كيف أصبح مستبدًا أفضل؟ (1- 6)

كيف أصبح مستبدًا أفضل؟ (1- 6)

(Getty) غرافيتي في برلين

* نصائح للمستبدين في عصر ما بعد الحقائق- نص مستوحى من كتاب "طبائع الاستبداد" لعبد الرحمن الكواكبي

الاستبداد قديم كعمر البشرية، بل أقدم منه، فنجده أيضًا لدى الحيوانات من القردة إلى الخنازير، حيث يضايق الأقوى أخاه الأضعف من نفس النوع، ومن الحيوانات أخذنا هذا المبدأ عندما كنا ما زلنا أشباه حيوانات في العصور السحيقة. إذن لا ينبغي أن نقلع عن هذه الظاهرة التي أثبتت جدواها عبر التطور فقط لأن هناك من يقولون إن الاستبداد لم يعد يناسب عصرنا، أو إنه يتناقض مع ما يسمى بحقوق الإنسان. بالعكس، فنجاحكم أيها السادة المستبدون في العالم دليل على أن الحق معكم. فبينما تعتبر الأنظمة "الديمقراطية" نفسها أفضل من "الدكتاتوريات"، تهتز "الديمقراطيات" وتراودها الشكوك، بل ويتحول بعضها بنفسها إلى أنظمة استبدادية شعبوية تدريجيًا. نستطيع أن نتفرج على فشلها ونستمتع بمشاهدة نقاشاتها التي ستنتهي بفشلها أيضًا، بينما الشعوب "الديمقراطية" تعبّر مرة بعد مرة عن حنينها للاستبداد. 

بعد بضعة عقود من الديمقراطية الغربية ازدهر الاستبداد من جديد في عصرنا

اقرأ/ي أيضًا: لماذا لا يثور الغلابة؟

بعد بضعة عقود من الديمقراطية الغربية ازدهر الاستبداد من جديد في عصرنا، ويستمتع به رؤساء الدول ورجال الدين وشيوخ القبائل وكبار ملاك الشركات وزعماء الأحزاب السياسية وغيرهم من أصحاب السلطة. ونرى في عدد متزايد من الدول في العالم أن فقط من يشن حروباً (على شعبه قبل كل شيء) ويمارس التعذيب والتحريض والإرهاب ضد خصومه هو من الفائزين ويحتفظ بسلطته. أما من يهذي بالديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني في مثل هذه الأنظمة فهو على الطرف الخاسر، وتنتظره سجونك أيها المستبد. 

يفيدك أيضًا أننا نعيش في عصر لم يعد فيه وزن كبير للحجج والحقائق. إلا أنّه من الأفضل أن تتفادى بعض الأخطاء في عملك كمستبد، إذ أن سلطتك نفيسة، بل هي كل ما تملكه في النهاية. في ما يلي إذن تجد بعض النصائح للحفاظ عليها، ويمكنك الاطمئنان فذلك ليس صعبًا كثيرًا.

هناك انتخابات في الأنظمة الاستبدادية أيضًا

ليست الأنظمة الديمقراطية فقط من تنظم انتخابات، بل إنّ الانتخابات موجودة بشكل أو بآخر في معظم البلدان، لأسباب دستورية أو كتقليد متوارث. إذن، إن كان لا بد من ذلك، فأجرِ انتخابات، مثلًا في عطلة الأعياد، حتى لا تقوم المعارضة، إن وجدت، بحملة انتخابية تُذكر. ولكن الأهم من ذلك هو احتكارك لوسائل الإعلام، حتى يستحيل على المنافسين أن يعرّفوا الشعب على أنفسهم. أما أنت، فبإمكانك أن تركب خيلًا أو أن تسبح في نهر في يوم مشمس أثناء ذلك، بينما أحد يصورك هناك "بالصدفة"، المهم أن تبدو شعبيًا وأصيلًا. أما إذا كانت هوايتك نخبوية كصيد الفيلة في المحميات الوطنية، فلا بأس بذلك أيضًا، ولكن اضمن ألا يكون هناك مصورون.

اقرأ/ي أيضًا: اليسار المصري.. خسائر متلاحقة

إذا لم توجد لديك معارضة منظمة، فأطلق مخابراتك على كل مواطن يمتنع عن التصويت لك. ولكن مهلاً، ففي أيامنا هذه لم يعد من المناسب الفوز بـ90% من الأصوات أو أكثر، بل يوحي ذلك بأن الانتخابات لم تكن نزيهة وشرعية. اسمح لخصومك (أو المرشح البديل الذي نصبته بنفسك) بالحصول على 20 أو 30%، أو زوّر نتيجة الانتخابات على هذا الأساس. ولكن إن التزمت بجميع النصائح المجموعة هنا، فستحصل على أكثر من 50% من الأصوات بسهولة، وهذا كافٍ كي تسخر من "الأقلية" الخاسرة ولتحافظ على سلطتك لمدة طويلة، إن كنت جديدًا في المنصب. فالسلطة جذابة، ولا أهمية لحكم بلد إلا من أجل الاستمتاع بالسلطة.

إذا لم توجد لديك معارضة منظمة، فأطلق مخابراتك على كل مواطن يمتنع عن التصويت لك

نظّم استفتاءات إذا كانت النتيجة مضمونة

إذا كانت لدى شعبك حماسة وطنية، فسيشكرك على كل فرصة تُشعره فيها بأن صوته مسموع. لا تكفي الانتخابات دائمًا، خاصةً إذا تمت معاودة انتخابك ونظام حكمك لسنوات وعقود طويلة. أنت لا تريد أن يقول أحد إنك حكمت البلد لفترة أطول من اللازم! الأفضل أن تسمح للمواطنين الأعزاء أن يصوتوا في شيء إضافي بين فترة وأخرى، ويُستحسن أن يكون الموضوع غير ذي أهمية كبيرة، مثل مشروع قانون أو تعديل دستور لا يؤدي إلى تغيير، عدا لصالحك، أو حول ترسيخ سلطتك أيها المستبد. ولكن في الحال الأخيرة عليك أن تضمن فوزك منذ البداية، فقد حصل غير مرة أن خسر رئيس ما استفتاء حول السماح بترشحه لولاية ثالثة أو رابعة أو خامسة، رغم التوقعات. أن تحكم بعد ذلك من خلال قانون الطوارئ وأن تطلق النار على المتظاهرين لا يخلّف انطباعًا حسنًا. والصورة الحسنة في الداخل والخارج هي جزء من ممارسة الحكم، كما سنشرح في المقطع التالي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ما وراء التعذيب

خذلتم الثورة فعاقبتكم