"كوليج دو فرانس" إذ ينقلب على نفسه
11 نوفمبر 2025
أن يلغي "كوليج دو فرانس"، أحد أعرق المعاهد الأكاديمية في العالم، مؤتمرًا عن فلسطين مع المركز العربي للأبحاث تحت ضغط لوبيات يمينية وإسرائيلية، فهذا خبر يستحق التوقف. ليس فقط لأن الأمر يحدث في فرنسا التي تبجحت طوال عقود بحرية التعبير والتفكير، خاصة عندما يتعلق الأمر بـ"الآخرين"، وليس فقط لأن القرار "يهدد استقلال مؤسسة عريقة تأسست قبل أكثر من أربعة قرون، واحتضنت أبرز رموز الفكر الفرنسي"، كما وضح بيان صادر عن المركز العربي وكرسي التاريخ المعاصر للعالم العربي في المعهد. لكن ما يستحق التوقف طويلًا عنده أيضًا، هو مبررات وزير التعليم العالي والبحث العلمي فيليب باتيست لإلغاء المؤتمر، وبيان المعهد الذي، في صورة ساخرة، دافع عن حرية التعبير في خضم إعلانه قرارًا غير مسبوق يقوضها.
في بيانها الذي أعلنت فيه إلغاء المؤتمر، أكدت إدارة كوليج دو فرانس أهمية حرية التعبير وتنظيم الفعاليات، وكذلك فعل وزير التعليم العالي والبحث الفرنسي، فيليب باتيست، في احتفائه بإلغاء المؤتمر، حيث أكد ضرورة "الدفاع عن الحرية الأكاديمية" الذي يعني الدفاع عن "نقاش حرّ ومحترم وتعددي". وفي دفاعه عن حرية النقاش وتعدده، كان يعلن عن نجاح حملة خاضها من أجل فرض رؤية واحدة، هي رؤية اللوبيات الإسرائيلية ضد المؤتمر وضد المركز العربي للأبحاث.
ليست فرنسا اسثتاء، فقد كشفت فلسطين في سنتين عن طبقات من البلاغة الفارغة في الأكاديميا الغربية، التي تحتفي بحرية التفكير عندما يكون ذلك مناسبًا، وعندما لا تضع حرية البحث الانحيازات العميقة تحت التساؤل
حملة الوزير التي تستند إلى مقالات شعبوية وضغوط مال سياسي رخيصة، وبروبغاندا صهيونية بدائية، لم تكتف بالاتهامات السياسية، بل شككت بالكفاءة العلمية لأعرق المؤسسات الأكاديمية الفرنسية، وحرضت على أحد أهم المراكز البحثية في المنطقة (أو ربما ما سيفضل الوزير تسميته "الشرق الأوسط") الذي أنجز في العقد الأخير ما لم يُنجز عبر عقود في المعرفة العربية. وإن كان الوزير لا يعرف عن "الشرق الأوسط" أو المركز العربي سوى ما يحتاج إليه في حملات التحريض العنصرية، فأن يجهل بمكانة أحد أهم المعاهد الفرنسية، وبالنقاشات حول حرية التفكير والبحث العلمي وعلاقة السلطة بالمعرفة التي جرت في أروقته لعقود، فهذا مستوى آخر من الجهالة.
ليست فرنسا استثناء، فقد كشفت فلسطين في سنتين عن طبقات من البلاغة الفارغة في الأكاديميا الغربية، التي تحتفي بحرية التفكير عندما يكون ذلك مناسبًا، وعندما لا تضع حرية البحث الانحيازات العميقة في التقاليد المعرفية تحت التساؤل. إنها "حرية أسئلتنا نحن" وليست حرية أسئلة الآخرين، هذا ببساطة وأسى. لكن أن يخضع واحد من أهم منصات الفكر النقدي في فرنسا والعالم لهذا الابتزاز، فهو أمر لا يمكن أخذه بتهاون. إذا كان للبحث أن يكون ذا أهمية، أن يُسائل فعلًا، وأن يُوسّع آفاق المعرفة، وهي كلها شعارات رفعتها المؤسسة المرموقة، فمن غير المفهوم كيف يمكن نزع الشرعية عن مسارات بحثية كاملة قبل أن تبدأ، وانتقاد علمية أبحاث لم تقدم بعد.
يا لها من مفارقة قاسية، أن أبرز المحاضرين في تاريخ المعهد، مثل عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، كانوا قد جادلوا مرارًا في أروقة المعهد نفسه أن السلطة السياسية تسعى دائمًا إلى تحديد ما هو علمي وما يستحق البحث. اليوم، يجعل المعهد هذه المجادلة أسهل للإثبات، لكن هذه المرة واقفًا في صف السلطة لا في صف المعرفة. كما يتساءل البيان الصادر عن المركز العربي، "منذ متى صارت السلطة السياسية تقرر بدلًا من مؤسسات البحث ما هو علمي وما هو ليس كذلك؟". ربما تكون الإجابة مختصرة: عندما يصبح مقال شعبوي في صحيفة "لو بوان" أهم من قرون من البحث العلمي.







