كيف تؤثر الحرب على طفرة الذكاء الاصطناعي؟
23 مارس 2026
في الوقت الذي تتسابق فيه الاقتصادات الكبرى لترسيخ هيمنتها في سباق الذكاء الاصطناعي، تغيرت المعادلة تمامًا مع بداية العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران، وما تبعه من اعتداءات إيرانية على دول الجوار، حيث تحولت الطاقة إلى عنصر حاسم قد يحدد من يتقدم ومن يتراجع في سباق الذكاء الاصطناعي.
ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط والغاز، تتزايد المؤشرات على أن طفرة الذكاء الاصطناعي قد تواجه أول اختبار حقيقي لها.
فشركات مثل مايكروسوفت وألفابيت وإنفيديا تضخ مئات المليارات لبناء مراكز بيانات فائقة الحجم، تعتمد على آلاف المعالجات المتقدمة وتستهلك كميات هائلة من الكهرباء. ومع الانتقال إلى نماذج أكثر تعقيدًا، مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي، يتضاعف الطلب على الطاقة بوتيرة غير مسبوقة.
الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي قد تكون الأكثر تضررًا من الحرب على إيران، ما قد يؤدي إلى تركّز السوق في أيدي عدد محدود من اللاعبين الكبار
لكن وحسب تقرير لوكالة "رويترز"، فإن طفرة الذكاء الاصطناعي تصطدم الآن بواقع مختلف. فأسعار الطاقة المرتفعة لا تؤثر فقط على تكاليف التشغيل، بل تضرب في صميم نموذج الأعمال نفسه.
فمراكز البيانات التي كانت تُبنى على فرضية توفر كهرباء مستقرة ورخيصة، أصبحت تواجه بيئة متقلبة، حيث يمكن أن تتحول تكلفة الطاقة إلى العامل الأكبر في تحديد الربحية. وفي بعض الحالات، قد تتجاوز تكلفة تشغيل الخوادم العائد المتوقع من الخدمات التي تقدمها.
هذا التحول يفرض على الشركات إعادة حساباتها. فبدلًا من التوسع غير المحدود، قد نشهد توجهًا نحو الانتقائية، مثل الاستثمار في مشاريع ذات عائد واضح، وتأجيل أو إلغاء مشاريع أخرى. كما قد تتجه الشركات إلى إعادة توزيع جغرافي لمراكز البيانات، بحثًا عن دول توفر طاقة أرخص أو أكثر استقرارًا، ما قد يعيد رسم خريطة البنية التحتية الرقمية عالميًا.
على مستوى الاقتصاد الكلي، تتداخل هذه التطورات مع مخاطر أوسع. ارتفاع أسعار الطاقة يغذي التضخم، ما يدفع البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية، وهو ما يزيد تكلفة التمويل. هذا المزيج من تضخم مرتفع ونمو بطيء يعيد سيناريو "الركود التضخمي" إلى الواجهة، وهو من أسوأ البيئات الممكنة للاستثمار طويل الأجل، خصوصًا في القطاعات كثيفة رأس المال مثل الذكاء الاصطناعي.
التأثير لا يقتصر على الشركات الكبرى، فالشركات الناشئة، التي كانت تعتمد على تمويل وفير ورخيص، قد تكون الأكثر تضررًا، فارتفاع تكاليف الطاقة والبنية التحتية يعني أن دخول هذا المجال أصبح أكثر صعوبة، ما قد يؤدي إلى تركّز السوق في أيدي عدد محدود من اللاعبين الكبار القادرين على تحمل هذه التكاليف، وهذا بدوره قد يحدّ من الابتكار ويقلل من ديناميكية السوق.
وفي أوروبا، تقدم التجربة الحديثة نموذجًا لما قد يحدث على نطاق أوسع، فقد أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى إضعاف القطاع الصناعي، وإجبار شركات على تقليص إنتاجها أو نقله إلى مناطق أخرى. وإذا انتقل هذا النمط إلى قطاع التكنولوجيا، فقد نشهد تباطؤًا في بناء مراكز البيانات، أو حتى "هجرة رقمية" نحو مناطق ذات طاقة أرخص مثل بعض الولايات الأميركية أو دول الشرق الأوسط.
ورغم أن الولايات المتحدة تمتلك بعض عناصر القوة، مثل وفرة الغاز الطبيعي وإمكانية التوسع في إنتاج الطاقة، فإن ذلك لا يجعلها بمنأى عن التأثير. فالطلب المتزايد من قطاع الذكاء الاصطناعي نفسه قد يضغط على شبكات الكهرباء، ويخلق منافسة بين الاستخدامات الصناعية والتكنولوجية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار محليًا.
في المقابل، قد تفتح هذه الأزمة بابًا لتحولات إيجابية على المدى الطويل. فارتفاع تكاليف الطاقة قد يدفع الشركات إلى تسريع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة في مراكز البيانات، وتطوير رقائق أكثر كفاءة. كما قد نشهد سباقًا جديدًا، ليس فقط في الذكاء الاصطناعي، بل في "ذكاء الطاقة"، أي القدرة على تشغيل هذه التقنيات بأقل تكلفة ممكنة.
غير أن التحدي الأكبر يبقى في التوقيت. فالعالم يقف أمام استثمارات تُقدّر بنحو 3 تريليونات دولار في مجال الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس المقبلة. أي اضطراب كبير في سوق الطاقة خلال هذه الفترة قد يعيد تشكيل هذه الاستثمارات، أو يقلصها، أو يغير وجهتها بالكامل.