كيف أصبح مستبدًا أفضل؟ (2- 6)

كيف أصبح مستبدًا أفضل؟ (2- 6)

ماريان كمانسكي/النمسا
  • بعد بضعة عقود من الديمقراطية الغربية ازدهر الاستبداد من جديد في عصرنا، ويستمتع به رؤساء الدول ورجال الدين وشيوخ القبائل وكبار ملاك الشركات وزعماء الأحزاب السياسية وغيرهم من أصحاب السلطة. ونرى في عدد متزايد من الدول في العالم أن فقط من يشن حروبًا (على شعبه قبل كل شيء) ويمارس التعذيب والتحريض والإرهاب ضد خصومه هو من الفائزين ويحتفظ بسلطته. في ما يلي يجد المستبد العصري بعض النصائح للحفاظ عليها.

كيف أستميل الرأي العام الدولي؟

كلنا نعرف الأثر الكبير الذي تثيره الصور في عصر الإنترنت أحيانًا. يحدث بين فترة وأخرى أن يظهر شريط فيديو يمكن فيه مشاهدة أحد جلاديك وهو يقوم بتعذيب سجين أو مواطن في الشارع، أو تظهر فيه أنت شخصيًا وأنت تهين أحدًا من غير سبب. والقصة أكثر خطورة عندما يتضح أن بعض جنودك أسقطوا طائرة مدنية تابعة لدولة لست في حرب معها وأن مخابراتك أمرت بذلك، أو عندما يُعرف أن أفرادًا من شرطتك عذبوا أجنبيًا بريئًا إلى الموت.

إذا كانت القضية تتعلق بمقتل مدنيين ولا يمكن إنكار ذلك، فقل إنهم كانوا موتى قبل الحادثة

بالطبع يمكنك تحميل أحد عناصر الأمن مسؤولية هكذا حوادث وطرده، ففي النهاية يمكن استبدال جميع رجال الأمن، وإن اعتقدوا غير ذلك. ولكن ذلك سيعتبر اعترافًا بخطأ، ولماذا تسوّد وجهك دون ضرورة؟

اقرأ/ي أيضًا: كيف أصبح مستبدًا أفضل؟ (1- 6)

الأفضل من ذلك هو التشكيك بالأدلة، فكلنا نعرف أن تزوير وفبركة الصور والأفلام أمر سهل اليوم. أما إذا كانت القضية تتعلق بمقتل مدنيين ولا يمكن إنكار ذلك، فقل إنهم كانوا موتى قبل الحادثة أو إن طرفًا آخر قتلهم. وقم أنت بدورك أيضًا باختلاق أدلة مضادة، وإن انكشف هذا الأمر أيضًا، فانشر فرضية جديدة مختلفة تمامًا تقدم تفسيرًا لكل شيء أو لا تقدم تفسيرًا لأي شيء، أو مر شرطتك بقتل مواطنين أبرياء رميًا بالرصاص في تفتيش مروري وازعم أنهم كانوا مسلحين وأنهم هم الذين قتلوا الضحايا من قبل. لا حدود للخيال في هذه الشؤون. لا تتوقع أن العالم سيصدق ما تقوله، خاصة إذا كانت فرضياتك المختلفة متناقضة مع بعضها البعض. ولكن المبدأ الذي أثبت جدواه تمامًا هو أن تكون هناك "روايات مختلفة" حول فضائح ما. 

سيكون بإمكانك الاستمرار كالمعتاد إذا كانت الخلاصة هي أن القضية "غير واضحة التفاصيل". في أقصى الحالات أجرِ تحقيقًا بنفسك، وإذا كانت هذه "التحقيقات" تستمر لسنوات، فهذا أفضل. العالم ينسى بسرعة، ويحدث الكثير من الأمور الأخرى التي تشغل بال الناس. يمكنك الانتظار إلى أن تختفي الضجة، وإن لم يمكن ذلك، فما رأيك أن تعرض على الغرب أن تمنع بعض لاجئين من الوصول إليه؟ أحسنتَ! من الآن فصاعدًا لا تتوقع أن أحدًا سيسيء إليك، بل ستقبض أموالًا طائلة مقابل ذلك، حتى لو كنت مطلوبًا للعدالة الدولية. فلتطمئن!

والأسهل من ذلك هو نفي حدوث جرائم يقال إن أمتك ارتكبتها ضد شعوب أخرى في يوم ما في التاريخ. فهذه الأحداث جرت -في أكثر الحالات- منذ زمن طويل، وبالتالي لا توجد أشرطة فيديو عنها. قال هتلر مرة: "لا أحد يتذكر اليوم ما حدث للأرمن"، وهو يستعد لإبادة جماعية جديدة. ولا تعتقد أن هتلر سيئ السمعة عند كل الناس، بالعكس، فالبعض منهم يفضلون "كفاحي" على الكثير من الكتب المفيدة، وربما تكون أنت من المعجبين به أيضًا، لكنه بالغ قليلًا بصفته مستبدًا وسفاحًا. وإن حصل أن أحد المشاكسين شبّهك به، عليك أن تدين ذلك بشدة ونفور.

المستبد يريد عادةً أن يكون مشهورًا، وأن يستمتع بالرفاهية والكماليات بدون لفت للأنظار

اقرأ/ي أيضًا: الدكتاتور الأرعن

ولكن يمكن التصدي للانتقادات من الخارج بطرق أخرى أيضًا. بعض الدول التي يحكمها متسلط تظل "صامتة". إنها لا تسمح بالإنترنت أو تراقبها، ولا تستقبل سيّاحًا وتكاد تبدو من الخارج وكأنها "غير موجودة". ولكن لا يحبّذ المستبدون كلّهم الصمت، والمثال الأشهر على ذلك كيم جونغ أون، في كوريا الشمالية، الذي يقوم باختبارات نووية بين كل شهر وآخر تقريبًا، مما يضر على سمعته أكثر بكثير من معتقلاته التي يبيد فيها آلاف المواطنين، وهي لا تثير حفيظة الغرب والولايات المتحدة إلى ذلك الحد. الأفضل من ذلك رئيس مريض وواهن على وشك الموت منذ سنوات مثل زميلك في الجزائر الذي لا يعرفه أحد، ولا يتحدث عنه أحد تقريبًا. ولكن هذه استثناءات، فالمستبد يريد عادةً أن يكون مشهورًا من جهة، وأن يستمتع بالرفاهية والكماليات بدون لفت الأنظار من جهة أخرى. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

ماذا لو كان شعب الدكتاتور سعيدًا!

السيسي.. خُطب الدكتاتور المأزومة