كيف تستعد إيران لمواجهة أميركية–إسرائيلية محتملة؟
25 يناير 2026
مع استكمال الاستعدادات العسكرية والجهوزية اللازمة لعمل عسكري محتمل تجاه إيران، بحسب ما أورده العديد من المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين، وما سُرّب إلى وسائل الإعلام، تتكاثر الأسئلة حول استعدادات إيران للمواجهة وقدرتها على الصمود في حال اندلاع الحرب.
حرب الأيام الاثني عشر
في حرب الأيام الاثني عشر السابقة، ورغم أن الرسالة التي بعث بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المرشد الأعلى علي خامنئي تضمنت مهلة زمنية مدتها شهران، وفق ما أفاد موقع "أكسيوس" نقلًا عن مصدرين أميركيين مطلعين، أدت الضربة الافتتاحية الإسرائيلية الأولى إلى اغتيال عدد كبير من العلماء الإيرانيين، إلى جانب مجموعة من قيادات الصف الأول العسكرية في الحرس الثوري.
وأشار محللون إلى أن إيران تفاجأت بالعدوان الإسرائيلي، ولم تكن تتوقع أن تتحول مهلة الستين يومًا إلى ضربة عسكرية بهذا الحجم.
ولم تعلن طهران رسميًا عن حجم الخسائر العسكرية التي تكبدتها، كما لم تؤكد أو تنفِ ما يكرره ترامب بشأن تدمير المنشآت النووية الإيرانية.
بين التهديد السابق والحرب الوجودية
بحسب المسؤولين الإيرانيين، فإن طهران هذه المرة على دراية كاملة باحتمالية عمل عسكري، في ظل وصول الأصول العسكرية الأميركية إلى المنطقة، وتصاعد تهديدات ترامب العلنية، ما دفع إيران إلى رفع مستوى الجهوزية العسكرية إلى أقصاه.
تتمثل نقطة الضعف العسكرية الثانية لدى إيران في أنظمة الدفاع الجوي أمام المقاتلات الأميركية والإسرائيلية، رغم امتلاكها منظومات متطورة، أبرزها "إس-300" الروسية، و"باور 373"، و"رعد"، و"خرداد 3"، و"كمين 2"
في هذا السياق، قال مسؤول إيراني رفيع المستوى، في تصريح لـ"العربي الجديد": إن بلاده لم تعتبر ما حدث خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران تهديدًا وجوديًا، موضحًا أن إيران حاولت حينها ضبط النفس والتحلي بالهدوء والتروي في ردودها تجاه كل من إسرائيل والولايات المتحدة.
وأضاف المسؤول أن طبيعة التهديد هذه المرة مختلفة تمامًا، مؤكدًا أنه "لم يعد أمام إيران خيار سوى أخذ هذه التهديدات على محمل الجد".
نقطة الضعف الإيرانية
تُعد إحدى أبرز نقاط الضعف العسكرية الإيرانية عدم امتلاكها سلاح طيران حديث، إذ تعود معظم طائراتها إلى القرن العشرين، وتشمل مقاتلات روسية من طراز "ميغ" و"سوخوي"، وصينية من طراز "إف-7"، إلى جانب مقاتلات أميركية من طراز "إف-4" و"إف-5"، وطائرات فرنسية من طراز "ميراج"، وهي جميعها ضمن ترسانة سلاح الجو الإيراني منذ ما قبل الثورة الإسلامية عام 1979.
وبعد حرب الأيام الاثني عشر، اتجهت إيران إلى الصين لشراء مقاتلات من طراز "J-10C"، المعروفة باسم "التنين النشط"، وهي مقاتلة من جيل متقدم تعادل مقاتلة "F-16" الأميركية، بحسب موقع "The War Zone" المتخصص في تحليل شؤون التكنولوجيا العسكرية.
ووفق صحيفة "معاريف" العبرية، فإن إيران تتفاوض للحصول على 36 طائرة من هذا الطراز، مع توقع بدء التسليم بحلول عام 2026، دون أن تفصح طهران رسميًا عمّا إذا كانت الصفقة قد أُبرمت أم لا.
بين ثغرة الدفاع الجوي والصواريخ الإيرانية
تتمثل نقطة الضعف العسكرية الثانية لدى إيران في أنظمة الدفاع الجوي أمام المقاتلات الأميركية والإسرائيلية، رغم امتلاكها منظومات متطورة، أبرزها "إس-300" الروسية، و"باور 373"، و"رعد"، و"خرداد 3"، و"كمين 2".
وقد برز هذا الخلل خلال حرب الأيام الاثني عشر، حين تمكن سلاح الجو الإسرائيلي من اختراق الأجواء الإيرانية وتنفيذ ضرباته.
في المقابل، عوضت إيران هذه الثغرات بالتركيز على الصواريخ الباليستية، التي تعتبرها "درة التاج" في صناعاتها العسكرية وأساس قوتها الرادعة، ومن أبرزها صواريخ "عماد"، و"قادر"، و"سجيل"، و"خرمشهر"، إضافة إلى مجموعة من الصواريخ الفرط صوتية، التي تمكنت من الوصول إلى العمق الإسرائيلي.
وكثفت إيران إنتاج صواريخها وتعويض ما فقدته خلال حرب حزيران/يونيو الماضية، بحسب ما أكده المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية، العميد رضا طلائينيك، لوكالة "فارس".
وأشار طلائينيك إلى أن القدرات الصاروخية للجمهورية الإسلامية الإيرانية ازدادت كمًا ونوعًا مقارنة بحرب الأيام الاثني عشر، مؤكدًا أن الاستفادة من التجارب السابقة عززت القدرات الدفاعية والصاروخية وجعلتها أكثر فاعلية.
وفي إطار الاستعدادات الإيرانية، يرى الخبير في الشؤون الإيرانية، الدكتور محمد شمص، في حديث لـ"الترا صوت"، أن الجهوزية العسكرية الإيرانية لأي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل باتت في أعلى مستوياتها، مشيرًا إلى أن القيادة الإيرانية أعلنت أن يدها على الزناد وجاهزة لمختلف السيناريوهات.
وأوضح شمص أن أي استهداف أميركي للمرشد الإيراني سيقود، بحسب التقدير الإيراني، إلى حرب شاملة وطويلة، لن تنتهي إلا بخروج القوات الأميركية من المنطقة، معتبرًا أن طهران جهّزت ترسانتها من الصواريخ الفرط صوتية والباليستية، كما عملت على ترميم الثغرات التي ظهرت خلال عدوان حزيران الماضي الذي استمر 12 يومًا.
وأشار إلى أن حالة التعبئة العامة تشمل مختلف تشكيلات القوات المسلحة، من الجيش والحرس الثوري إلى قوات التعبئة "الباسيج"، التي وصفها بأنها جيش رديف يضم نحو 12 مليون متطوع مدرّب عقائديًا، ويتمتع بقاعدة شعبية واسعة مستعدة، وفق تعبيره، لمواجهة مختلف الخيارات في أي صدام مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأكد شمص أن إسقاط النظام في الجمهورية الإسلامية عبر ضربات عسكرية أو غزو بري أمر غير واقعي، لافتًا إلى أن أي غزو عسكري يتطلب آلاف الجنود والضباط الأميركيين، وهي قدرات قال إن واشنطن غير جاهزة لها، في ظل انقسام واضح داخل الإدارة الأميركية.
وثيقة استراتيجية الدفاع الأميركية: إيران تسعى لإعادة بناء قواتها ولم تغلق باب السعي لامتلاك سلاح نووي
ولفت شمص إلى أن إيران تمتلك أوراق قوة متعددة، لكنها تتدرج في استخدامها، انطلاقًا من قناعتها بأن أي حرب تسعى واشنطن لجعلها حاسمة ستتحول إلى حرب طويلة الأمد.
وختم بالقول إن الاستعدادات الإيرانية لا تقتصر على الجانب العسكري، موضحًا أن الوزارات المعنية عملت على تجهيز الإمكانات المعيشية اللازمة لتمكين الإيرانيين من الصمود لأشهر وربما سنوات في حال اندلاع حرب طويلة، معتبرًا أن قرار الحرب لا يزال بيد الولايات المتحدة، رغم حديث طهران عن إمكانية توجيه ضربات استباقية إذا شعرت بتهديد ملموس، ومؤكدًا في الوقت نفسه أن إيران لا تزال ملتزمة بالقانون الدولي ولن تبدأ الحرب، في ظل استمرار حالة الصراع المفتوح مع إسرائيل.
الحشد الأميركي واستراتيجية المواجهة
على الجانب الأميركي، عززت واشنطن خلال الأيام الماضية أصولها العسكرية في المنطقة، إذ ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز"، نقلًا عن مسؤولين أميركيين، أن سلاح الجو أرسل خلال الأسبوع الماضي نحو 12 مقاتلة من طراز "F-15E" لتعزيز القدرات الهجومية الجوية.
ويأتي هذا التحرك الميداني بالتوازي مع تصعيد في الخطاب السياسي، إذ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الخميس أن "أسطولًا حربيًا" أميركيًا يتحرك باتجاه إيران، معربًا عن أمله في عدم الاضطرار لاستخدامه.
وتعكس هذه الخطوات، العسكرية منها والسياسية، النظرة الأميركية إلى إيران بوصفها عقبة أمام مشاريع واشنطن في الشرق الأوسط، في ظل مساعٍ لإضعاف النظام القائم، يقابلها قلق متزايد من طبيعة الرد الإيراني المحتمل. وتتركز هذه المخاوف على احتمال رد واسع النطاق، عبر استهداف القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، وهو سيناريو يلوّح به قادة عسكريون إيرانيون باستمرار.
ولا يقتصر هذا الرد، وفق التقديرات الأميركية، على الساحة الإيرانية وحدها، بل قد يمتد إلى توجيه ضربات مباشرة ضد إسرائيل، إلى جانب تحريك ما تسميه طهران "جبهات محور المقاومة"، بما في ذلك حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، وأنصار الله في اليمن، ما ينذر بتوسّع رقعة المواجهة إلى مستوى إقليمي شامل.
إيران في الاستراتيجية الأميركية لعام 2026
وفي ضوء هذه السيناريوهات، تتقاطع التحركات الراهنة مع الإطار الاستراتيجي الأوسع الذي تحكمه العقيدة الدفاعية الأميركية، كما ورد في استراتيجية عام 2026، التي تصنّف إيران تهديدًا مباشرًا للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط.
وقالت وثيقة استراتيجية الدفاع الصادرة عن وزارة الحرب الأميركية، يوم الجمعة، إن إيران تبدو عازمة على إعادة بناء قواتها رغم الانتكاسات التي تعرضت لها، مشيرةً إلى أن القيادة الإيرانية أبقت الباب مفتوحًا أمام احتمال السعي للحصول على سلاح نووي.
وأضافت الوثيقة أن واشنطن تتوقع أن يعمل وكلاء طهران على إعادة بناء بنيتهم التحتية وقدراتهم العسكرية المتضررة، معتبرةً أن إسرائيل أثبتت رغبتها وقدرتها على الدفاع عن نفسها بدعم أميركي حاسم، وإن كان محدودًا، ومحذّرةً في الوقت نفسه من أن إيران ووكلاءها يواصلون إشعال أزمات إقليمية تهدد حياة الجنود الأميركيين وتقوّض السلم والاستقرار.