كيف تخترق بيونغ يانغ شركات التكنولوجيا الأميركية؟
5 أغسطس 2025
في تصعيد غير تقليدي على جبهة الأمن السيبراني، كشفت شركة كراودسترايك الأميركية عن تحول نوعي في أساليب كوريا الشمالية لاختراق الشركات الغربية. لم تعد بيونغ يانغ تعتمد فقط على الهجمات التقنية المباشرة أو سرقة البرمجيات، بل تتبنى استراتيجية جديدة أكثر دهاءً تتمثل في إرسال مواطنيها إلى سوق العمل الغربي عبر هويات مزيفة، مستغلين نموذج "العمل عن بُعد" الذي بات ركيزة في قطاع التكنولوجيا العالمي بعد جائحة كورونا.
خلال العام الماضي، وثّق فريق كراودسترايك أكثر من 320 حالة توظيف وهمية، ما يعكس زيادة غير مسبوقة بنسبة تفوق 220% مقارنة بالسنة التي سبقتها. يتقدم مواطنون كوريون شماليون إلى وظائف تقنية متخصصة في شركات أميركية وأوروبية، ويستخدمون السير الذاتية والملفات التعريفية التي تم إنشاؤها وتعديلها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما يشمل تحسين الصور الشخصية عبر تقنيات التزييف العميق.
لم تعد بيونغ يانغ تعتمد فقط على الهجمات التقنية المباشرة أو سرقة البرمجيات، بل تتبنى استراتيجية جديدة أكثر دهاءً تتمثل في إرسال مواطنيها إلى سوق العمل الغربي عبر هويات مزيفة، مستغلين نموذج "العمل عن بُعد"
هذا التمويه المتقن لا يهدف فقط إلى تحصيل دخل مالي، وإنما يمنح هؤلاء الأفراد وصولًا مباشرًا إلى الأنظمة الحساسة والبيانات الخاصة بالشركات التي يعملون بها، مما يُمكنهم من تنفيذ عمليات سرقة معلوماتية وابتزاز لاحقة.
الهدف الرئيسي من هذه العمليات، وفقًا للتقرير، ليس فرديًا أو وظيفيًا بحتًا، بل يأتي ضمن خطة مركزية تهدف إلى تأمين مصادر تمويل متجددة للبرنامج النووي لكوريا الشمالية، الذي لا يزال يجني المليارات رغم الحصار والعقوبات الدولية. في هذا السياق، تقدّر بعض الجهات الأمنية أن عدد العمال الكوريين الشماليين المتخفين في شركات أميركية قد يصل إلى الآلاف، ما يعكس حجم الانتشار ومدى قدرة النظام على التغلغل في الأسواق الغربية دون إثارة شكوك جدية.
رغم أن القوانين الأميركية تحظر التعامل مع مواطنين من كوريا الشمالية، إلا أن النظام تمكن من استغلال الثغرات في آليات التوظيف الرقمي. شركات متعددة، خاصة تلك العاملة في مجال العملات المشفرة، بدأت باتباع أساليب تحقّق غير تقليدية مثل مطالبة المتقدمين بإطلاق تصريحات سلبية تجاه الزعيم الكوري، كيم جونغ أون، وهي خطوة من شأنها كشف أي موظف خاضع للرقابة الحكومية الصارمة.
وزارة العدل الأميركية من جهتها أطلقت عمليات استقصائية واسعة تستهدف الوسطاء المحليين الذين يديرون منشآت تُعرف باسم "مزارع الحواسيب"، وهي مساحات تضم العشرات من الحواسيب المفتوحة التي يستخدمها الكوريون الشماليون للعمل كما لو كانوا داخل الأراضي الأميركية. أحد التحقيقات القضائية الأخيرة أظهر استخدام هويات 80 أميركيًا بين عامي 2021 و2024 للحصول على وظائف في أكثر من 100 شركة، ما يكشف مدى الجرأة والدقة في تنفيذ هذه الخطة.
وبحسب موقع "تيك كرانش"، فإن تطور هذه الظاهرة يطرح تحديات جوهرية ليس فقط في مجال الأمن السيبراني، بل أيضًا في فهم ديناميكية القوى العاملة الرقمية، ويستدعي إعادة النظر في نماذج العمل عن بُعد، وسياسات التحقق من الهوية، وطرق حماية الشركات من الاختراقات المستترة.