كيف أصبح وزير الخارجية الأميركي الحاكم الفعلي لفنزويلا؟
13 يوليو 2026
تكشف صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير مطول عن صورة غير مسبوقة للدور الذي باتت تلعبه الولايات المتحدة في فنزويلا بعد الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو، معتبرة أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أصبح المسؤول الأكثر نفوذًا في إدارة شؤون البلاد، رغم أنه لم يزرها منذ العملية العسكرية الأميركية التي انتهت باعتقال مادورو.
ويصف التقرير روبيو بأنه "الحاكم الفعلي" لفنزويلا، في مشهد يعيد إلى الأذهان مرحلة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر في العراق عام 2003، لكنه يأتي هذه المرة دون إعلان رسمي عن احتلال أو إدارة مباشرة، وإنما عبر منظومة من النفوذ السياسي والمالي والاقتصادي.
إدارة من واشنطن
بحسب التقرير، توسعت صلاحيات روبيو خلال الأشهر الستة التي أعقبت اعتقال مادورو، لتشمل الإشراف على ملفات المالية العامة، والعقوبات، وقطاع الطاقة، والاستثمارات الأجنبية، وصولًا إلى المشاركة في تعيين كبار المسؤولين داخل الحكومة الفنزويلية.
ويحافظ روبيو على تواصل شبه يومي مع ديلسي رودريغيز، التي كانت تشغل منصب نائبة الرئيس في عهد مادورو، قبل أن تتولى إدارة البلاد بصورة مؤقتة بدعم أميركي.
كشفت الصحيفة أن ديلسي رودريغيز كانت تعرض بعض بياناتها ومنشوراتها على روبيو قبل نشرها، بما في ذلك رسالة شكر وجهتها إلى ترامب
ولا يقتصر التواصل بين الجانبين على الاجتماعات الرسمية، بل يمتد إلى الرسائل الخاصة عبر تطبيق "واتساب"، حيث يتبادلان التهاني والمحادثات الشخصية، في مؤشر على مستوى التنسيق بين الطرفين.
وترى الصحيفة أن هذه العلاقة لا تعكس شراكة بين دولتين، بقدر ما تمثل نموذجًا جديدًا لممارسة النفوذ الأميركي، يقوم على فرض الإرادة السياسية والاقتصادية على دولة ذات سيادة.
السيطرة على المال قبل السياسة
ويعد الملف المالي أبرز أدوات النفوذ الأميركي في فنزويلا، إذ يقول التقرير إن وزارة الخزانة الأميركية أصبحت تتلقى عائدات معظم صادرات البلاد، قبل إعادة تحويلها إلى الحكومة الفنزويلية عبر النظام المصرفي.
وبذلك، لا تقتصر سيطرة واشنطن على مراقبة الأموال، بل تمتد أيضًا إلى تحديد أوجه إنفاقها والجهات المخولة باستخدامها.
وترى الإدارة الأميركية أن هذا النظام ساهم في الحد من قضايا الفساد التي اشتهرت بها الحكومات السابقة، كما وفر للحكومة الفنزويلية حماية من ملاحقة الدائنين المطالبين باسترداد مليارات الدولارات من الديون.
لكن في المقابل، منح هذا الترتيب روبيو ورقة ضغط مؤثرة على الحكومة المؤقتة، التي تعتمد بصورة كبيرة على تلك الأموال في دفع الرواتب والحفاظ على استقرار العملة المحلية.
إعادة رسم قطاع النفط
ولا يتوقف النفوذ الأميركي عند إدارة الإيرادات العامة، ووصل إلى أن روبيو يقود عملية إعادة هيكلة قطاع النفط، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الفنزويلي.
ويتولى وزير الخارجية الأميركي الإشراف على منح التراخيص التي تسمح للشركات الأجنبية بالعمل داخل فنزويلا رغم العقوبات، كما يحدد الجهات التي يسمح لها بالاستثمار في القطاع.
كما أعطى روبيو أولوية واضحة للشركات الأميركية، على حساب شركات أوروبية كانت تعمل في السوق الفنزويلية منذ سنوات.
كما أشرف على ترتيبات جديدة لتسويق النفط الفنزويلي عبر شركتي "ترافيغورا" و"فيتول"، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز الحضور الأميركي في قطاع الطاقة.
وفي الوقت نفسه، حذر وزير الخارجية الأميركية الحكومة الفنزويلية من توسيع علاقاتها الاقتصادية مع خصوم الولايات المتحدة، ما انعكس على مستقبل بعض الشراكات، ومنها المشاريع المشتركة مع شركة "روسنفت" الروسية.
نفوذ يتجاوز الاقتصاد
ويشير التقرير إلى أن دور روبيو تجاوز الملفات الاقتصادية، ليشمل جوانب سياسية وأمنية واسعة.
فقد شارك، بحسب الصحيفة، في مناقشة تعيينات حكومية حساسة، بينها وزير الدفاع، كما ضغط على الحكومة المؤقتة لإبعاد شخصيات مقربة من مادورو عن مواقع القرار.
كما نجحت واشنطن في دفع السلطات الفنزويلية إلى اعتقال وتسليم عدد من المطلوبين للولايات المتحدة، بينهم رجل الأعمال أليكس ساب، الذي يعد أحد أبرز المقربين من الرئيس السابق.
وفي تطور آخر، كشف التقرير عن أول تعاون عسكري مباشر بين واشنطن وكاراكاس منذ عقود، تمثل في تنفيذ ضربة أميركية استهدفت أحد قادة عصابة "ترين دي أراغوا" اعتمادًا على معلومات استخباراتية قدمتها السلطات الفنزويلية.
حتى السياسة الخارجية
ووصل التدخل إلى سياسات فنزويلا الخارجية، حين نشر وزير الخارجية الفنزويلي إيفان خيل بيانًا ينتقد الهجوم الأميركي على إيران، أبلغت إدارة ترامب الحكومة الفنزويلية بضرورة حذف البيان وعدم تكرار مثل هذه المواقف.
وبالفعل، حُذف المنشور بعد ساعات، وهو ما اعتبر مؤشرًا على أن قرارات السياسة الخارجية الفنزويلية أصبحت تخضع بدورها للتأثير الأميركي.
كما كشفت الصحيفة أن ديلسي رودريغيز كانت تعرض بعض بياناتها ومنشوراتها على روبيو قبل نشرها، بما في ذلك رسالة شكر وجهتها إلى ترامب بعد إشادة الأخير بها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
الزلازل تعرقل خطة واشنطن
ورغم اتساع النفوذ الأميركي في فنزويلا، واجهت الخطة التي يقودها وزير الخارجية ماركو روبيو تحديًا كبيرًا بعد الزلزالين اللذين ضربا البلاد الشهر الماضي، إذ سارعت واشنطن إلى إرسال نحو 900 عسكري وفرق إنقاذ، إلى جانب تقديم مساعدات مالية قاربت 400 مليون دولار.
ويقول روبيو إن استراتيجيته تقوم على ثلاث مراحل متتالية تبدأ بإنعاش الاقتصاد، ثم تحقيق الاستقرار، وصولًا إلى تنظيم انتخابات ديمقراطية، غير أن تداعيات الزلزالين عطلت التقدم نحو المرحلة الثالثة، وأرجأت المفاوضات الخاصة بعقود النفط الجديدة ومشاريع الاستثمار الأجنبي، في وقت ترى فيه الإدارة الأميركية أن تعافي فنزويلا يمثل شرطًا أساسيًا لحماية مصالحها الاقتصادية، وفي مقدمتها تأمين إمدادات النفط الفنزويلي.
انتقادات ومخاطر
في المقابل، يتهم منتقدو ترامب الإدارة باستغلال الموارد الفنزويلية، والإبقاء على بنية النظام السابق مع الاكتفاء باستبدال رأسه، بدل دعم انتقال سياسي كامل.
كما يحذرون من أن ربط مستقبل فنزويلا بالمساعدات الأميركية يجعل واشنطن مسؤولة بصورة مباشرة عن أي إخفاق اقتصادي أو سياسي قد تشهده البلاد.
وفي السياق، يزيد استمرار الغموض بشأن موعد الانتخابات من حالة القلق لدى المستثمرين، الذين يترددون في ضخ أموال كبيرة في اقتصاد لا تزال معالمه السياسية غير مستقرة.
وتخلص الصحيفة إلى أن السؤال لم يعد متى ستجري الانتخابات، بل من الذي سيقرر موعدها، معتبرة أن الإجابة، في الوقت الراهن، لا توجد في كاراكاس، وإنما في واشنطن، وتحديدًا على مكتب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.
تقرؤون المزيد في: هل تتكرر تجربة فنزويلا في كوبا؟ ترامب يرسل مدير "سي آي إيه" إلى هافانا