كيف تصنع السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل؟.. إجابات من ملف إلهان عمر

كيف تصنع السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل؟.. إجابات من ملف إلهان عمر

فتحت قضية إلهان عمر أسئلة عديدة حول اختراق أيباك للسيادة الأمريكية (Getty)

تبدو الصورة رغم تداخلها وتورط الكثيرين فيها، واضحة. إذ إن الفرق السياسية الداخلة في المشهد، ذات توجهات واضحة، غارقة في كثير من المال السياسي، منحازة سلفًا للوبيات الصهيونية، والحملات الانتخابية الضخمة الممولة والمرضي عنها. كان هذا هو السيناريو الفج، الذي حاولت إلهان عمر اختراقه، فوجدت نفسها تحت تهديد جدي. وهذا ما بينته مرة أخرى، النائبة الديمقراطية الاشتراكية ألكسندريا أوكاسيو، في تصريحات جديدة قبل يومين، ملوحة بأن كل وجه نقدي في السياسة الأمريكية، سيكون تحت هذا الخطر.

بغض النظر عن موقف إلهان عمر أو ما تلى اعتذارها، فإن ما حدث مع أيباك جعل المتابعين يطرحون أسئلة مهمة عن اختراق المنظمة الصهيونية للسيادة الأمريكية

بدأت الحكاية حين تم انتخاب النائبة الأمريكية المسلمة ذات الأصول الصومالية، لمقعد شديد الأهمية حسب تعبير نيويورك تايمز، في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، ليبدأ ستيفن فيسك، الوسيط العقاري الخمسيني والمساهم في لجنة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية أيباك، في نشاط هيستيري مجريًا اتصالاته، لتدشين حملة واسعة ضد عُمر.

اقرأ/ي أيضًا: جوليا سالازار.. شباب الهامش في مركز السياسة الأمريكية

كان هدف فيسك معاقبة عُمر وإحراجها، آملًا بأن يقوم نشطاء أيباك بهذا الدور، حيث إن التصريحات التي رأى وحلفاؤه أنها تستحق العقاب كانت تشير إلى أن النشطاء الموالين لإسرائيل "يدفعون من أجل الولاء لدولة أجنبية"، ما يعني أنها تمس المؤسسة الأبرز التي تمثل اللوبيات الصهيونية في واشنطن.

تحدث فيسك بعد تصريحات عُمر عن قلق يصيب العديد من النشطاء الموالين لإسرائيل والمنتمين إلى أيباك، وعن "إساءة" اقترفتها عُمر للجالية اليهودية في جنوب فلوريدا. بينما كان العامل الأساسي وراء هذا الغضب المسعور، أن عُمر أعادت إحياء جدل في الولايات المتحدة حول ما إذا كان لدى جماعة الضغط الموالية لإسرائيل نفوذ كبير وتأثير على السياسة الأمريكية إزاء الشرق الأوسط.  فيما كانت ردود الأفعال التي واجهتها عنيفة للدرجة التي جعلت الديمقراطيين أنفسهم يتهمونها بمعاداة السامية.. وفي النهاية اعتذرت!.

أيباك.. "ملاك" إسرائيل الكلاسيكي

بغض النظر عن موقف إلهان عمر أو ما تلى اعتذارها، فإن ما حدث مع أيباك جعل المتابعين ممن لم يغسل الفهم الصهيوني لـ"معاداة السامية" ومصالحهم، يطرحون أسئلة مهمة، من بينها على سبيل المثال "هل أصبحت أيباك التي تأسست قبل خمسين عامًا من أجل تعزيز وتقوية وحماية العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، قوية إلى هذه الدرجة؟ بمعنى هل سخرت أيباك من الجدل الدائر حول إسرائيل للدرجة التي أصبح فيها غير مسموح للأصوات المعارضة حتى التعبير عن رأيها؟".

تبدو هذه الأسئلة وغيرها في تصاعد داخل واشنطن، حتى ضمن أوساط غير المعادين لإسرائيل القلقين فقط حيال سيادة القرار الأمريكي، وسوف تتصاعد هذه الأصوات، خاصة مع المؤتمر السياسي السنوي لأيباك، كما توضح صحيفة نيويورك تايمز.

لم يتوقف الأمر عند إلهان عمر وأوكاسيو كورتيز، حيث إن بريان بيرد، وهو أحد النواب الديمقراطيين السابقين عن واشنطن (1999-2011)  قال في هذا الشأن ساخرًا من أعضاء الكونغرس الذين ينتقدون النائبة من أصل صومالي، إنه لأمر مخادع أن يصطف أعضاء الكونغرس لإدانة تعليقات عُمر، بكل هذا الحماس وكأنهم لا يدافعون عن أهم مصدر من مصادر تمويل حملاتهم، في الإشارة إلى أيباك.

من الجدير بالذكر أن بريان زار قطاع قطاع غزة عام 2009، بعد أن سوت قوات الاحتلال الكثير منه بالأرض، إذ كانت الزيارة وقتها هي الأولى من نوعها التي يدخل فيها أي شخص من الحكومة الأمريكية إلى غزة منذ أكثر من ثلاث سنوات. وعلق حينذاك بالقول "إن مقدار الدمار المادي وعمق المعاناة الإنسانية هنا مذهل"، وأنه "تم تدمير أحياء بأكملها، ودمرت المدارس بالكامل، وأصيبت شبكات المياه الأساسية، والصرف الصحي ومرافق الكهرباء، وأصيبت وكالات الإغاثة بأضرار بالغة. قصص الأطفال الذين قتلوا في منازلهم أو مدارسهم، وعائلات بأكملها تم القضاء عليها، وعمال الإغاثة". فيما أدان السلوك الإسرائيلي، واعتبر أن "منع إجلاء الجرحى أمر مقرف، ما حدث هنا وما زال مستمرًا، صادم ومزعج إلى أبعد مدى".

أيباك وجيوب مؤيديها الأوفياء

إن قصة الكيفية التي أصبحت بها أيباك إحدى أقوى مجموعات الضغط في واشنطن، هي في محور كبير منها، حول الكيفية التي اتبعتها في تسخير مشاعر الآلاف من الناس مثل فيسك، الذي زار آثار معسكرات النازية في بولندا وعقد بعدها العزم على ضرورة "إحداث فارق"، حتى لا يتكرر ما حدث في الثلاثينات على حد تعبيره، كما تقول الحجة الصهيونية الجاهزة!

هي أيضًا قصة تدور حول الكيفية التي استطاعت بها أيباك تسخير جيوب أعضائها، فهي على عكس الجمعيات الشعبية اليهودية في الولايات المتحدة لا تجمع المال من أجل مرشحيها "من الحزبين الأمريكيين الكبيرين"، لكن أعضاءها يفعلون ذلك بتشجيع قوي منها، كما أن هناك عدد لا يُحصى من الجيوب الوفية من المتبرعين، الموالين لإسرائيل، مثل المتبرع الأضخم "الملياردير" شيلدون آديلسون، صاحب اليد الأكرم، والسمعة المتلطخة أمريكيًا بملفات تقديم رشاوي علنية، وحتى إسرائيليًا.

واحد آخر يبزر في هذا السياق وهو توم دين، الذي كان يدير أيباك تنفيذيًا من العام 1980 إلى 1993، لخص "شعاره" لأعضاء المنظمة قائلًا: "أن تكون مؤيدًا لإسرائيل يعني أن تكون ناشطًا سياسيًا، وأن تكون ناشطًا سياسيًا يعني أن تهب وقتك وقوة عقلك ومحفظتك".

أيباك.. إمبراطورية وأشياء أخرى

لا تحاول أيباك الضغط نيابة عن إسرائيل، فهي حذرة إزاء كونها منظمة تدعم بلدًا أجنبيًا، كما وصفتها عُمر بالشكل الأدق، لكنها دائمًا ما تقترب من الحكومة الإسرائيلية، بغض النظر عمن هو المسؤول. وفي استثناء نادر، انتقدت الجماعة حزبًا يمينيًا في إسرائيل الشهر الماضي، عوتمسا يهوديت/ وهم ورثة الحاخام مائير كاهانا وأتباعه، مما أدى إلى رد فعل عنيف من نتنياهو المستفيد من تحركات أديلسون جدًا.

تفتخر أيباك اليوم بمكاتبها الإقليمية التي بلغت 17 مكتبًا، ومكتبها المشرق اللامع بالقرب من الكابيتول هول، مقر صناعة السياسة الأمريكية الأهم، وبميزانية سنوية ضخمة. حيث حصّل رئيسها التنفيذي، هوارد كور أكثر من مليون دولار عام 2016 كراتب، بخلاف المزايا ورحلات السفر إلى إسرائيل التي تعتبر، جواز مرور أعضاء جدد إلى الكونغرس.

يكمن سر أيباك أنها زرعت في كل منظمة مدنية وسياسية ذراعًا مؤيدًا لها، أو لنقل شبكة من المتطوعين المحليين وقادة المجتمع، أو زملاء سابقين يكونون بدورهم مكلفين بزراعة عضو موالِ في مجلس الشيوخ وعضو في مجلس النواب.

يقول توم دين في هذا الشأن لصحيفة نيويورك تايمز: "أنا أضمن أن كل عضو في مجلس الشيوخ الذي يجلس في منصبه الآن، بما في ذلك شخص مثل راند بول، لديهم 5 إلى 15 جهة اتصال رئيسية في سجلاتهم في مكتب أيباك". وبول هو عضو سابق في مجلس الشيوخ عن ولاية كنتاكي.

وبخصوص إدارة الأمور من خلف الستار يقول إم جي روزنبرغ، الذي عمل لدى أيباك في الثمانينات، وهو الآن ناقد للمنظمة: "في المؤتمرات السياسية يكون الأعضاء مجتمعين في غرف جانبية بعيدًا عن الحدث الرئيسي، لجمع الأموال وتحديد أي مرشح سيحصل على ماذا".

منظمة فوق النقد!

من الواضح أن أيباك حققت انتصارات متتالية في في أكثر من ثلاثة عقود للحفاظ على كونغرس مؤيد لإسرائيل بشكل قوي، والحصول على دعم الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة للمساعدات الخارجية والتعاون العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل، كان آخرها 500 مليون دولار للدفاع الصاروخي و3.3 مليار دولار للمساعدة الأمنية، لكن الرغبة المتزايدة للديمقراطيين الآن مثل إلهان عُمر في مساءلة هذا الدعم اللامشروط لإسرائيل، بالإضافة إلى الاتهامات الموجهة في الداخل الإسرائيلي لنتنياهو وحزبه، والتي تتعلق بانتهاكات متعددة لحقوق الإنسان ناهيك عن الفساد، تتحدى طموحات أيباك بالتوازن الحزبي، وتجعل بعض الديمقراطيين الليبراليين، بمن فيهم الشباب اليهود، يتخلون عن المنظمة.

اقرأ/ي أيضًا: من نادلة إلى نائبة في الكونغرس.. كيف اخترقت ألكسندريا كورتيز قواعد اللعبة؟

أما الديبلوماسي مارتن إنديك، الذي عمل لدى إيباك أيضًا في الثمانينات، فيقول "إن هذا الانقسام الحزبي حول إسرائيل حقيقي، كما بدأ ينعكس في انقسام بين حكومة إسرائيل والجالية اليهودية الأمريكية". وتورد الصحيفة الأمريكية في هذا الشأن مشهدين، الأول عندما هدمت إسرائيل تجمعات فلسطينية في الضفة الغربية في العام الماضي، جمع النائب يان شاكوسكي، وهو ديمقراطي عن ولاية إلينوي، توقيعات من 76 عضوًا في الكونغرس لانتقاد هذا الانتهاك، حينها لم تحرك أيباك ساكنًا. أما الثاني فعندما حصل الرئيس باراك أوباما على اتفاق نووي مع إيران، إذ توافق معه الديمقراطيون، على الرغم من اعتزام أيباك وقتها تخصيص 20 مليون دولار للوقوف ضد هذا الاتفاق.

من الواضح أن أيباك حققت انتصارات متتالية عبر أكثر من ثلاثة عقود للحفاظ على كونغرس مؤيد لإسرائيل بشكل قوي، لكن استمرار ذلك يواجه عديد الأسئلة الآن

في النهاية لا بد من  الإقرار أن أيباك كإمبراطورية سياسية ستبذل كل ما في وسعها من حملات إعلامية لتشويه "الديمقراطيات الجديدات"، على غرار عمر وأوكاسيو. هذا مبعثه إدراك اللوبي الصهيوني لخطورة حضور الوجوه الديمقراطية الاشتراكية في واجهة المشهد السياسي الأمريكي، وما يمكن أن يخلقه ذلك من تعزيز لخطاب العدالة تجاه فلسطين. أما على الجانب الآخر من الأطلسي فيمكن رصد مثل تلك الحملات الصهيونية  التي تُقام ضد زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربين. بما يحيل إلى أن ليس هناك نزوع فطري تجاه إسرائيل في الغرب، بقدر ما هو تقصير عربي وجهد إسرائيلي مركب في حلبات صنع السياسة الغربية!.