كيف تدير دولتك بدون أي خطة

كيف تدير دولتك بدون أي خطة

السيسي خلال زيارة سابقة لألمانيا (آدم بيري/Getty)

لإدارة بلد كبير بدون أن تمتلك أي خطة، يجب على الأقل، أن تتوفر مجموعة شروط، أولها طبعًا ألا تمتلك أي خطة، وألا تخادع نفسك بشأن ذلك، الثاني، أن تطور مهارات لإضاعة الوقت، تلك المهارات التي أجادها محمود الجوهري مدرب المنتخب المصري لإضاعة الوقت في مباراة مصر أمام أيرلندا في كأس العالم 1990، إن لم تكن قد شاهدت المباراة، فهي نفس المهارات التي يحتاجها فريق من الأطفال لإضاعة الوقت أمام الفريق المنافس الأكبر سنًا في المدرسة، تشتيت الكرة، ادعاء الإصابة، الاحتفاظ بالكرة في نصف ملعبك أكبر فترة ممكنة في سلسلة تمريرات طويلة ومملة، وأخيرًا إعادة الكرة للحارس.

في مباراة مصر المذكورة، كان اللاعب الذي استحوذ على الكرة أطول فترة هو حارس المرمى المصري أحمد شوبير. كنت أود أن أضيف بشكل استدراكي، ودرءًا لأي نقد مستقبلي، أن إدارة بلد، حتى بدون خطة، ترتكز على مهارات أكثر تعقيدًا من ذلك بالتأكيد، لكني بالفعل متشكك في ذلك. بمتابعة كيفية عمل النظام المصري، فهو يرتكز على حيل بسيطة جدًا في بقائه، تشبه كثيرًا تلك المهارات البدائية.

الأنظمة الحاكمة تميل لأن تبني شرعية ثابتة لحكمها لتجعل أفعالها مبررة نسبيًا أمام الناس، أو على الأقل تجعلها جزءًا من سردية ما، وتحقق في سبيل ذلك أهدافًا، قد تكون الانتخابات أو الإنجاز أو الانتصار في حرب، النظام المصري جاء بناء على شرعية القضاء على الإخوان، لكنها الشرعية التي نفدت بسرعة!

اعتقد نظام السيسي أن "شرعية" الإطاحة بالإخوان وسحقهم ستكفيه للأبد

وقد أربك ذلك النظام الذي فيما يبدو كان يعتقد أن شرعية إطاحة وسحق الإخوان، ستكفيه للأبد، أراد النظام أن تكون شرعية إنجازه متحققة في الماضي، بإطاحته بالإخوان، وليس في المستقبل حيث يكون عليه أن يحقق شيئًا ما، أي شيء.

إذًا احتاج النظام بجوار شرعية القضاء على الإخوان إلى شرعيات سريعة أخرى لمساندتها، لكنه لم ينجح في عمل خطة لبناء شرعية جديدة، ولذلك يعتمد على شرعيات لحظية كثيرة، مشاريع وحملات ضخمة ينسي بعضها بعضها، والتشتيت بالضبط هو ما يريده، ألا تكون هناك مباراة من الأصل، وإذا ما حصلت هجمة ضده للحصول على الكرة، يقوم بإعادة الكرة للحارس: الهجوم على الإخوان مرة أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: مصر.. لجنة المحبوسين بين ضعف المصداقية وآمال العفو

جدير بالذكر هنا، أن من أسباب قيام الفيفا بسن قانون يمنع اللاعبين من إعادة الكرة إلى يد حارس مرماهم، هي مباراة مصر تلك، التي ظل المدافعون فيها يعيدون الكرة إلى يد شوبير ليحتفظ بها لفترة يضيع فيها الوقت، وكان ذلك سر كونه أكثر اللاعبين استحواذًا على الكرة في المباراة.

يشتري النظام شرعية الحكم باستعراضات كبيرة، لتعطيه شرعية بمدد قصيرة جدًا على نظام سياسي دكتاتوري. يفتتح المؤتمر الاقتصادي ليشتري شرعية لمدة شهرين، شهر قبل المؤتمر وشهر بعده، ثم ينسى هذا المؤتمر تمامًا، ليبدأ شرعية العاصمة الجديدة، وينساها ليدخل في شرعية حفر "قناة السويس الثانية" التي خطط لكي تكفيه لمدة طويلة، وهذا سر الإسراع في افتتاحها، لكن لم يحدث ذلك، فنساها، وانتقل إلى شرعيات قصيرة جدًا، يبدو من المستحيل تتبعها من فرط كثرتها.

فهو يشتري شرعية لمدة يوم واحد بأخبار وهمية عن عفو رئاسي مرتقب عن نشطاء سياسيين، وينسى هذا الوعد، ليخرج الرئيس في مؤتمر آخر ليعد المصريين بثبات الأسعار ليشتري شرعية يومين، ثم ينساها، ثم يحدث عمل إرهابي، فيتجند الإعلام للتنديد والثناء على الأمن، ليشتري شرعية أسبوع كامل.

أقرب مثال للشرعية المجزأة، ومهارات تشتيت الكرة تلك، كان في مؤتمر الشباب الذي عقد في مدينة شرم الشيخ، مؤتمر ضخم حشد فيه النظام مؤيديه كلهم، ليخرج بصورة كأنه يدعم الشباب والحوار معهم، نجح المؤتمر بالفعل وتابعه الناس، واشترى النظام شرعية أسبوع، ثم نسي المؤتمر ونسيه الناس، وانتقل إلى شراء الشرعية بإشاعات وهمية عن انهيار الدولار أمام الجنيه، الإشاعات التي جند لها النظام كامل أتباعه في الإعلام والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، لينشروا أخبارًا وهمية عن أسعار الدولار وانهياره إلى ما يقابل تسعة جنيهات.

لكن ككل تشتيتات الكرة، نام الناس ليستيقظوا في اليوم التالي صباحًا على خبر أن البنك المركزي قد قام بتحرير سعر الجنيه، وأن الدولار قد أصبح رسميًا بـ14 جنيهًا، فينسى مؤيدو النظام كل حملتهم الإعلامية التي اشتروا بها شرعية اليوم السابق، ليغنوا الأغنية الجديدة عن ضرورة التعويم، ثم أغنية أخرى عن ضرورة رفع الدعم، والاستثمارات الأجنبية المنتظرة التي ستحقق الرخاء في البلد.

وفي خلال كل ذلك، تأتي حملات إعلامية لتخفيف التوتر الشعبي، وتنتهي دون أن يلاحظ أحد في صدمة الحملة الأكثر جدة، فمثلًا في سياق ارتفاع الأسعار، تبنت البرامج التلفزيونية المدعومة من الأجهزة الأمنية حملة تسمى "بأمر الشعب" لدعوة الشركات لتخفيض الأسعار.

اقرأ/ي أيضًا: بيان البرادعي يثير السخط على مواقع التواصل!

حصدت الحملة متابعة لمدة يومين أو ثلاثة ثم نسيت وانتقلت البرامج إلى حملة أخرى ثم إلى حملة ثالثة، في كل تلك الحملات، وفي كل الشرعيات المؤقتة للنظام، لا يكون هناك أي رغبة حقيقية في إنجاز حقيقي، أو إلى وضع منظومة ما، أي منظومة، مجرد تشتيت للكرة بعيدًا عن المرمى، فإذا عادت يتم تشتيتها مجددًا.

يشتري نظام السيسي شرعية الحكم باستعراضات كبيرة، لتعطيه شرعية بمدد قصيرة جدًا

في مباراة مصر وأيرلندا، لم يصل الفريق المصري لمرمى الخصم سوى مرة واحدة وعن طريق تسديدة عدمية ولا مبالية من خارج منطقة الجزاء، كأنه كان من الخطأ أصلًا اللعب على نصف ملعب الفريق الآخر.

الفعل الوحيد للنظام الذي خرج عن استراتيجيات تشتيت الكرة، كانت خطوة تحرير سعر الصرف ورفع الدعم عن الوقود، لكن ذلك الفعل كان لتلبية مطالب صندوق النقد الدولي ليعطي مصر قرضًا كبيرًا من جهة، ومن جهة أخرى لأن تلك الخطوة كانت موجودة في آخر خطة متماسكة وذات معنى تم وضعها لحكم البلد، وهي خطة جمال مبارك النيوليبرالية، لكن بعد التخلص من جوانبها التحديثية.

واحترازًا من أي محاولة للحصول على الكرة من جانب معارضيه بعد رفع الدعم، قام النظام بخطوته الأثيرة، في إعادة الكرة إلى الحارس، وقام بنشر أخبار وهمية جديدة عن القبض على مجموعات إرهابية هنا وهناك وعن خطط وهمية للإخوان لإعاقة خطوات الإصلاح الاقتصادي.

أخيرًا، وبعد المباراة، قال مدرب المنتخب الأيرلندي أنه كره كرة القدم بسبب طريقة لعب المصريين، بل ويحكى أنه، في شدة غضبه، قام بمطاردة بعض لاعبي مصر بعد المباراة، لكن ذلك كان هو المطلوب بالفعل.

اقرأ/ي أيضًا:
دليل المواطن الذكي
تبنته حركة مجهولة.. اغتيال عميد بالجيش المصري
"مؤتمر الشباب".. ممارسات قديمة بأدوات جديدة