كيف انعكس الكساد الكبير على الفن في أمريكا؟

كيف انعكس الكساد الكبير على الفن في أمريكا؟

لوحة الأمريكي القوطي لـ غرانت وود (1891-1942)

كيف عبر الفنانون في الثلاثينيات من القرن الماضي عن إحباطهم ورفضهم؟ وكيف انعكس ذلك على الفن في تلك الحقبة، التي تُشبه كثيرًا فترة المخاض الطويل التي تمر بها بعض البلاد العربية. في المقال التالي تعرض صحيفة "minute 20" الإسبانية تمظهرات فترة الكساد الكبير في أمريكا على الفن وأهله.


في فترة الثلاثينيات من القرن العشرين في الولايات المتحدة عاش الأمريكيون على شفا جرف، كان تأثير انهيار سوق الأسهم في نيويورك كفيلًا بسقوط البلاد في دوامة من الانهيارات، في عام 1933 أغلقت نصف البنوك أبوابها كما أغلقت 50 ألف شركة، وأصبحت الأسهم تساوي 20% فقط من قيمتها، و15 مليون مواطن فقدوا وظائفهم أي 30% من اليد العاملة في البلاد وقتها.

كيف عبر الفنانون الأمريكيون في الثلاثينيات من القرن الماضي عن إحباطهم ورفضهم في زمن الكساد؟

ولكن كيف كانت ردة فعل الفن على الانهيار؟ كان المعرض الفني المسمى بـ"America After The Fall"، أو "أمريكا بعد السقوط"، بمثابة لمحة بانورامية حول ردود أفعال الفنانين التشكيليين على المناخ المضطرب اقتصاديًا وسياسيًا، وحتى جماليًا، ذلك الاضطراب الذي أثر على كل الدول الغنية منها والفقيرة، وكان بمثابة ملمح تاريخي أصيل لفترة الثلاثينيات في القرن الماضي.

اقرأ/ي أيضًا: مارك شاجال.. ضد الجاذبية

معرض أكاديمية الفنون في لندن الذي يمتد من الـ25 من شباط/فبراير وحتى الرابع من حزيران/يونيو، يحوي أكثر من 50 لوحة موقعة من أهم فناني المرحلة المشهورين، من بينهم جورجيا أوكيفي، وفيليب جوستون، وإدوارد هوبر، وأليس نيل، وجاكسون بولوك. لعل أكثر الأعمال شهرة ولفتًا للانتباه هي لوحة الأمريكي القوطي التي تصور اثنين من المزارعين في مشهد درماتيكي هادئ، يبدو أنهما يتمتعان برباطة جأش في إحدى القرى في ريف ولاية "أيوا"، اللوحة رسمها غرانت وود (1891-1942)، وهي المرة الأولى التي تخرج فيها خارج الحدود الأمريكية، رغم كونها موضوعًا لعدة استشهادات من قبل، وهي مملوكة لمعهد الفن في "شيكاغو" لتكون معروضة للجمهور الأمريكي هناك. الصورة تجمع الأب وابنته، ينظران إلى الأمام دون عواطف واضحة أمام حظيرة، الصورة كانت تأكيدًا إيجابيًا للقيم الريفية، تصور الهدوء في لحظة تاريخية من الاضطراب والخيبات.

أراد غرانت وود أن يصور رجلًا وامرأة في عالمهم الصلب وجيد البنيان مع كل نقاط الضعف والقوة فيه، وهو ما أسماهم "الناجين"، النماذج الإنسانية التي استخدمها غرانت في الصورة كانت لشقيقته، وطبيب الأسنان الذي يعتني بالعائلة. استوحى وود أسلوب رسامي الفلامنكو من حيث الاهتمام الكبير بالتفاصيل والتعبيرات الجامدة لملامح الشخصيات، مستمدًا أيضًا وحيه من عصر النهضة الأوروبي الذي تعرّف عليه في زيارة لأوروبا، حيث حوّل اللوحة إلى قطعة تشكيلية معبرة عن سكان أحياء "الميد ويست"، أو الغرب الأوسط الأمريكي، الذين تم تناول حياتهم مئات المرات في السينما والمسرح والتلفزيون، وحتى رسم الأطفال المتحركة والإعلانات التجارية. اللوحة الفنية غالية القيمة خرجت مرة واحدة قبل ذلك إلى إحدى معارض كندا.

في معرض شيكاغو كانت اللوحة تحظى بتأويلات منفتحة، حيث كان يُنظر إليها على أنها مثالية وبائسة في نفس الوقت. يُشعر المتلقي أمام لوحة كهذه بعدة أفكار: فهل يقف أمام لوحة تجسد الفردانية التقليدية والتقدير العميق لمواطني البلاد وشيء من الحنين؟ أم أنه تحذير من فقد لنمط حياة عزيز تميزت به الطبيعة الأمريكية؟ اللوحة تاريخيًا تقع في نهاية الأيام السعيدة للأمريكيين، في مرحلة صمت مريب كان رد فعل الفنانين عليه سؤالًا يطرحونه، ما يقول ممثلو معرض شيكاغو "ما هو الفن الأمريكي؟"، ففي ظل الركود الاقتصادي الحاد في البلاد، وتنامي خطر الفاشية في أوروبا وآسيا، كان الرسامون يطبقون وجهات نظرهم الخاصة حول الأمة لإعادة رسم ملامح الحداثة.

الوضع الاجتماعي البائس والممارسات الإفلاسية للدولة، وشعور اللامسؤولية من البنوك والمضاربين شكل حافزًا لـ"تشكيل فن جديد على الهوية الوطنية". الـ50 عملًا فنيًا التي أنتجتها أمريكا في فترة الانهيار، كانت كلها من قبل فنانين شجعان، وشخصيات من النصف الأول من القرن العشرين، من بينهم المتألقان هوبر وأوكيفي، كانت أعماله بمثابة صورة كاشفة للتطور النفسي في الولايات المتحدة، تطور شمل النواح الجمالية والسياسية والفنية على السواء انعكست في أعمال هوبر الحزينة، والمعاناة من الوحدة الساحقة كطابع للحياة في القرن العشرين كما عبرت عن الرومانسية الجريئة التي ظهرت في أعمال تماس هارت بنتون ورفاقه الذين سعوا لتصوير فن يمجد الأمة كسبيل للخروج من حالة الإحباط والمرارة والمعاناة.

الـ50 عملًا فنيًا التي أنتجتها أمريكا في فترة الانهيار، كانت كلها من قبل فنانين شجعان

رسامون مثل فيليب إيفير جود، وبين شاهان، اختاروا الواقعية والنشاط الاحتجاجي على سياسيات ذلك العصر مسلطين الضوء على الاحتياجات الضرورية العاجلة لمستأجري الأراضي والمهاجرين اليهود وغيرهم من المهمشين في المجتمع، كما سُلط الضوء أيضًا على المشاكل العرقية. 

اقرأ/ي أيضًا: 9 تشكيليين رسموا الست.. تلوين صوت الزمن

قدم جو جونز بطريقة مفزعة إعدامًا لأحد العبيد السود خارج نطاق القانون، كما قدم آرون دوغلاس نظرة أكثر شمولًا للثقافة الأمريكية الأفريقية في الملحمة الأمريكية. فنانون آخرون اختاروا الواقعية مثل تشالز تشييبر الذي ينتمي للمجموعة التكعيبية في الـ"بارك أفينو" الذين جلبوا معهم أصداء الطليعية من أوروبا لتقديم واقعية مفلسة، وبول كودماس الذي أضاف للنقد الاجتماعي العنصر "المثلي" للبلاد.

منظمو المتحف يرون أن مجموعة الفنانين تلك أضافت نظرة رائدة التجديد للعالم اقتصاديًا وسياسيًا، وكامتداد لذلك فقد شملت إضافات طريقتهم نقدًا جماليًا ديناميكيًا قاد الفنانين الأمريكيين إلى إعادة التفكير في الحداثة بعد التأثير المدمر للكساد العظيم.

خلال فترة الثلاثينيات، كانت العواقب التي ترتبت على انعدام الأمان الاقتصادي والصعوبات الاجتماعية ناتجة عن عمليات التحضر الهائلة والتصنيع والهجرة، والتي ترددت أصداؤها في بلد يحاول إعادة بناء ذاته، جعلته مستوى أعمق، يحاول "إعادة تعريف هويته". وظل محاولات إصلاح ديمقراطية أفسدتها الفوضى، كان الفنانون يجربون أساليب متعددة من التجريد والسريالية لمحاولة التعبير عن موضوعات مثل الشعبوية والعمل الاحتجاجي، وبغض النظر عن الأسلوب، فقد كانوا يريدون "المساعدة في إصلاحات اقتصادية".

 

اقرأ/ي أيضًا:

علي يماني.. تسخير اللون لانعتاق الإنسان

بهرم حاجو في البحرين: مكممًا... بلا حوار