كيف تحولت ملاعب الكرة الإيطالية إلى ملاذ للمنظمات الإجرامية؟
18 يونيو 2025
في تطور صادم يكشف عن عمق التداخل بين كرة القدم والجريمة المنظمة في إيطاليا، أصدرت محكمة إيطالية، أمس الثلاثاء، أحكامًا بالسجن تتراوح بين عامين وعشرة أعوام بحق 16 من قيادات مجموعات "ألتراس" قطبي ميلانو، "ميلان وإنتر ميلان"، وذلك بعد إدانتهم بجرائم خطيرة شملت القتل، الابتزاز، وتشكيل عصابة إجرامية مرتبطة بمافيا "ندرانغيتا".
المحاكمة جرت وفق إجراءات "المسار السريع" خلف الأبواب المغلقة داخل محكمة أمنية شديدة الحراسة تتبع لسجن "سان فيتوري" في ميلانو. وتأتي الأحكام بعد تحقيقات مطوّلة أجرتها نيابة ميلانو بالتعاون مع مكتب الادعاء الوطني لمكافحة المافيا، بدأت باعتقال 19 شخصًا في أيلول/سبتمبر الماضي.
اعتبر ادعاء الإيطالي أن مجموعات الألتراس هذه تعمل كمليشيات خاصة لها تأثير يتجاوز حدود الملاعب، وسط دلائل على تسلل عناصر من المافيا وتنظيمات اليمين المتطرف إلى صفوفها
القضية لم تُقفل بعد، إذ من المنتظر أن تُصدر المحكمة حكمها في محاكمة منفصلة يوم الغد، 19 حزيران/يونيو بحق ثلاثة آخرين من مشجعي ميلان، متورطين في قضايا مشابهة.
الألتراس.. ميليشيات خاصة في إيطاليا
الادعاء الإيطالي اعتبر أن مجموعات الألتراس هذه تعمل كمليشيات خاصة لها تأثير يتجاوز حدود الملاعب، وسط دلائل على تسلل عناصر من المافيا وتنظيمات اليمين المتطرف إلى صفوفها. وأكد المدعون أن بعض هذه المجموعات كانت تدير عمليات احتيال وابتزاز في محيط ملعب "سان سيرو" الذي يتقاسمه ناديي ميلان وإنتر، مستغلين سيطرتهم على بيع التذاكر وأكشاك المشروبات ومواقف السيارات.
قبل صدور الأحكام، تجمّع نحو 200 من مشجعي ميلان أمام المحكمة في تظاهرة دعم للألتراس المدانين، ما يعكس مدى التجذر الشعبي لهذه المجموعات رغم شبهاتها الجنائية.
أبرز المدانين: قادة كبار ومتهمون بجرائم كبرى
القاضي روسانا مونجاردي حكمت على أندريا بيريتا، القائد السابق لألتراس إنتر ميلان، بالسجن عشر سنوات بعد اعترافه بقتل أنطونيو بيلوكو، أحد زعماء مافيا ندرانغيتا وعضو في نفس رابطة المشجعين. وبالرغم من خطورة الجريمة، حصل بيريتا على تخفيف في العقوبة بعد تعاونه مع السلطات وتحوله إلى شاهد دولة.

من جهة أخرى، حُكم على لوكا لوتشي، القائد التاريخي لألتراس ميلان، بالسجن عشر سنوات مع أربع سنوات مراقبة، بتهم تتعلق بتشكيل عصابة إجرامية ومحاولة قتل. لوتشي يواجه في الوقت ذاته تحقيقًا منفصلًا بشأن قضية دولية لتهريب المخدرات.
تغريم الأندية... وتعويضات للاتحاد
لم تكتف المحكمة بالأحكام السجنية، بل ألزمت كل من إنتر وميلان بدفع 50 ألف يورو كتعويض فوري، إضافة إلى 20 ألف يورو أخرى تُمنح لرابطة الدوري الإيطالي (Serie A)، على أن يتم تقدير أي أضرار إضافية لاحقًا في إطار الدعاوى المدنية.
المدعون حذروا من أن ما تم اكتشافه في ميلانو ليس حالة معزولة، بل جزء من ظاهرة متنامية في أوروبا، حيث تستغل منظمات إجرامية، بما فيها المافيا واليمين المتطرف، مجموعات الألتراس كقنوات للتأثير والسيطرة وجني الأرباح. تحقيقات مماثلة تجري حاليًا في اليونان، حيث تم اعتقال العشرات في قضايا تربط بين مشجعين متشددين وعصابات منظمة.
هذه القضية تلقي الضوء على البعد المظلم لـ"الثقافة الألتراسوية" في أوروبا، التي بدأت كحركات دعم جماهيري شغوف لكنها في بعض الحالات تحولت إلى أدوات للجريمة المنظمة. ومع تسارع التحقيقات وازدياد القلق من هذه الاختراقات، يواجه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم والحكومات تحديًا متزايدًا في إعادة ضبط العلاقة بين الرياضة والأمن العام.