كيف تسببت طفرة الذكاء الاصطناعي في رفع كلفة الحواسيب؟
4 فبراير 2026
تشهد أسواق التكنولوجيا العالمية موجة ارتفاع غير مسبوقة في أسعار مكونات الحواسيب، مدفوعة بالطلب الهائل من شركات الذكاء الاصطناعي على رقائق الذاكرة، في تطور بدأ ينعكس مباشرة على أسعار الحواسيب الشخصية والهواتف الذكية، وقد يصل قريبًا إلى المستهلك العادي.
رغم وعودها التكنولوجية الهائلة، تحمل طفرة الذكاء الاصطناعي في طياتها تكلفة متزايدة سيدفعها المستهلكون
فمع احتدام المنافسة بين عمالقة التكنولوجيا مثل "OpenAI" و"ميتا" و"غوغل" للفوز بسباق الذكاء الاصطناعي، تتجه هذه الشركات إلى بناء مراكز بيانات عملاقة تتطلب كميات ضخمة من رقائق الذاكرة، ما أدى إلى نقص حاد في المعروض وارتفاع كبير في الأسعار وذلك وفقًا لتقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز".
وقابلت الصحيفة كيلت ريفز، الذي أمضى 34 عامًا في بيع الحواسيب الشخصية فائقة الأداء عبر شركته "Falcon Northwest"، وقال إن شركته اضطرت إلى رفع أسعار بعض أجهزتها من نحو 5800 دولار إلى أكثر من 7000 دولار، بعد أن تضاعفت تكلفة رقائق الذاكرة ثلاث مرات منذ أواخر الصيف الماضي.
وأوضح ريفز أن هذه الزيادة لا تعكس فقاعة استهلاكية عابرة، بل نتيجة تحول هيكلي في السوق، مضيفًا: "هذا ليس ارتفاعًا مؤقتًا، ولا أحد يتوقع أن ينتهي سريعًا".
وتُعد رقائق الذاكرة العشوائية (RAM) عنصرًا أساسيًا في الحواسيب المتقدمة، حيث تُستخدم لتخزين البيانات مؤقتًا أثناء المعالجة، وهي نفس الرقائق التي تعتمد عليها مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي، ما يضع المستخدمين التقليديين في منافسة مباشرة مع الشركات العملاقة.
تأثير يمتد إلى السوق الاستهلاكية
وبحسب شركة الأبحاث "TechInsights"، فإن ارتفاع أسعار الذاكرة قد يؤدي إلى زيادة سعر الحاسوب الشخصي المتوسط بنحو 119 دولارًا، أي ما يعادل 23% مقارنة بالعام الماضي. وتشمل هذه الزيادة أيضًا رقائق "NAND Flash" المسؤولة عن التخزين طويل الأمد في الحواسيب والهواتف الذكية. ووصف محلل الشركة، مايك هاورد، وضع السوق بقوله: "سوق الذاكرة في حالة جنون، ومن الصعب جدًا إيجاد حل سريع".
هذا الضغط بدأ يظهر في تصريحات الشركات الكبرى، إذ قالت المديرة المالية لمايكروسوفت، آمي هود، إن إيرادات الحواسيب الشخصية قد تتراجع جزئيًا بسبب التأثير المحتمل لارتفاع أسعار الذاكرة على السوق.
صناعة استراتيجية وتاريخ من الأزمات
لطالما اعتُبرت رقائق الذاكرة سلعة استراتيجية، وتسببت في السابق بحروب تجارية بين الولايات المتحدة وكل من اليابان وكوريا الجنوبية. وعلى مدى عقود، كانت المنافسة بين الشركات قائمة على السعر، ما أدى إلى فائض إنتاج وانهيارات دورية في السوق.
لكن اليوم، وبعد خروج العديد من المصنعين، يهيمن على السوق ثلاثة لاعبين رئيسيين: "سامسونغ إلكترونيكس"، و"SK Hynix" الكورية، و"Micron Technology" الأميركية، إلى جانب دخول محدود لشركات صينية. ومع الطفرة الحالية، تحقق هذه الشركات نموًا مستدامًا في المبيعات، وبلغت أسعار أسهمها مستويات قياسية. ويؤكد جيم هاندي، من شركة "Objective Analysis"، أن الطلب الحالي على الذاكرة "يكاد يكون حصريًا من قطاع الذكاء الاصطناعي".
شركة "Micron" تمثل نموذجًا واضحًا لهذا التحول، إذ أعلنت مؤخرًا وقف أعمالها المباشرة مع المستهلكين عبر علامتها "Crucial"، مفضلة توجيه إنتاجها نحو "العملاء الاستراتيجيين" في القطاعات الأسرع نموًا مثل الذكاء الاصطناعي.
وفي محاولة لتلبية الطلب، تستثمر الشركة مليارات الدولارات في بناء مصانع جديدة في ولاية أيداهو، وشراء منشآت في تايوان، إضافة إلى مشروع ضخم بقيمة 100 مليار دولار قرب مدينة سيراكيوز في نيويورك. غير أن أول هذه المصانع لن يبدأ الإنتاج قبل منتصف عام 2027، ما يعني استمرار الضغط على السوق في المدى المنظور.
وفي الوقت الراهن، تقول "Micron" إن العملاء يحصلون فقط على ما بين نصف إلى ثلثي الكميات التي يطلبونها، وهو ما وصفه نائب رئيس العمليات العالمية، مانيش بهاتيا، بـ"القرارات الصعبة".
ذاكرة أسرع لذكاء اصطناعي أسرع
لم يعد دور الذاكرة مقتصرًا على التخزين فقط، بل أصبحت عنصرًا حاسمًا في سرعة وكفاءة تطبيقات الذكاء الاصطناعي، خاصة روبوتات الدردشة. ويبرز هنا ما يُعرف بـ"الذاكرة ذات النطاق العريض العالي" (HBM)، التي تُصنع عبر تكديس شرائح الذاكرة فوق بعضها، ما يسمح بنقل البيانات بسرعة أكبر.
وتُعد شركة "إنفيديا" أكبر المستفيدين من هذا النوع، إذ تدمج شرائح HBM مباشرة مع معالجات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. وقال الرئيس التنفيذي للشركة، جنسن هوانغ، إن الطلب المرتفع يدفع جميع المصانع وموردي الذاكرة إلى التوسع، مشيرًا إلى أن العالم سيحتاج إلى المزيد من مصانع الرقائق.
الحلقة الأضعف
هذا الواقع يضع المستهلك، خصوصًا أصحاب الميزانيات المحدودة، أمام خيارات صعبة. فقد ارتفع سعر مجموعة شرائح ذاكرة كانت تُباع بنحو 105 دولارات في أيلول/سبتمبر إلى 250 دولارًا بنهاية كانون الأول/ديسمبر، وفق موقع "PCPartPicker".
ورغم أن شركات كبرى مثل "آبل" و"ديل" تعتمد عقودًا طويلة الأمد لتخفيف تقلبات الأسعار، إلا أن متوسط سعر الحواسيب المحمولة القياسية ارتفع بنسبة 7% خلال أسبوعين فقط مطلع كانون الثاني/يناير، بحسب شركة "Circana".
أما كيلت ريفز، فرغم استفادته من الطلب القوي، يبدي قلقه على صغار اللاعبين في سلسلة التوريد وعلى المشترين ذوي الميزانيات المحدودة، قائلًا: "أشعر حقًا بمعاناة من يبحث عن حاسوب منخفض السعر". ووسط هذا المشهد، يبدو أن طفرة الذكاء الاصطناعي، رغم وعودها التكنولوجية الهائلة، تحمل في طياتها تكلفة متزايدة سيدفعها المستهلكون، وربما لسنوات قادمة.