كيف تستخدم الأنظمة العربية برامج التجسس الغربية لقمع النشطاء والحقوقيين؟

كيف تستخدم الأنظمة العربية برامج التجسس الغربية لقمع النشطاء والحقوقيين؟

رسائل الاحتيال هي من أكثر أنظمة الاختراق والتجسس استخدامًا من قبل الحكومات العربية (جون غامبريل/ أسوشيتد برس)

على مدار السنوات الماضية، أسرفت الأنظمة العربية في اقتناء برامج التجسس والقرصنة الإلكترونية، ودفعت مقابل ذلك ملايين الدولارات، في محاولة منها لاستباق أي حراك سياسي في المنطقة التي وُئدت مطالب شعوبها التي انتفضت في 2011 تباعًا. موقع "csmonitor" أعد تقريرًا حول برامج التجسس والقرصنة التي اشترتها الأنظمة العربية، وكيفية استخدامها، وأي النشطاء المستهدفين بها على وجه التحديد، ترجمناه لكم بتصرف في السطور التالية.


منذ اندلاع ثورات الربيع العربي قبل سنوات، أنفقت الحكومات وأجهزة الاستخبارات ملايين الدولارات على أجهزة التجسُس وخدمات الاختراق والقرصنة، مُشعِلين حربًا رقمية ضد المواطنين، حسبما يقول بعض الخُبراء والمُحلِّلين.

منذ الربيع العربي، أنفقت الحكومات العربية ملايين الدولارات على أجهزة التجسس وأنظمة الاختراق والقرصنة الإلكترونية

اقرأ/ي أيضًا: مصر والإمارات وغيرهما.. أنظمة عربية تحاصر الإنترنت بتقنيات تجسس أجنبية

وتستخدم الأنظمة الحاكمة، أنظمة التجسس التي تنتجها شركات غربية للقضاء على أولئك الذين يجرؤون على المُطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، غالبًا باختراق نفس التكنولوچيا التي استعملها هؤلاء النشطاء للإطاحة بالأنظمة الدكتاتورية، كفيسبوك مثلًا.

ويحكي النُشطاء العرب في منطقة الخليج وشمال أفريقيا، عن تلقي رسائل عاجلة أو رسائل بريد إلكتروني من زُملائهم، يطلبون منهم معلومات أو يطلبون عقد اجتماعات، وهي الرسائل التي لم يكتبها زملاؤهم أبدًا، والتي تُعد بمثابةِ كمائن وفِخاخ تُؤدي إلى اقتحام الاجتماعات وإلغاء المظاهرات واعتقال النُشطاء.

يقول مؤلف كتاب "الإرهاب الأسود: التاريخ السري للحرب الرقمية"، فريد كابلان، إنّ "صناعة القرصنة أصبحت كبيرة جدًا، صناعة بمليارات الدولارات وهذه الحكومات تفعل ما فعلته دائمًا باستخدام التكنولوجيا لتبقى مُطلعة دائمًا على ما يفعله مُواطنوها، الحرب السيبرانية"، مُضيفًا: "من ناحية أصبح بإمكان النشطاء التحدُث مع بعضهم أكثر ومع الجماهير كما رأينا في الربيع العربي، لكن ما إن تُفتح مسارات التواصل فهي تُفتح في الناحيتين"، يقصد من ناحية الأنظمة الحاكمة.

النشطاء الخاملون هم الهدف

عندما اندلعت المظاهرات في جميع أنحاء العالم العربي في 2011، وقّعت عددٌ من الحكومات العربية عُقُودًا بملايين الدولارات مع الشركات الغربية، لتزويدهم بأنظمة مُراقبة واختراق، وذلك وفقًا لخُبراء وتسريبات لويكيليكس. فقد وقّع فريق اختراق مقرّه ميلان بإيطاليا، عقدين مع مصر، وثلاثة عُقُود مع المملكة العربية السعودية، وعقد مع كُلٍ من البحرين والإمارات وعُمان.

في حزيران/يونيو الماضي، كشفت "بي بي سي"، أن الشركة العملاقة "BAE" ومقرها بريطانيا، استخدمت وسيطًا دنماركيًا لبيع نظام مراقبتها (Evident) لكل من السعودية والإمارات ودول أخرى. ويتيح نظام "Evident" مُراقبة مُستخدمي الإنترنت على المستوى الوطني، وفك تشفير برامج الدردشة، والتي كان يُعتقَد سابقًا أنها منيعة ضد هذا الاختراق.

ويقول النشطاء والخبراء، إن الأنظمة العربية غالبًا ما تسعى خلف قادة المُعارضة البارزين ونُشطاء حقوق الإنسان والمحامين؛ لكنهم ليسوا الهدف المقصود بهذه المراقبة. فعلى الأرجح تمتلك أجهزة الاستخبارات العربية ملفات مُفصَّلة عن هذه الشخصيات، جمعتها بطُرق جمع المعلومات الاستخباراتية التقليدية. أما ما يسعون خلفه حقًا بحسب خبراء، هي جهات الاتصال وتاريخ المُحادثات النصية لهؤلاء النُشطاء، وأي شيء قد يقود إلى التوصُل إلى المتعاطفين معهم الأقل شهرة.

بيل ماركزاك، والذي يعمل باحثًا رئيسيًا في "Citizen Lab" بجامعة تورونتو، وهي مُؤسسة تراقب الأنشطة السيبرانية للحكومات، وتقدم الدعم الفني للنشطاء المحاصرين في كل مكان بالعالم. يقول ماركزاك، إن "الأشخاص الذين لا يعادون الحكومة علانية، لكنهم يدعمون القضية بصمت؛ هؤلاء هم الهدف دائمًا".

الأشخاص الذين لا يعادون الأنظمة الديكتاتورية علانية وإنما في صمت، هم المستهدفون ببرامج التجسس

ويضيف ماركزاك قائلًا، إنه "بالإمكان تتبُعهم من خلال جهات اتصال البريد الإلكتروني أو الهاتف، أو عبر برامج المحادثات النصية، وهذا هو الهدف".

اقرأ/ي أيضًا: قانون "الجرائم الإلكترونية" وفظائع الاختفاء القسري في الإمارات

بضاعة الشركات المرتزقة الغربية

ولأن القُدرات التكنولوجية للحكومات العربية، ما زالت في مراحلها المبكرة، فما زالوا يعتمدون بشكلٍ حصري تقريبًا على أنظمة تجسُس واحتيال واختراق، أتنتجها شركات غربية يصفها الخُبراء بأنها شركات مُرتزقة قادرة على استغلال الثغرات القانونية لبيع مُنتجاتها للأنظمة الدكتاتورية.

هناك عينة من تلك الحالات التي حدثت خلال السبع سنوات الماضية، وتُظهر مدى خطورة الأنظمة التي تنتجها الشركات الغربية للحكومات الاستبدادية، وفي المقابل مدى ضآلة النجاح الذي حققه نشطاء حقوق الإنسان، في إقناع هذه الشركات بعدم بيع هذه التكنولوجيا للحكومات المستبدة.

هذه العينة، أو المثال، هي البحرين التي تشن حملة قمع دموية ضد مواطنيها من الشيعة، وضد جملة المعارضين للنظام. استخدمت السلطات البحرينية برنامج تجسس يدعى "فين فيشر"، ويعمل كالآتي: تُرسَل رسائل البريد الإلكتروني إلى الأهداف المطلوبة، مُعنونةً بعناوين ذات مدلولات سياسية وملفات مُرفَقٌ بها معلومات عن أوضاع النُشطاء المُعتقلين أو المعارضة، لكنها في الحقيقة تحوي برمجيات تجسُس خبيثة تخترق أجهزة النُشطاء، وتستولي على جهات الاتصال لديهم وبياناتهم.

النُشطاء الذين حلّلوا تسريبات ويكيليكس للمُحادثات بين البحرين والشركة الأنجلوألمانية المُدعوة "مجموعة جاما"، والتي تبيع "فين فيشر"، اكتشفوا أن أرقام الـ"آي بي" للشخصيات المُستهدَفة، تخُص ناشطين بحرينيين في بريطانيا.  

كذلك استخدمت الإمارات برنامج تجسُس إسرائيلي لتخترق هاتف الآيفون للناشط الإماراتي أحمد منصور، بحسب الخبراء الذين فحصوا جهازه. ويُعتقَد أن المعلومات التي جُمِعت من هاتفه، أدت إلى إعادة اعتقاله من قِبل السلطات الإماراتية في نيسان/أبريل الماضي.

رسائل الاحتيال التي تلقاها الناشط الإماراتي أحمد منصور على هاتفه
رسائل الاحتيال التي تلقاها الناشط الإماراتي أحمد منصور على هاتفه

وينقل برنامج التجسس، الذي تبيعه مجموعة "NSO" الإسرائيلية، كل الاتصالات وموقع هاتف الآيفون المستهدف، ومن بينها الاتصالات على برامج "واتس آب"، و"تليجرام"، و"سكايب". رغم أنها برامج المراسلة المشفرة المفضلة لدى النشطاء، هذا فضلًا عن فيسبوك وفايبر وجيميل.

أما مصر فقد وقعت عقدًا يبلُغ مليون يورو (1.16 مليون دولار)، مع فريق "Hacking Team" من ميلان بإيطاليا، لشراء نظام التحكُم عن بُعد الخاص به، وذلك وفقًا لمنظمة "برايڤسي إنترناشونال" المُدافِعة عن الحُريات المدنية، والتي تتخذ من بريطانيا مقرًا لها.

وتُشير التقارير إلى أن مصر لم تستخدم نظام التحكم عن بُعد لاختراق ومراقبة حواسيب وهواتف آبل فقط، بل وكذلك النُسخ المُقرصَنة من ويندوز، والتي يستخدمها ما يُقارب من 90% من مُستخدمي الحواسيب في مصر.

ووفقاً لـ"Citizen Lab"، فقد استهدفت حملة احتيال أخيرة، نُفِّذت من قِبل السلطات المصرية، سبع منظمات حقوق إنسان مصرية، وعددًا من المحامين والصحفيين والنُشطاء المستقلين، كلهم وُرِدت أسماؤهم في قضية التمويل الأجنبي

ويستعمل المسؤولون العرب حجة "مكافحة الإرهاب" لتبرير استعانتهم بهذه البرمجيات الخبيثة، أمام الانتقادات التي يتعرضون لها بانتهاك حقوق الإنسان.

كيف غير النشطاء من وسائلهم؟

يقول نُشطاء مِصريون إنهم يلتقون الآن خلف الأبواب المغلقة، تاركين هواتفهم وحواسيبهم بعيدًا. وفي الخليج يضطر نشطاء حقوق الإنسان -الذين رفضوا الكشف عن أسمائهم وأماكنهم لاعتباراتٍ أمنية- إلى استخدام الرموز وكلمات السر لمُناقشة القضايا السياسية والحقوقية في بلادهم.

وبالرغم من أنه من غير المُرجح أن يتفوقوا على برامج التجسُس الغربية، إلا أنّ الخُبراء يرون أن نُشطاء حُقوق الإنسان يُدركون أن التكتيك خلف كل هذه الهجمات المتنوعة، هو الهندسة الاجتماعية التي تُمثِّل فخ النقر (فخ النقر على الروابط التي تحوي البرمجيات المشبوهة أو رسائل البريد الإلكتروني وخلافه) وهذا أمرٌ  يُمكِن الاحتماء ضده إلى حد ما.

في مقابل أنظمة التجسس والمراقبة، يلجأ النشطاء في المنطقة العربية إلى الطرق القديمة والتقليدية للنجاة من فخ التجسس عليهم

ماركزاك من "Citizen Lab" يقول، إنّ "هذه الرسائل تُصنع خصيصًا لتُناسِب مشاعر الشخص وفُضُوله، يخلقون إحساسًا بالإلحاح والأهمية؛ ليُخبرِوا المُستخدم اضغط على الرابط وإلا ستكون هناك عواقب وخيمة"، موضحًا: "الحل هو أن يكون الناس حذرين من الطرق التي يحدث بها هذا الأمر ويبحثوا عن الإشارات".

 

اقرأ/ي أيضًا:

هدايا أبوظبي للقاهرة.. نظام جديد للتجسس على الإنترنت

ضغوط أمنية على أوبر وكريم في مصر..إما بيانات العملاء وإما الحظر