كيف أثرت الحرب على استثمارات الذكاء الاصطناعي في الخليج؟
17 مارس 2026
دخلت شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة مرحلة جديدة من المخاطر في الشرق الأوسط، بعد أن تحولت البنية التحتية الرقمية التي بنتها في الخليج خلال السنوات الأخيرة إلى أهداف محتملة في الحرب الدائرة مع إيران. فالمشروعات التي صُممت لتكون ركيزة لاقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي أصبحت فجأة جزءًا من معادلة الصراع الجيوسياسي في المنطقة.
الخليج مركزًا للتكنولوجيا العالمية
وحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، فخلال السنوات الماضية، اندفعت شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى نحو دول الخليج، مستفيدة من الاستقرار النسبي ورؤوس الأموال الضخمة والطاقة الرخيصة. وقد تحولت المنطقة تدريجيًا إلى مركز مهم لبناء مراكز البيانات اللازمة لتطوير وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية.
قللت شركات التكنولوجيا من تقدير المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، وهو أمر اعتادت عليه قطاعات مثل النفط، لكن الحرب الحالية تمثل تجربة جديدة لصناعة الذكاء الاصطناعي
كانت البداية عام 2019 عندما أنشأت "أمازون" أول مركز بيانات لها في البحرين. وبعد ثلاث سنوات توسعت الشركة إلى الإمارات العربية المتحدة، قبل أن تعلن في عام 2024 عن مشاريع جديدة في السعودية تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار.
هذه الاستثمارات كانت جزءًا من سباق عالمي للهيمنة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تسعى الحكومات الخليجية إلى بناء اقتصاد رقمي متقدم وجذب الشركات الكبرى لتطوير البنية التحتية التقنية في المنطقة.
شركات التكنولوجيا تتدفق إلى المنطقة
لم تكن أمازون وحدها في هذا التوجه، فقد اتجهت شركات مثل غوغل ومايكروسوفت وأوبين إيه آي إلى بناء حضور قوي في الخليج. وقد جذبت المنطقة هذه الشركات بفضل موقعها الجغرافي الذي يوفر اتصالًا سريعًا بالإنترنت بين أوروبا وأفريقيا وآسيا، إلى جانب الأسواق الرقمية سريعة النمو.
وتظهر الأرقام حجم هذا التوسع، إذ بلغ الإنفاق على التكنولوجيا في الشرق الأوسط نحو 65 مليار دولار العام الماضي، مقارنة بـ36 مليار دولار فقط في عام 2020. كما ارتفع الإنفاق على مراكز البيانات والخدمات السحابية بنسبة 75% خلال عام واحد ليصل إلى نحو 895 مليون دولار.
الحرب تغيّر الحسابات
لكن العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران، وما تبعه من اعتداءات إيرانية على دول الخليج، قلب هذه الحسابات. ففي الأول من آذار/مارس، تسببت طائرات مسيّرة إيرانية في إلحاق أضرار بمركز بيانات تابع لأمازون في البحرين، كما استهدفت مركزين آخرين في الإمارات.
الهجوم أدى إلى تعطيل خدمات رقمية لعدد من الشركات في المنطقة، حيث فقدت بعض المؤسسات الوصول إلى خوادمها وبياناتها المخزنة على السحابة. هذا التطور كشف هشاشة البنية الرقمية في مناطق التوتر، وأظهر أن مراكز البيانات يمكن أن تصبح أهدافًا استراتيجية في الحروب الحديثة.
تهديدات مباشرة لشركات أميركية
تصاعدت المخاوف أكثر بعد أن هددت إيران بتوسيع هجماتها ضد ما وصفته بـ"البنية التحتية التكنولوجية المعادية". وشملت قائمة الشركات التي قد تصبح أهدافًا سبع شركات أميركية كبرى مثل: أمازون، مايكروسوفت، غوغل، بالانتير تيكنولوجيز، إنفيديا، آي بي إم، وأوراكل. كما زاد القلق بعد تصريحات المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، والذي ألمح إلى احتمال فتح "جبهات أخرى" في الصراع.
استثمارات ضخمة في مهب المخاطر
الهجمات والتهديدات الجديدة وضعت مليارات الدولارات من الاستثمارات التقنية موضع تساؤل، خصوصًا أن هذه المشروعات كانت جزءًا من استراتيجية مدعومة سياسيًا لتعزيز التفوق الأميركي في سباق الذكاء الاصطناعي. فخلال السنوات الماضية، شجعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشركات على تعزيز وجودها في الخليج وعقد شراكات مع الحكومات هناك.
لكن الحرب التي اندلعت لاحقًا جعلت هذه الاستراتيجية تبدو أكثر خطورة، بعدما تحولت البنية التحتية الرقمية إلى نقاط ضعف يمكن استهدافها بسهولة.
شركات تتعلم دروس الجغرافيا السياسية
يرى خبراء لصحيفة "نيويورك تايمز" أن شركات التكنولوجيا اكتشفت فجأة تحديات طالما واجهتها قطاعات أخرى مثل النفط والبنوك، التي اعتادت العمل في مناطق ذات مخاطر جيوسياسية مرتفعة. ويؤكد مختصون أن المستثمرين غير المرتبطين بقطاع الطاقة في الخليج، ومن بينهم شركات التكنولوجيا، قللوا من تقدير هذه المخاطر قبل اندلاع الحرب.
كما أظهرت الأزمة أن مراكز البيانات أصبحت نوعًا جديدًا من "البنية التحتية الحيوية"، ما يجعلها أهدافًا جذابة في النزاعات المسلحة.
ولا تقتصر تداعيات الحرب على الهجمات المباشرة، فمن المتوقع أن تواجه صناعة التكنولوجيا آثارًا أوسع تشمل اضطراب سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع أسعار الغاز الطبيعي اللازم لتشغيل مراكز البيانات، وزيادة أسعار المواد الأساسية مثل الألمنيوم والبلاستيك المستخدمة في تصنيع المكونات الإلكترونية. كل ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة تطوير البنية التحتية الرقمية حول العالم.
ويرى محللون أن مستقبل الاستثمارات التقنية في الخليج سيتوقف إلى حد كبير على مدة الحرب ونتائجها السياسية. فإذا انتهت الحرب سريعًا، قد تستعيد المنطقة جاذبيتها الاستثمارية بسرعة. أما إذا استمر لفترة طويلة، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة تقييم شاملة لموقع الشرق الأوسط في خريطة التكنولوجيا العالمية.
وفي جميع الأحوال، كشفت الأزمة الحالية أن البنية التحتية الرقمية لم تعد مجرد مشاريع اقتصادية، بل أصبحت عنصرًا رئيسيًا في الصراعات الجيوسياسية المعاصرة، حيث يمكن أن تتحول مراكز البيانات وشبكات الإنترنت إلى أهداف استراتيجية في الحروب الحديثة.