كيف تصبح أحضان الأشرار ملاذًا؟

كيف تصبح أحضان الأشرار ملاذًا؟

مؤيد للقذافي في مدينة الزاوية الليبية آذار/مارس 2011 (ناشيونال جيوغرافيك)

 

آلاف في الشوارع يرقصون فرحًا، قائدو السيارات يطلقون آلات التنبيه بهستيرية، السيدات يطلقن الزغاريد، هتافات ولافتات تحلف بحياة بشار الأسد، أجواء بهجة عارمة لا تليق على الخلفية التي تحتوي على بيوت مهدمة وآثار دمار.

هل نظام بشار أفضل أم داعش والنصرة؟ هل علي عبد الله صالح أقل سوءًا أم ثنائية إيران والسعودية؟

كان هذا هو المشهد في مدينة حلب السورية بعد سيطرة الجيش السوري عليها، عقب معارك عنيفة مع الفصائل الإسلامية التي كانت تسيطر عليها وعلى رأسها جبهة النصرة.

اقرأ/ي أيضًا: دولة المؤسسات وعزبة الباشوات

لو أن الشاشات قد أذاعت هذا المشهد قبل عدة سنوات لم يكن أحد ليصدقه ولاعتقد الجميع أنها تمثيلية يقوم بها مجموعة من المنتفعين بنظام الأسد لأداء الشعبية والقوة والتماسك، ولو ثبت أنه مشهد حقيقي لانصب اللوم على هذا القطاع من الشعب الذي أدمن العبودية، لكن بعد كل هذه السنوات، لم تفاجئ الاحتفالات بعودة السيطرة الأسدية على المدينة أحد، يتفهم الجميع دوافعها بل ويتعاطف معها، بل وربما يفرح البعض لفرح الأهالي ويأمل معهم أن تعود الأوضاع لما كانت عليه قبل اندلاع الثورة السورية قبل 9 سنوات.

أسوأ ما في موجة الربيع العربي الأولى – باستثناء التجربة التونسية – أنها أجبرت الشعوب على الاختيار بين المر والأمر منه، والأكثر سوءًا أنه لم يكن سهلًا حتى حسم من هو المر، ومن هو الأمر منه، هل نظام بشار أفضل أم داعش والنصرة؟ هل علي عبد الله صالح أقل سوءًا أم ثنائية إيران والسعودية؟ حسني مبارك أم الإخوان والسلفيين والجماعة الإسلامية؟ معمر القذافي أم اللاشيء؟

قامت كل الثورات في البداية بأجندة مدنية ديمقراطية حداثية، لكن القوى المؤمنة بهذه القيم كانت أضعف من أن تكون طرفًا في المعادلة، سُحقت لصالح قوى ظلامية بعضها ينتمي للأنظمة التي فقدت رؤوسها ولم تفقد أجسادها الضخمة، وبعضها ذات طابع ديني يعتبر الديمقراطية والحداثة كفرًا، وبعضها قوى إقليمية دخلت في النزاع بحثًا عن النفوذ أو حفاظًا على مصالحها الخاص، لينتهي الأمر بالقوى التي أكسبت الثورات طابعها المدني في السجون أو القبور أو المنافي، وليقتصر الصراع على السلطة والنفوذ والحكم بين المر والأمر منه.

*

في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2010، كنت أجري حوارًا مع علي الدين هلال القيادي البارز في الحزب الوطني الحاكم وقتها، في مكتبه بمقر الحزب الحصين على كورنيش النيل، والذي لم يكن كلانا يتصور أنه سيحترق ويتحول إلى مبنى مهجور بعد أقل من 60 يومًا.

سألته عن مستقبل الحكم بعد مبارك في ظل انسداد الأفق السياسي وتزايد الحديث عن توريث رئاسة مصر لجمال مبارك خلفًا لوالده، أجاب بكلام معتاد من نوعية دولة المؤسسات ووجود دستور ينظم انتقال السلطة بشكل سلمي، ثم أطفأ جهاز التسجيل – في إشارة إلى أن كلامه القادم ليس للنشر – وقال: "الراجل ده (وأشار إلى صورة مبارك المعلقة على الحائط) هو عمود الخيمة، لو اتشال الخيمة تقع، ومن بعده لن يكون هناك بديل سوى الجيش أو الإخوان، ولو كنت فاكر إن الأوضاع سيئة دلوقتي ساعتها هتترحم على أيام مبارك". أردت أن أناقشه في المسؤول أصلًا عن هذا الوضع، لكنه أنهى الجدال سريعًا وطلب استكمال الحوار.

المعنى نفسه أكّد عليه مبارك في خطابه الأول عقب أحداث جمعة الغضب حين قال: "علينا جميعًا أن نختار بين الفوضى والاستقرار"، الاستقرار الذي يتمثل فيه، والفوضى إذا رحل، هذا هو الاختيار الذي عمل على تأصيل ثنائيته الرؤساء العرب على مدى عقود من حكمهم، خنق البدائل التي قد تقود البلاد إلى الأفضل لتتبقى البدائل التي تجرها إلى الخلف، وبذلك يمكن مساومة الداخل والخارج على حكم مدى الحياة.

قامت كل الثورات في البداية بأجندة مدنية ديمقراطية حداثية، لكن القوى المؤمنة بهذه القيم كانت أضعف من أن تكون طرفًا في المعادلة

هناك تفاصيل طبعًا تتعلق بأداء القوى المدنية والثورية نفسها الذي ساعد على تنفيذ هذا السيناريو كما خطط له واضعوه، لكن ما أراه أنه حتى ولو لم تُرتكب هذه الأخطاء ما كان لهذا السيناريو أن يتغير إلا في تفاصيل محدودة أيضًا، ربما إطالة وقت الانقلاب على الثورات أو أن تكون آثاره أقل حدة، لكن كل المقدمات لم تكن لتؤدي إلا لتلك النتائج.

*

الآن يتحدث سياسيون عن كون الثورات الشعبية هي الوسيلة المناسبة للتغيير في الدكتاتوريات العربية، يؤمن كثيرون ممن شاركوا في الثورة قبل كارهيها أن مسار الإصلاح البطيء على طوله وصعوبته آمَنُ وأنفع على المدى الطويل من الهبات الشعبية التي لا تسيطر عليها القوى الديمقراطية، وتضعنا في النهاية غالبًا بين خياري المر والأمر منه.

اقرأ/ي أيضًا: المعنى الحي لفلسطين

الفيديوهات القادمة من حلب تخبرنا بالكثير، وفي تفاصيلها إجابة على سؤال: كيف تصبح أحضان الأشرار ملاذًا؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

نبش القبور.. محاولة فاشلة للتفسير

حكايات الطيب والشرس