كيف أصبحت دبي ملاذ عصابات تهريب الماس الإسرائيلية؟

كيف أصبحت دبي ملاذ عصابات تهريب الماس الإسرائيلية؟

أصبحت دبي وجهة أساسية لتجار الماس الإسرائيلي (Getty)

ألترا صوت – فريق التحرير

يسلط كثير من التقارير في الفترة الأخيرة، الضوء على التنامي الواضح في العلاقات الإسرائيلية مع دول خليجية وعربية، مثل الإمارات العربية المتحدة، خاصة مع صعود الإدارة الأمريكية الجديدة، بزعامة دونالد ترامب، وتشكيل نوع من التحالف الأمريكي الإسرائيلي مع دول "سنية معتدلة" لمواجهة "الخطر الإيراني"، وكذا من أجل تمرير التسوية القسرية، التي أطلق عليها فريق ترامب اسم صفقة القرن.

يتعلق تطور قطاع الماس في إسرائيل، بشكل مباشر، بالصادرات العسكرية، وبالعلاقات مع دول أفريقية تعاني من حروب أهلية ومجازر

وفي حين يرتبط هذا التنامي، بالأزمة الخليجية، والحاجة إلى اللوبيات الصهيونية للتأثير على صناع القرار في واشنطن وكسب ودهم، فإن كلامًا قليلًا قد قيل عن واحد من العوامل الأساسية، التي تنامت بسببها العلاقات الإسرائيلية مع الإمارات، في نوع من التطبيع الذي بدا تمهيدًا لإعلان علاقات رسمية في وقت قريب، أي تجارة الماس.

اقرأ/ي أيضًا: تاريخ صناعة السلاح في إسرائيل..3 مراحل و3 أهداف

تجارة الماس في إسرائيل.. تاريخ دموي

اشتهرت إسرائيل منذ فترة طويلة بتصدير الماس المصقول، رغم عدم امتلاكها لقدر كاف من مادته الخام، الذي يتيح لها أن تكون مصدرًا أساسيًا في العالم لهذا المعدن الثمين، المرتبط بتراث طويل من المجازر والحروب الأهلية.

يتعلق تطور هذا القطاع في إسرائيل، بشكل مباشر، بالصادرات العسكرية، وبالعلاقات مع دول أفريقية تعاني من حروب أهلية ومجازر، كما أنها كانت مرتبطة بدعم النظام العنصري في جنوب أفريقيا قبل سقوطه، في فترة كان يتعرض فيها لعزلة دولية شاملة. وتصنف هذه التجارة، في كثير من دول العالم، كنشاط اقتصادي محظور، لاعتبارات تتعلق بآليات الحصول على الماس الخام. وتشير عدة تقارير إلى أن إسرائيل حجبت في فترات ما المعلومات الحقيقية، عن المساهمة الكبيرة لهذا القطاع في مجمل صادراتها ودخلها القومي.

منذ وقت مبكر، كانت الدول العربية، الخليجية بشكل خاص، بالإضافة إلى لبنان، سوقًا ضخمًا للماس الإسرائيلي، حيث اعتمدت تل أبيب على وسطاء أمريكيين وأوروبيين غالبًا من أجل تصدير هذا المعدن الثمين، مثل سوسيرا.

 كشفت دراسات العلاقة بين شركات تصدير وصقل الماس الإسرائيلي وبين شخصيات إسرائيلية عسكرية، أو عائلات تمثلها شخصيات في المؤسسة العسكرية

ورغم تراجع هذا القطاع في الفترة الأخيرة، لا يزال الماس يُعتبر جزءًا مهمًا من الاقتصاد الإسرائيلي، حيث يشكل وفق الأرقام المصرح عنها فقط، ما يقرب من 13% من إجمالي صادرات السلع في البلاد في عام 2017، حسب كل من وزارة الاقتصاد الإسرائيلية والمكتب المركزي للإحصاء. وبحسب الوزارة ، فقد صدرت إسرائيل ما قيمته 4.6 مليار دولار من الماس المصقول و3.3 مليار من الماس الخام في العام الماضي فقط.

يذكر أن الاحتياطات المعدنية في أفريقيا تصل إلى 30% من الاحتياط العالمي، وتمتلك القارة 95% من احتياطي الماس في العالم، وتنتج 50% من إجمالي إنتاج العالم في هذا المعدن. وتحصل إسرائيل على معظم حصة مجموعة دول أفريقية من الماس الخام، مثل الكونغو.

وحيث ترتبط دموية تجارة الماس بالعصابات المسلحة والأنظمة الديكتاتورية، فإن تورط القائمين على تجارة الماس في إسرائيل لا يتعلق فقط بمصدر المادة الخام، ولكن أيضًا لأن نسبة كبيرة من إيرادات صادرات الماس تذهب للمؤسسة العسكرية، فقد بينت مجموعة من حملات التضامن أن ما معدله مليار دولار سنويًا من عائدات المعدن الدموي تذهب إلى تمويل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

وقد كشفت دراسات العلاقة بين شركات تصدير وصقل الماس الإسرائيلي وبين شخصيات إسرائيلية عسكرية، أو عائلات تمثلها شخصيات في المؤسسة العسكرية، بسبب العلاقة الوطيدة، بين التمويل والعلاقات العسكرية لإسرائيل مع مناطق أفريقية مختلفة.

تذهب نسبة كبيرة من إيرادات صادرات الماس الإسرائيلي للمؤسسة العسكرية

لماذا تحولت الإمارات إلى سوق أساسي لإسرائيل؟

 رسميًا، لا توجد رحلات جوية مباشرة متاحة تجارايًا بين إسرائيل ودبي، واحدة من أكبر مراكز استهلاك الماس في العالم، وبالتالي لا توجد صادرات مباشرة بين شركات الماس في إسرائيل ونظيراتها في الإمارات. حيث إن كل عناصر هذه التجارة، تمر عبر بلد ثالث. وهذا يعني أن هذا "البزنس" المزدهر يُوثق كتجارة إسرائيلية سويسرية أو بلجيكية، وسويسرية أو بلجيكية إماراتية، كما يوضح تقرير نشره موقع Cteach الإسرائيلي.

وحسب الموقع نفسه، فإن الأيدي العاملة الرخيصة والخبيرة في صقل أحجار الماس الصغيرة (التي تمثل تكلفة الأيدي العاملية فيها عاملًا أساسيًا)، كانت قبل النكبة سببًا لقدرة إسرائيل على التفوق على مراكز أخرى مثل روسيا وبلجيكا، وهو ما استمر لفترة طويلة. مع ذلك، فإن هذا قد تغير بعد أن ارتفعت الأجور في إسرائيل منذ وقت طويل، وأصبحت أماكن أخرى مثل الهند وجهات جذابة أكثر لصقل الماس الصغير ومنخفض القيمة نسبيًا. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال التراجع بنسبة 45% في حجم صادرات الماس المصقول من إسرائيل منذ الأزمة المالية في عام 2008.

اقرأ/ي أيضًا: تجارة الماس في إسرائيل.. أرقام مرعبة

بدأت القصة الخفية حول العلاقات بين أبوظبي وتل أبيب من هذا التحول بالضبط، حيث إنه وبعد تراجع إسرائيل التدريجي كمركز لتجارة الماس صغير الحجم، والبدء في الانتقال إلى الماس الكبير و"الاستثنائي" مرتفع الثمن، ودور دبي المتنامي في هذا القطاع، أصبح المستثمرون الإسرائيليون يفكرون بطريقة مختلفة.

ترتبط الأسواق الأساسية لهذا النوع من الماس بوجود شرائح كبيرة من الأغنياء، وبنمط من الحياة متطرفة الترف، وهو ما يجعل الولايات المتحدة أو حتى أوروبا، كما يوضح الموقع الإسرائيلي، وجهات غير مغرية لمثل هذه التجارة. وببساطة، فإن دبي على وجه الخصوص، كانت المكان الذي أدركت شركات الماس الإسرائيلية، ضرورته.

خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي مثلًا، أعلنت شركة Alrosa-Nyurba PJSC عن إغلاق مزادها الرابع للماس في دبي هذا العام، والذي حقق 9.5 ملايين دولار من خلال بيع 141 قطعة من الماس عالي الجودة والاستثنائي، وهو بالضبط النوع الذي تتخصص فيه الشركات الإسرائيلية المتبقية. وقد حضر رجال أعمال من الهند وبلجيكا وإسرائيل هذا المزاد. وهو ما يجعل الإمارات، ساحة للتنافس بين المزودين الأساسيين للماس الثمين جدًا.

ملاذ من حملات المقاطعة

في عام 2013، أعدت صحيفة معاريف الإسرائيلية، تقريرًا عن خسائر تجار الماس الإسرائيليين، بسبب الدعوات التي تديرها الحملة الدولية لمقاطعة إسرائيل "بي دي إس"، ودعوات أخرى، وهو ما هدد حسب الصحيفة هذا القطاع فعلًا، وأضاف سببًا جديدًا إلى خسائره. وبالإضافة إلى التحول في طبيعة الصناعة الإسرائيلية نفسها، والأنواع المستهدفة من الماس، فإن المستثمرين الإسرائيليين شرعوا بالتوجه نحو دول ومناطق غير مهتمة بالتداعيات الحقوقية لهذه التجارة، وكذا بعلاقتها بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية والمستوطنين.

كما  أن دبي، المدينة المعروفة بكونها ملاذًا لغسيل الأموال، والنشاطات التجارية غير المشروعة والمخدرات، أصبحت ملجأ مهمًا لتجار الماس الإسرائيلي. وتمثل الإمارات، مثلها مثل دول خليجية عديدة، حالة فريدة وجذابة بالنسبة لإسرائيل، من ناحية تدني اكتراثها بالمعطيات الحقوقية أو السياسية، حيث إن الضغوط التي تتعرض لها إسرائيل من دول أو منظمات حقوق الإنسان، تجعلها أقرب إلى وجهات مثل أبوظبي. ولا يبدو أن تجارة الماس، قد تخرج عن هذا النسق.

 

اقرأ/ي أيضًا:

السعودية تستأنف رحلة تطبيعها الكامل مع إسرائيل.. تل أبيب محبوبة "العرب"!

السعودية وإسرائيل.. تعاون استخباراتي وثيق وقرع لطبول حرب في المنطقة!