة.

المتحدث أقر أن الاقتصاد الموريتاني سيعرف انخفاضًا بنسبة 2%، على عكس التوقعات التي كانت تشير قبل الأزمة إلى نمو اقتصادي بنسبة 6,3 %، خلال العام الجاري، الأمر الذي دفع الحكومة إلى إعادة ترتيب الأولويات بما يضمن تخفيف التأثيرات السلبية للجائحة على الظروف المعيشية للمواطنين وعلى الاقتصاد الوطني عمومًا.

 حوالي 80 % من المقاولات الصغرى والمتوسطة على التراب الجزائري تضررت بشكل مباشر بالأزمة الصحية المرتبطة بفيروس كورونا 

موريتانيا التي اتخذت بدورها مجموعة من التدابير الاحترازية التي استمرت في تطبيقها رغم تراجع عدد الإصابات وخلو البلاد من الفيروس إذ قال وزير الداخلية، محمد سالم ولد مرزوك لا يمكن إجراء أيّ تغيير على هذه الإجراءات في الوقت الحالي، على اعتبار أنّ المبرّرات التي أدّت إلى اتخاذها لا تزال قائمة.

ليبيا.. لا هدنة إنسانية

وإذا كانت بلدان المغرب العربي تسعى جاهدة إلى تطويق فيروس كورونا المستجد، فإن الأمر في ليبيا مختلف، بسبب الأوضاع الأمنية التي تتسبب فيها قوات الجنرال المتقاعد حفتر، والدفاع عن الشرعية من طرف حكومة السراج.

فجائحة كورونا عمقت بالبلاد أزمة مالية وإنسانية تمر بها منذ الربيع العربي، كما أن الحرب الليبية هي الحرب الوحيدة في العالم الذي لم توقفها جائحة كورونا، بشكل جزئي أو شامل، فمعظم النزاعات سواء في  أفريقيا، أو في الشرق الأوسط...، جمدت، على الأقل مؤقتًا، استجابة لنداءات دولية بوقف إطلاق النار أو بحكم الاضطرار تحت وطأة تفشي الوباء.

وعلى إثر ذلك، كشف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن ليبيا تظل معرضة لخطر شديد من كوفيد - 19، بسبب تزايد مستويات القتال وانعدام الأمن، على الرغم من تدابير الوقاية والتدابير التي اتخذتها السلطات بدعم من الأمم المتحدة لمواجهة الجائحة.

ورغم مواصلة القتال، فإن ليبيا تتخذ إجراءات احترازية لتطويق تفشي فيروس كورونا المستجد من خلال إغلاق جميع الحدود الجوية والبرية والبحرية، وتقييد حرية التنقل بين البلديات والمناطق، وفرض حظر التجول، وتنفيذ تدابير الإغلاق العام سعيًا لمنع انتشار مرض فيروس كورونا.

 

شاهد/ي فيديو: 

فيروس كورونا في السائل المنوي.. ماذا يعني ذلك؟

كيف "يتلف" فيروس كورونا الجديد الرئتين؟

كم "يعيش" فيروس كورونا على الأسطح المختلفة؟