كيف أصبحت الخرطوم مدينة تكره سكانها؟!

كيف أصبحت الخرطوم مدينة تكره سكانها؟!

أصبحت الخرطوم بغلاء أسعار عقاراتها، مدينة طاردة لسكانها (نيويورك تايمز)

من شدة غلاء العقارات والأراضي في العاصمة السودانية الخرطوم، وهذه هي السمة الغالبة، لم يعد يطيقها أحد من الفقراء أو حتى أبناء الشرائح الأدنى من الطبقة المتوسطة، مثل ما أنها باتت مدينة تكره سكانها. وأصبحت المدينة في السنوات الأخيرة، شبه معروضة للإيجار والبيع بالكامل، تحت غطاء من الفوضى وألاعيب السماسرة، مع وافر الشكوى غير المنقطعة من ندرة المساكن المطروحة بأسعار معقولة، للأجانب والسودانيين معًا.

أصبحت الخرطوم مدينة طاردة للفقراء وأبناء الشرائح الأدنى من الطبقة المتوسطة لشدة غلاء أسعار العقارات والأراضي

إذا زار أحدكم الخرطوم من قبل، فلربما هو على دراية أنه في الماضي القريب كان من السهولة أن يعثر شخص عابر على منزل فسيح، يلقي فيها متاعبه، ولم يكن ثمة ما يمنع أسرة متوسطة الحال من شراء قطعة أرض وتشييد بناء عليها في وسط العاصمة، دون أن تترتب على ذلك متاعب مالية مستقبلًا، لكن ما كان طبيعيًا قبل سنوات قليلة، أصبح اليوم شبه مستحيل لنفس الأسرة.

اقرأ/ي أيضًا: من يقف وراء الأزمة الاقتصادية في السودان؟

مفارقة الأرض الفسيحة

لوهلة قد يظن كل من يصطدم بالواقع الجديد، أن هنالك مشكلة في الأراضي، وندرة في العقارات، مع تدفق المهاجرين والسياح من كل مكان، أو أن السودانيين أصبحوا فجأة أثرياء لا يهمهم لو تطابقت أسعار المباني في الخرطوم مع لندن ونيويورك، لكن المشكلة على غير هذا النحو.

أزمة العقارات في الخرطوم
تدهور العملة السودانية من أسباب الغلاء الفاحش في أسعار العقارات

واللافت في الأمر أن الحكومة لا يبدو أنها قلقة من حالة النمو السكاني مع ضعف خدمات الإسكان، أو أنها ساعية لوضع حدٍ لهذه المفارقة، كون الخرطوم تحتل مساحة 22 ألفًا و122 كيلومتر مربع، ومع ذلك تضيق بأهلها، الذين بلغ تعدادهم نحو سبعة ملايين نسمة وفقاً لإحصاء العام 2008 بينما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن العدد وصل حالياً إلى نحو 10 ملايين تقريبًا.

أزمة تخطيط وتوجيه سكاني

الهجرة من الريف إلى المدينة وركود الاقتصاد، وتركز الإنتاج في الخرطوم؛ هي جملة أسباب جعلت الخرطوم غالية، وتبدو كما لو أن فيها ندرة مساكن، وفقًا لوزير التخطيط العمراني الأسبق شرف الدين بانقا، الذي قال لـ"ألترا صوت"، إن من يملكون الأموال الآن لا يودعونها في البنوك، وإنما يشترون بها العقارات والأراضي والدولار. وهذا سبب كافٍ لارتفاع أسعار الإيجارات والأراضي. 

ولفت بانقا إلى أن كثيرًا من الفنادق والعقارات فارغة وغير مستغلة، لكن أصحابها يفضلون شغلها بأسعار عالية، موضحًا أن المشكلة في العملة السودانية التي تراجعت أمام الدولار، قائلًا: "لو اعتبرنا أن سعر إيجار شقة في الخرطوم خلال شهر واحد ستة آلاف جنيه سوداني، فهي أغلى من راتب موظف في الدرجة الأولى، لكنها في المقابل حوالي 100 دولار، أي 400 ريال سعودي أو 1800 جنيه مصري"، وهذا يعني أن المبلغ عادي بالمقارنة مع أسعار الشقق في مدن مثل القاهرة والرياض.

"أخذت الخرطوم شكل العاصمة المثلثة في التخطيط الذي قام به الإنجليز، لضرورة أمنية"، بحسب الوزير السابق بانقا، الذي أشار إلى أن الإنجليز جعلوا منها سياجًا للحماية، لكنها توسعت بعد ذلك. أما الذي جعلها مرغوبة، فهو "تحولها إلى منطقة إنتاج تستأثر على غالب المصانع والمشاريع الإنتاجية. وأصبح الإنتاج في الخرطوم ضعفي ما هو عليه في الريف، بسبب قطاع الخدمات، ولذلك تركزت فيها عمليات الهجرة، وأضحت الخدمات غالية، بما فيها خدمة السكن"، وهذه من مكامن مشكلة التخطيط وتوجيه حركة السكان. 

محنة كرش الفيل

 خلال الأشهر الماضية شهد سوق العقارات في الخرطوم ارتفاعًا حادًا في الأسعار، وسط قوة شرائية هائلة. وكشفت تقارير صحفية عن ارتفاع أسعار العقارات والأراضي بولاية الخرطوم، بصورة ملحوظة، وسط إقبال من رجال الأعمال والمغتربين المقترين على الشراء. 

وسجلت أسعار الأراضي درجة أولى وسط الخرطوم في مناطق "الصحافة" و"النزهة" و"جبرة"، أسعارًا في حدود خمسة مليارات جنيه لمساحة 500 متر، أي نحو 100 ألف دولار، بينما قفزت أسعار المباني المؤسسة لأربعة طوابق بأحياء الدرجة الأولى من سبعة ملايين جنيه في بداية 2018 إلى تسعة ملايين جنيه حاليًا.

أزمة العقارات في الخرطوم
تبلغ أسعار العقارات في بعض المناطق بالخرطوم 5 مليارات جنيه 

أسعار الأرضي وشقق التمليك متغيرة كل يوم إذًا، ولم تنخفض منذ زمنٍ طويل، فضلًا عن أن الحكومة أوقفت الخطط الإسكانية وتوسعت العاصمة في مدنها الثلاثة الخرطوم وأم درمان وبحري، إلى درجة التهمت أجزاءً من ولايات مجاورة، حتى أنها، وقبل ذلك أيضًا، أطلق عليها اسم "كرش الفيل"، ربما لأن اتسعت وترهلت كثيرًا!

العقارات ما بين الخرطوم ولندن

المهندس سالم الأمين، طرح سؤالًا عبر فيسبوك: "هل فعلًا أسعار العقارات في الخرطوم أغلى من لندن؟"، ومضى يفند هذا الانطباع بالإشارة إلى ضرورة إخضاع السؤال لمقياس محدد مسبقًا، فإذا كان السؤال يعني بالقيمة السعرية المطلقة للعقارات، فالإجابة مؤكدٌ هي لا، لأن العقارات في لندن تعتبر الأعلى ارتفاعًا.

وعندما حاول سالم استخدام مؤشر بلوميبرغ في تحديد سعر العقار في الخرطوم، وجد أن الفارق كبير جدًا ما بين متوسط دخل الفرد الشهري، وما بين قيمة العقار، مفترضًا أن قيمة عقار يتكون من ثلاثة غرف وصالة، في ضاحية النصر شرق الخرطوم مثلًا، يساوي 100 ألف دولار تقريبًا، وبافتراض أن متوسط مرتبات السودانيين يتراوح بين أربعة إلى خمسة آلاف جنيه تقريبًا، أي في متوسط 100 دولار، وعليه فإن المواطن يحتاج إلى دفع كامل راتبه لمدة ألف شهر كي يستطيع شراء هذا العقار، أي ما يساوي 85 عامًا! 

وإذا دفع نصف راتبه شهريًا فسيحتاج إلى ما يقارب 200 عام ليسدد قيمة العقار. وهذا يعني أن قيمة القطعة تساري معدلًا يتجاوز 1300%، وهو الأعلى ربما على مستوى العالم. 

البيوت خزينة للأموال

حاول سالم الأمين في حديث لـ"ألترا صوت"، أن يعدد جملة من الأسباب لهذا الغلاء الفاحش، فأشار إلى أن منها أن المباني أصبحت عبارة عن سلعة تجارية وخزينة لحفظ الأموال. 

ولفت سالم إلى أن ارتفاع أسعار الأراضي في الخرطوم، بدأ بصورة واضحة بعد عام 2000، وبالأصح بعد استخراج النفط، وهو تاريخ ظهور طبقة من الأثرياء الذين توفرت لديهم أموال مع ضعف إمكانياتهم الثقافية والذهنية، ولذلك لجؤوا للاستثمار السهل في شراء الأراضي والعقارات بأسعار عالية، وكانوا أيضًا عرضة لجشع السماسرة. 

وحمّل سالم السماسرة جانبًا كبيرًا من المسؤولية باستغلال المغتربين والأثرياء الجدد من المعدنيين وتجار الذهب ومنسوبي الحركات المتمردة الذين انضموا للحكومة، وحصلوا على أموال هائلة؛ دفقوها كلها في سوق العقارات بوصفه المجال الآمن لحفظ الأموال. 

أزمة العقارات في الخرطوم
الاستثمار في الأراضي والعقارات "استثمار جبان"

أمّا العامل الأكثر خطورة، فهو غسيل الأموال؛ حيث أصبح السودان خلال الألفية الثانية مركزًا لغسيل الأموال من عديد الواجهات المشبوهة. ومعظم تلك الأموال تأتي للخرطوم وتدخل الدورة المالية عن طريق العقارات، ما تسبب في ارتفاع أسعارها، على حد قول سالم الأمين.

"الاستثمار الجبان"

ثمن وجبة في المطعم أغلى منها إذا ما أعددتها في المنزل. وسبب هذا بسيط، إذ يضاف إليها في المطعم ثمن الخدمات المقدمة من مكان وضيافة وضرائب وغيرها"، يقول الكاتب والناشط السياسي عامر الحاج، مضيفًا لـ"ألترا صوت": "كذلك أسعار الأراضي والبيوت في الخرطوم، شراءً وإيجارًا، فإنها يضاف إليها قيمة خدمات الأمن والصحة والتعليم المفقودة في الولايات، وليست الجيدة أيضًا في الخرطوم".

ووصف عامر الحاج الاستثمار في الأراضي والعقارات بأنه "استثمار جبان"، كونه ليس إلا حفظًا للمال بشكل آمن، بعيدًا عن المخاطر التقليدية للاستثمارات الإنتاجية أو حتى الخدمية الأخرى.

ويشير الحاج كذلك إلى أن عدم الاستقرار الاقتصادي الذي يعانيه السودان هو سبب من أسباب اللجوء إلى هذا الاستثمار الآمن، أو "الجبان" بتعبيره، كما يلعب الفساد هنا دوره في التغيرات الاقتصادية المتتالية من عدم استقرار لسعر صرف الدولار وتدهور قيمة الجنيه بوتيزة مزعجة، إضافة للرسوم والجبايات العشوائية.

يتجاوز معدل الفرق بين متوسط المرتبات في السودان وأسعار العقارات 1300%، وهو الأعلى ربما في العالم!

أما وجوه أزمة السكن، فهي كما عددها الحاج: "سوء توزيع الخدمات وضعف قطاع النقل والترحيل، والأمن"، مؤكدًا أنه لا توجد في الخرطوم ندرة أراضٍ غير مبنية أو منازل و شقق للإيجار، وإنما هي أكثر من حاجة الناس الفعلية. وأشار الحاج إلى أن كثير منها خالٍ بسبب القيمة المرتفعة التي يطلبها أصحابها، بما هو ضد منطق العرض والطلب. ولكن مع منطق التخوف من تدهور قيمة العملة المحلية، أضحت عروض بيع الشقق السكنية فوق ذلك بالدولار!

 

اقرأ/ي أيضًا:

وفرة المعدن النفيس والفقر.. عن حيل تهريب الذهب السوداني

صيد العقارب في السودان.. رحلة البحث عن الكنوز القاتلة