كيف تسبّبت أشعة كونية في توقيف أسطول من طائرات إيرباص؟
5 ديسمبر 2025
شهد قطاع الطيران العالمي في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2025 واحدة من أكبر عمليات التعليق الطارئ لأسطول جوي في تاريخه، بعد أن أعلنت شركة "إيرباص" عن ضرورة تحديث أنظمة التحكم الإلكتروني في أكثر من 6,000 طائرة من طرازات A320 وA319 وA321.
وجاء التحرك بعدما كشفت تحقيقات أولية أن خللًا مفاجئًا أصاب إحدى طائرات "جت بلو"، نهاية تشرين الأول/أكتوبر نتج "على الأرجح" بسبب جسيمات عالية الطاقة قادمة من الفضاء.
بداية الأزمة
حسب تقرير نشرته شبكة "بي بي سي"، ففي 30 تشرين الأول/أكتوبر 2025، وأثناء رحلة لطائرة "إيرباص A320" تابعة لشركة JetBlue بين كانكون المكسيكية ونيوجيرسي الأميركية، سجّلت الطائرة هبوطًا حادًا وغير متوقع، تسبب بإصابات بين الركاب، بينها ثلاث حالات نزيف في الرأس، قبل تحويل الرحلة اضطراريًا إلى فلوريدا.
وبعد شهر من الحادثة، قادت نتائج التحقيق إلى وقف وتشغيل عاجل لآلاف الطائرات، ما أحدث فوضى واسعة في حركة الطيران، خلال عطلة عيد الشكر في الولايات المتحدة.
جسيمات كونية تقلب "بتًا" واحدًا
خلصت تحقيقات إيرباص والجهات التنظيمية في أوروبا والولايات المتحدة إلى أن الخلل ارتبط بظاهرة تسمى "اضطراب حدث منفرد" (Single-Event Upset) أو ما يعرف بـ Bit Flip، إذ يؤدي اصطدام نيوترونات عالية الطاقة، ناتجة من الأشعة الكونية، بمكوّن إلكتروني حساس إلى تغيير قيمة خانة رقمية (0 → 1 أو العكس) داخل الذاكرة.
هذا التغيّر، رغم صِغره الشديد، يمكن أن يتسبب بانحراف في نظام الطيران الإلكتروني Fly-by-Wire، الذي يعتمد بالكامل على الحواسيب في التحكم بحركة الأجنحة والذيل.
أدى اصطدام نيوترونات عالية الطاقة، ناتجة من الأشعة الكونية، بمكوّن إلكتروني حساس إلى تغيير قيمة خانة رقمية (0 → 1 أو العكس) داخل ذاكرة الطائرة
وأصدرت كل من وكالة سلامة الطيران الأوروبية EASA وهيئة الطيران الفدرالية الأميركية FAA توجيهات عاجلة، تؤكد أن هذه الأخطاء قد تتسبب في "تغيير غير مأمور به في الارتفاع" قد يصل إلى مستوى يهدد قدرة الطائرة الهيكلية.
كما أشارت الوثائق إلى ضرورة تنفيذ تحديثات فورية للبرمجيات، إضافة إلى استبدال مكوّنات حساسة في نحو 900 طائرة.
أثار إعلان إيرباص عن "إشعاع شمسي مكثف" في ذلك اليوم دهشة علماء الفضاء، إذ يؤكد خبراء مثل البروفيسور كيث رايدن من جامعة سري أن ذلك اليوم لم يشهد أي نشاط شمسي استثنائي، الأمر الذي يجعل التفسير غامضًا.
ويشير متخصصون إلى أن الأشعة الكونية ليست مرتبطة فقط بالشمس، إذ تصل الأرض باستمرار جسيمات عالية الطاقة قادمة من سوبرنوفا أو "المستعر الأعظم"، وثقوب سوداء، ونشاط مجري بعيد.
ليست المرة الأولى
حادثة JetBlue أعادت للأذهان حادثة مشابهة عام 2008 لطائرة تابعة لـQantas، التي هبطت مئات الأقدام بشكل مفاجئ وأصابت عشرات الركاب. ورغم أن التحقيق حينها لم يثبت أن السبب "بت مقلوب"، إلا أنه بقي الاحتمال الأكثر ترجيحًا.
مع ذلك، تنفي إيرباص وجود صلة بين الحادثتين، موضحةً أن الخلل في طائرة JetBlue وقع داخل نظام ELAC المسؤول عن ضبط الارتفاع واللف، بينما كان الخلل في حادثة Qantas في وحدة مختلفة تمامًا.
تحديثات عاجلة وعودة تدريجية للطيران
أعلنت إيرباص أن تصحيح الخلل اعتمد على زيادة وتيرة تحديث البيانات الداخلية، بحيث يتم "تنظيف أي خطأ قبل أن يترك أثرًا على نظام التحكم".
وكانت التحديثات سهلة وسريعة التنفيذ، إذ أكملت غالبية شركات الطيران العملية خلال ساعات، وبحلول 1 كانون الأول/ديسمبر عاد أغلب الأسطول إلى الخدمة، مع بقاء أقل من مئة طائرة قيد التعديل.
كلما صغرت الشرائح.. زاد الخطر
يؤكد خبراء الفضاء والملاحة أن الخطر قد يزداد خلال السنوات القادمة لسببين رئيسيين:
- تقليص حجم الشرائح الإلكترونية يجعل كمية الطاقة المطلوبة لإحداث خلل أصغر من أي وقت مضى.
- زيادة عدد المكونات الرقمية في الطائرات والسيارات والأجهزة الطبية يرفع احتمال حدوث اضطراب خطير.
ووسط غياب إلزامية معايير حماية محدثة ضد الإشعاع في قطاع الطيران، يعمل العلماء على مراقبة "طقس الفضاء" ومستوى تدفق النيوترونات بشكل أدق لتوقّع المخاطر.
وتُظهر أزمة إيرباص أن الاعتماد المتزايد على الإلكترونيات الدقيقة يجعل عالمنا أكثر عرضة لتأثيرات مصدرها آلاف السنين الضوئية بعيدًا عن الأرض. حادثة واحدة على متن طائرة تجارية كانت كفيلة بإحداث أكبر استدعاء لطائرات مدنية منذ سنوات، ما قد يدفع صناعات عديدة لإعادة تقييم هشاشة أنظمتها أمام الأشعة الكونية.







