كيف تسببت طفرة مراكز البيانات في تشيلي بتفاقم الجفاف؟
28 مايو 2026
في الضواحي الشمالية للعاصمة التشيلية سانتياغو، تقف أراضي "كيليكورا" الرطبة كواحدة من أبرز الشواهد على التحول البيئي الذي تعيشه البلاد. فالمستنقعات التي كانت تغطي مساحات واسعة تحولت تدريجيًا إلى أراضٍ جافة مكسوة بالعشب الأصفر، في مشهد يصفه الناشط والطالب في كلية الحقوق رودريغو فاييخوس بأنه "أرض رطبة بلا ماء"، وذلك وفق تقرير نشرته صحيفة "الغارديان".
ويقول فاييخوس، الذي تابع التغيرات البيئية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، إن السبب الرئيسي يعود إلى التوسع الهائل في مراكز البيانات الخاصة بشركات التكنولوجيا العالمية، مؤكدًا أن "كيليكورا" تضم اليوم أكبر تجمع لمراكز البيانات في أميركا اللاتينية.
حلم التحول إلى مركز تكنولوجي
منذ عام 2015، بدأت تشيلي مشروعها الطموح للتحول إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا في أميركا اللاتينية، عندما افتتحت شركة غوغل أول وأكبر غرفة خوادم لها في المنطقة داخل "كيليكورا". وبعدها تبعتها شركات أخرى مثل مايكروسوفت وغيرها.
وتملك تشيلي حاليًا 33 مركز بيانات قيد التشغيل، مع خطط لإنشاء 34 مركزًا إضافيًا، في إطار استراتيجية حكومية أطلقت خلال عهد الرئيس السابق غابرييل بوريك لجذب الاستثمارات التقنية وتعزيز مكانة البلاد الرقمية.
الاستقرار السياسي في تشيلي وسرعة الإنترنت فيها جعلاها وجهة جذابة لشركات التكنولوجيا العالمية، إلا أن التكلفة البيئية كانت باهظة للغاية
ويرى الباحث نيكولاس خارا من جامعة فيديريكو سانتا ماريا التقنية أن الاستقرار السياسي في تشيلي وسرعة الإنترنت فيها جعلاها وجهة جذابة لشركات التكنولوجيا العالمية، إلا أنه يحذر من أن "الكلفة البيئية قد تصبح باهظة من دون تشريعات أكثر صرامة".
مليارات الليترات من المياه
بحسب تقرير أعده فاييخوس عام 2022، فإن أكبر مراكز البيانات في المنطقة تستهلك نحو 1.5 مليار ليتر من المياه سنويًا. وتشير البيانات إلى أن منشآت "غوغل" وحدها تمتلك حقوقًا تسمح لها باستخراج 50 ليترًا من المياه في الثانية، وهو ما يعادل تقريبًا استهلاك 8500 أسرة تشيلية خلال عام كامل.
وتعتمد غالبية هذه المراكز على أنظمة تبريد مائية لتخفيض حرارة الخوادم العملاقة، وهي تقنية أرخص من التبريد الهوائي لكنها أكثر استهلاكًا للمياه، خصوصًا في بلد يعاني أصلًا من أزمة جفاف ممتدة منذ أكثر من 15 عامًا.
ويؤكد خبراء المناخ أن مستويات المياه الجوفية تحت أراضي "كيليكورا" شهدت انخفاضًا حادًا خلال العقود الأخيرة، نتيجة الاستخدام الصناعي المكثف للمياه، بالتزامن مع التغير المناخي وتراجع معدلات الأمطار.
الذكاء الاصطناعي يزيد الأزمة
ومع تسارع سباق الذكاء الاصطناعي عالميًا، ارتفعت المخاوف أكثر، إذ يوضح الباحثون أن مراكز البيانات المخصصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي تستهلك كميات مياه تفوق بنحو عشرة أضعاف تلك المستخدمة في مراكز التخزين التقليدية.
وتشير دراسات إلى أن إنتاج ما بين 10 و50 ردًا متوسط الطول عبر نسخة GPT-3 من روبوت الدردشة "تشات جي بي تي" قد يستهلك ما يعادل زجاجة مياه سعة نصف ليتر، بسبب احتياجات التبريد في الخوادم.
ويرى عالم المناخ بابلو سارّيكوليا من جامعة تشيلي أن استمرار بناء مراكز البيانات قرب سانتياغو يمثل "فكرة سيئة"، خاصة أن التوقعات المناخية تشير إلى انخفاض كبير في معدلات الأمطار بحلول عام 2070، مع ارتفاع متوسط درجات الحرارة، ما سيؤدي إلى تبخر أكبر للمياه وتراجع الموارد المتاحة.
ويطرح سارّيكوليا سؤالًا أخلاقيًا حول الأولويات قائلاً: "هل نعطي الأفضلية في الوصول إلى المياه لشركات التكنولوجيا أم للناس؟".
دفاع الشركات
من جهتها، تؤكد شركة مايكروسوفت أن مراكزها في تشيلي تعتمد على أنظمة تبريد هوائية تقلل الحاجة إلى المياه، مشيرة إلى أنها تعمل أيضًا على مشاريع لاستعادة الموارد المائية في حوض "مايبو". أما شركة Ascenty فتقول إن استهلاكها السنوي للمياه يعادل استهلاك 16 منزلًا فقط، وإن عملياتها لا تسبب أضرارًا للتربة أو الأراضي الرطبة المحيطة.
وتقول الناشطة وعضو المجلس المحلي ألكسندرا أرانثيبيا إن وعود شركات التكنولوجيا للسكان لم تتحقق على أرض الواقع، مضيفة أن الحضور المجتمعي لتلك الشركات "كان محدودًا للغاية".
وبحسب أرقام "غوغل"، فقد احتاج بناء مركز البيانات إلى ألف عامل، لكنه يوفر حاليًا 208 وظائف فقط أثناء التشغيل، وهو ما يعتبره السكان رقمًا ضئيلًا مقارنة بالاستهلاك الضخم للمياه والطاقة.
كما تتهم أرانثيبيا الشركات بعدم الشفافية بشأن تأثيراتها البيئية، مشيرة إلى أن مشروع الحديقة الحضرية الذي أنشأته "غوغل" عام 2019 لتعويض الأضرار البيئية "فشل بالكامل"، بعدما جفت الأشجار وتدهورت المرافق بسبب غياب الصيانة والري.
احتجاجات توقف مشاريع جديدة
وامتد الغضب الشعبي إلى مناطق أخرى في سانتياغو، حيث نجح سكان منطقة "سيريّوس" عام 2024 في وقف مشروع جديد تابع لغوغل، بعدما تبين أنه حصل على حقوق لاستخراج 228 ليترًا من المياه في الثانية، أي ما يعادل استهلاك نحو 40 ألف أسرة.
واعتبرت السلطات البيئية أن المشروع لم يدرس بشكل كافٍ آثار أزمة المناخ، ما دفعها إلى تجميده مؤقتًا والمطالبة بدراسات إضافية حول استهلاك المياه.
وتقول المعلمة تانيا رودريغيز، وهي من سكان المنطقة: "لا نحتاج إلى مزيد من مراكز البيانات التي تستهلك مياهنا كي يتمكن أشخاص في شمال العالم من إنتاج صور مضحكة عبر الذكاء الاصطناعي".
مخاوف من تراجع الرقابة البيئية
ويخشى ناشطون أن تتراجع القيود البيئية أكثر مع وصول الرئيس اليميني أنطونيو كاست إلى السلطة، بعدما رفع خلال حملته شعار "تنظيم أقل واستثمار أكثر"، قبل أن يلغي عشرات المراسيم البيئية في أول يوم من ولايته.
وترى خبيرة السياسات البيئية باميلا بو أن معايير التقييم البيئي في تشيلي "تتعرض للتفكيك تدريجيًا"، ما يهدد بتفاقم الأزمة في المستقبل.
وفي ظل هذا الجدل، يؤكد رودريغو فاييخوس أن اعتراضه لا يستهدف التكنولوجيا بحد ذاتها، بل طريقة إدارتها للموارد الطبيعية، قائلاً: "نحن جميعًا نحب الإنترنت، لكن ليس على حساب مياهنا".