كيف تحولت الدول الإسكندنافية إلى منبع لأفضل مهاجمي كرة القدم؟
28 يوليو 2025
تشهد كرة القدم الأوروبية تحولات بارزة في خريطة إنتاج المواهب، لا سيما في مركز الهجوم، حيث باتت الدول الاسكندنافية تمثل منجمًا غنيًا بالمهاجمين العالميين، بينما تواجه دولًا عريقة كرويًا، كإنجلترا، تحديًا حقيقيًا في هذا المجال، وذلك وفقًا لتقرير نشرته صحيفة "ذا تايمز".
فيكتور جيوكيريس، الذي انضم حديثًا إلى آرسنال بصفقة وصلت إلى 64 مليون جنيه إسترليني، وألكسندر إسحق، نجم نيوكاسل الذي يُراقب من ليفربول، يعتبران من أبرز الوجوه الجديدة على الساحة الهجومية، بجانب الأسطورة النرويجية إيرلينغ هالاند، الذي أعاد تعريف مركز "رقم 9" في الكرة الحديثة.
من ملاعب الأحياء إلى الأضواء العالمية: رحلة غير نمطية
ما يميز هؤلاء اللاعبين ليس فقط موهبتهم، بل أيضًا طريقة تطورهم. فقد بدأ جيوكيريس مسيرته في نادٍ صغير يُدعى IFK Aspudden-Tellus، تحت إشراف والده الذي ركز على متعة اللعب بدلًا من الأداء التنافسي. أما إسحق، فقد كان لاعبًا في أكاديمية AIK منذ سن السادسة، لكنه لم يكتف بالبرنامج الرسمي، بل كان يسرق الكرات من المخزن ليقوم بتدريبات فردية ليلية مع أصدقائه، في مشهد يذكّر بكرة الشوارع أكثر من الأكاديميات الحديثة.
تشهد كرة القدم الأوروبية تحولات بارزة في خريطة إنتاج المواهب، لا سيما في مركز الهجوم، حيث باتت الدول الاسكندنافية تمثل منجمًا غنيًا بالمهاجمين العالميين
هذا النوع من الحرية في التكوين هو ما يمنح اللاعبين الاسكندنافيين ما يُعرف بـ"غريزة التسجيل"، أي القدرة الفطرية على اتخاذ القرار النهائي أمام المرمى، دون الحاجة إلى التفكير الزائد أو العودة للنمط التكتيكي.
فلسفة التدريب: بين النمطية الإنجليزية والحرية الاسكندنافية
الفرق الأكبر بين النموذج الإنجليزي والنموذج الاسكندنافي يكمن في طريقة إعداد اللاعبين. ففي إنجلترا، تهيمن فلسفة "بيب غوارديولا" على الأكاديميات، حيث يُدرب اللاعبون على التمركز، والتمرير في المساحات الضيقة، واللعب الحذر. هذه المقاربة أدت إلى إنتاج عدد هائل من لاعبي الأجنحة وصانعي الألعاب، لكنها قلّصت عدد المهاجمين الصرحاء الذين يتمتعون بالقرارات الفطرية والسلوك الهجومي.
في المقابل، تتبع الدول الاسكندنافية نهجًا أكثر حرية ومرونة. يقول لييف سمرود، المدير الفني السابق لمنتخب النرويج تحت 21 عامًا، إن برامج التدريب تتيح للاعبين اللعب لأندية محلية لفترة أطول، ويتم تأخير انتقالهم إلى الأكاديميات الكبرى، ما يحافظ على طابعهم الطبيعي والغريزي.
ويضيف سمرود أن التدريبات تكون أكثر "مركزية على اللعب" وأقل تقيدًا، حتى إن بعض الجلسات لا تحتوي على أهداف حقيقية، بل تهدف فقط للامتلاك والسيطرة. لكن، عندما رصد المنتخب النرويجي تراجعًا في إنتاج المهاجمين والمدافعين، أُعيد التفكير في فلسفة التدريب، وتم إدراج الحصص التنافسية، ما أسفر لاحقًا عن بروز أسماء مثل هالاند وستراند لارسن.
التأثير الثقافي: "قانون يانتي"؟
في المجتمعات الاسكندنافية، يسود ما يُعرف بـ"قانون يانتي"، الذي يدعو إلى التواضع وعدم التميز. غير أن ظهور شخصية مثل زلاتان إبراهيموفيتش، المهاجم السويدي الشهير، أحدث طفرة في العقلية الرياضية؛ فهو يجمع بين الثقة المفرطة والعمل الجماعي، ما منح اللاعبين حرية في التعبير عن أنفسهم داخل الملعب. يقول سمرود إن تأثير زلاتان لا يزال حاضرًا، حتى إنه يُطلق على مهاجم النرويج ستراند لارسن لقب "سترَتان"، تكريمًا لزلاتان نفسه.
برامج التدريب في الدول الإسكندنافية تتيح للاعبين اللعب لأندية محلية لفترة أطول، ويتم تأخير انتقالهم إلى الأكاديميات الكبرى، ما يحافظ على طابعهم الطبيعي والغريزي
ميزة إضافية في الدول الاسكندنافية هي طبيعة الدوريات المحلية. فهي تقدم مباريات أقل عددًا من نظيرتها الإنجليزية، ما يمنح اللاعبين وقتًا كافيًا للتدريب والتأهيل. وفي الوقت الذي يخوض فيه لاعب من دوري الدرجة الأولى الإنجليزي حوالي 60 مباراة سنويًا، يلعب نظيره النرويجي نحو 30 فقط. هذه الفسحة التدريبية تعزز من جودة التطوير وتمنح اللاعبين فرصًا أكبر لقراءة اللعبة وتطوير أسلوبهم الخاص.
غفوة إنجليزية واستيقاظ متأخر
يكشف خبراء في التعاقدات أن العديد من المواهب الاسكندنافية مرت تحت أنظار كشافي الدوري الإنجليزي لكنهم تجاهلوها. يقول برايان كينغ، مكتشف هالاند، إن مانشستر يونايتد كان بإمكانه ضم هالاند، إسحق، ومحمد قدوس مقابل 8 ملايين جنيه فقط، لكنهم اعتبروا إسحق "نحيفًا جدًا"، وتجاهلوا البقية. اليوم، تدفع الأندية الإنجليزية عشرات الأضعاف لضم نفس اللاعبين الذين تجاهلتهم سابقًا.
هل تحتاج إنجلترا إلى إعادة اختراع المهاجم؟
مع هذه المقارنة، بات واضحًا أن القضية ليست فقط في جودة اللاعبين بل في فلسفة التكوين. إنجلترا تمتلك بنية تحتية ضخمة وأكاديميات متطورة، لكنها بحاجة إلى إعادة النظر في أسلوب التدريب، خاصة في المراكز التي تعتمد على الغريزة، مثل قلب الهجوم.
الدول الاسكندنافية أثبتت أن الحرية، والبساطة، والثقة بالنفس يمكن أن تصنع مهاجمًا عالميًا، بينما التقيد بالنمط قد يخلق لاعبين متشابهين دون شخصية أو حسم. وربما يكون الجواب لإنجلترا في العودة إلى جذورها الكروية، حيث كان "رقم 9" يمثل القلب النابض لكل فريق، لا مجرد مركز في دفتر تكتيكات المدرب.



