كيف أبطأت سياسات ترامب نهضة مصانع السيارات الكهربائية في أميركا؟
16 سبتمبر 2026
كانت الولايات المتحدة تراهن خلال السنوات الماضية على السيارات الكهربائية لإعادة تنشيط قطاعها الصناعي، عبر استثمارات ضخمة في مصانع البطاريات والسيارات ومكونات الطاقة النظيفة، ولا سيما في ولايات وسط البلاد. لكن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض غيّرت مسار هذه الاستثمارات، بعدما تبنت إدارته سلسلة من السياسات التي قلّصت الحوافز الموجهة إلى السيارات الكهربائية وأعادت التركيز على السيارات العاملة بالوقود الأحفوري.
وبحسب تحقيق لوكالة "رويترز"، أدت هذه التحولات إلى تعطيل أو إلغاء عدد من مشاريع مصانع السيارات والبطاريات التي كان يُنظر إليها بوصفها جزءًا من نهضة صناعية جديدة في قلب الولايات المتحدة. وكانت منطقة تمتد عبر ولايات عدة، وأطلق عليها اسم "حزام البطاريات"، قد جذبت مليارات الدولارات من الاستثمارات خلال السنوات الأخيرة، مع توقعات بإيجاد عشرات آلاف الوظائف المرتبطة بالسيارات الكهربائية وسلاسل توريدها.
ومن أبرز التغييرات إلغاء الائتمان الضريبي الفيدرالي البالغ 7500 دولار لمشتري السيارات الكهربائية في عام 2025. وكان هذا الحافز أحد الأدوات الأساسية التي استخدمتها واشنطن لتشجيع المستهلكين على شراء السيارات الكهربائية، وبالتالي خلق طلب يدعم التوسع في إنتاجها محليًا. ومع اختفاء الحافز، تراجعت جاذبية السيارات الكهربائية أمام المستهلكين، ما انعكس على خطط الشركات ومصانعها.
التراجع الأميركي عن دعم صناعة السيارات الكهربائية قد يجعل الشركات الأميركية أقل قدرة على المنافسة في سوق عالمية تتجه نحو مزيد من الاعتماد على التكنولوجيا الكهربائية
وتظهر مدينة لوردزتاون في ولاية أوهايو إحدى أبرز نتائج هذا التحول. فقد كانت المنطقة تُقدَّم نموذجًا لما يمكن أن تفعله صناعة السيارات الكهربائية في إعادة إحياء مجتمعات صناعية فقدت جزءًا كبيرًا من وظائفها التقليدية. إلا أن مصنعًا مرتبطًا بالتحول إلى السيارات الكهربائية أصبح لاحقًا رمزًا للانتكاسة التي أصابت هذا المسار، مع تراجع الطلب وتعثر المشاريع.
ولا يقتصر التحول على الحوافز الضريبية. فسياسات الإدارة الأميركية شملت أيضًا التراجع عن عدد من القواعد المتعلقة بالانبعاثات، إلى جانب توجه أوسع لدعم الوقود الأحفوري. وبالنسبة إلى شركات صناعة السيارات، يعني تخفيف القيود البيئية انخفاض الضغوط التنظيمية التي كانت تدفعها إلى زيادة إنتاج السيارات الكهربائية والهجينة وتطوير تقنيات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود.
وفي الوقت نفسه، واجهت الشركات العاملة في القطاع تكاليف إضافية مرتبطة بالتجارة وسلاسل الإمداد. ويشير تحقيق "رويترز" إلى أن الرسوم الجمركية على بعض المواد المستخدمة في صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات، إلى جانب سياسات الهجرة الأكثر تشددًا، أضافت مزيدًا من الضغوط على المشاريع الصناعية. وتحتاج مصانع البطاريات والسيارات إلى استثمارات ضخمة وقوى عاملة متخصصة، ما يجعل أي ارتفاع في تكاليف المدخلات أو صعوبة في تأمين العمالة عاملًا مؤثرًا في قرارات الاستثمار.
شركات السيارات تعيد حساباتها
انعكست هذه البيئة الجديدة على أكبر شركات صناعة السيارات الأميركية. فبدلًا من مواصلة التوسع السريع في السيارات الكهربائية كما كان متوقعًا خلال السنوات السابقة، أعادت شركات مثل "جنرال موتورز" و"فورد" و"ستيلانتس" النظر في خططها، واتجه بعضها إلى تأجيل أو إلغاء مشاريع كهربائية أو تحويل بعض المنشآت نحو إنتاج السيارات التقليدية.
ويكشف هذا التحول عن مدى ارتباط الاستثمار الصناعي بالسياسة الحكومية. فمشاريع السيارات الكهربائية تحتاج إلى سنوات ومليارات الدولارات قبل أن تبدأ بتحقيق عوائدها، ولذلك تعتمد الشركات عند اتخاذ قراراتها على توقعات طويلة الأجل بشأن الطلب، وأسعار الطاقة، والقواعد التنظيمية، والحوافز الحكومية. وعندما تتغير هذه العناصر بسرعة، تصبح المشاريع التي بدت مربحة قبل سنوات أقل جاذبية.
وكانت إدارة الرئيس السابق جو بايدن قد جعلت تصنيع السيارات الكهربائية والبطاريات جزءًا أساسيًا من استراتيجيتها لإعادة بناء الصناعة الأميركية، وربطت ذلك أيضًا بتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الأجنبية، خصوصًا في قطاع البطاريات والمعادن الحيوية. أما إدارة ترامب، فاتخذت اتجاهًا مختلفًا يركز بدرجة أكبر على الوقود الأحفوري وتقليص القيود التنظيمية والحوافز المخصصة للتحول الكهربائي.
ضربة للوظائف والاستثمارات
كانت الرهانات على قطاع السيارات الكهربائية تتجاوز مجرد بيع السيارات. فالمصانع الجديدة كانت تستهدف إنشاء منظومة صناعية متكاملة تشمل البطاريات وأشباه الموصلات والمكونات الكهربائية والمعادن ومعالجة المواد الخام والنقل والخدمات المرتبطة بها.
ولهذا، فإن إلغاء أو تأجيل مصنع واحد لا يعني فقدان الوظائف المرتبطة به فقط، بل يمكن أن ينعكس على سلسلة واسعة من الموردين والشركات المحلية. ويشير تحقيق "رويترز" إلى أن عشرات آلاف الوظائف أصبحت مهددة أو فقدت بالفعل نتيجة إلغاء وتأجيل مشاريع مرتبطة بالسيارات الكهربائية في أنحاء مختلفة من البلاد.
وتحاول بعض الشركات إيجاد استخدامات بديلة للمصانع التي بنيت لخدمة سوق السيارات الكهربائية. ومن بين الخيارات المطروحة إنتاج أنظمة تخزين الطاقة، وهي سوق تشهد نموًا بفعل توسع مصادر الطاقة المتجددة ومراكز البيانات والحاجة إلى شبكات كهرباء أكثر مرونة. لكن هذا التحول لا يضمن بالضرورة تعويض الوظائف والاستثمارات التي كان يمكن أن يوفرها قطاع السيارات الكهربائية.
المنافسة مع الصين وأوروبا
لا تتعلق القضية بالسوق الأميركية وحدها، فالتحول العالمي نحو السيارات الكهربائية أصبح جزءًا من منافسة صناعية وتكنولوجية أوسع، وتُعد الصين حاليًا من أبرز القوى في هذا القطاع، سواء على مستوى تصنيع السيارات أو البطاريات وسلاسل التوريد.
ويرى محللون تحدثت إليهم "رويترز" أن التراجع الأميركي عن دعم صناعة السيارات الكهربائية قد يجعل الشركات الأميركية أقل قدرة على المنافسة في سوق عالمية تتجه نحو مزيد من الاعتماد على التكنولوجيا الكهربائية. كما أن إبطاء الاستثمار في المصانع والبطاريات يمكن أن يترك الولايات المتحدة في موقع أقل تقدمًا في مواجهة الصين وأوروبا، حيث تستمر الحكومات والشركات في الاستثمار في تقنيات النقل الكهربائي.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تتزايد فيه أهمية الكهرباء ليس فقط بالنسبة إلى السيارات، وإنما لقطاعات صناعية جديدة مثل مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. وتشير "رويترز" في تقرير منفصل إلى أن القدرة على إنتاج كهرباء رخيصة وقابلة للتوسع أصبحت عاملًا متزايد الأهمية في المنافسة الصناعية العالمية، مع ارتفاع الطلب من السيارات الكهربائية ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية.
من "نهضة صناعية" إلى إعادة ترتيب الأولويات
خلال السنوات الماضية، كانت واشنطن تستخدم الإعانات والحوافز والقواعد البيئية لتوجيه رأس المال نحو الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، على أمل الجمع بين خفض الانبعاثات وإعادة الوظائف الصناعية إلى مناطق أميركية فقدت جزءًا كبيرًا من قاعدتها التصنيعية.
أما في عهد ترامب، فقد تغيرت الأولويات، وأصبح دعم إنتاج النفط والغاز وتخفيف القيود البيئية وتقليص الحوافز المخصصة للسيارات الكهربائية جزءًا من سياسة اقتصادية مختلفة.
وبحسب تحقيق "رويترز"، لم يؤد هذا التغيير إلى توقف صناعة السيارات الكهربائية الأميركية بالكامل، لكنه أضعف الزخم الذي كانت تتمتع به، وأجبر شركات السيارات والمستثمرين على إعادة تقييم مشاريع بمليارات الدولارات.