كولومبيا تنحني للضغوط.. كيف تُعيد إدارة ترامب رسم حدود حرية التعبير داخل الجامعات الأميركية؟
24 يوليو 2025
أعلنت جامعة كولومبيا، الأربعاء، أنها توصلت إلى اتفاق مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدفع أكثر من 220 مليون دولار للحكومة الفيدرالية، بهدف استعادة تمويل الأبحاث الذي أُلغي سابقًا بذريعة مكافحة ما تصفه الإدارة بـ"معاداة السامية" داخل الحرم الجامعي.
وتقضي التسوية بأن تدفع كولومبيا 200 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات، يُضاف إليها مبلغ 21 مليون دولار بسبب ادعاءات بانتهاكات للحقوق المدنية ضد موظفين يهود، وقعت بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، بحسب بيان صادر عن البيت الأبيض.
من جهتها، قالت رئيسة جامعة كولومبيا بالإنابة، كلير شيبمان، إن الاتفاق "يمثل خطوة مهمة إلى الأمام بعد فترة من التدقيق الفيدرالي المستمر وعدم اليقين المؤسسي". وأضافت أن "هذه التسوية صُممت بعناية لحماية القيم التي تُعرّفنا، ولتمكين شراكتنا البحثية الأساسية مع الحكومة الفيدرالية من العودة إلى مسارها الصحيح".
وأشارت إلى أن الجامعة ستستعيد استقلاليتها في عمليات استقطاب الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، وفي اتخاذ القرارات الداخلية. كما أوضحت أن كولومبيا ستتمكن من استعادة الجزء الأكبر من تمويلها الفيدرالي، الذي ألغته الإدارة الأميركية في آذار/مارس 2025.
تقضي التسوية بأن تدفع كولومبيا 200 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات، يُضاف إليها مبلغ 21 مليون دولار بسبب ادعاءات بانتهاكات للحقوق المدنية ضد موظفين يهود
وكانت الجامعة قد واجهت تهديدًا بخسارة دعم فيدرالي بمليارات الدولارات، بما في ذلك إلغاء أكثر من 400 مليون دولار من المنح في وقت سابق من هذا العام. وقد سحبت الإدارة الأميركية التمويل بدعوى تقصير الجامعة في التصدي لما وصفته بـ"معاداة السامية" خلال المظاهرات المناهضة للعدوان الإسرائيلي على غزة.
إصلاحات مثيرة للجدل ضمن الاتفاق
وافقت جامعة كولومبيا على مجموعة من الشروط التي فرضتها الإدارة الجمهورية، من بينها إصلاح نظام الانضباط الطلابي، وتطبيق تعريف فدرالي مثير للجدل لـ"معاداة السامية"، لا يقتصر على البرامج التعليمية، بل يشمل أيضًا لجنة تأديبية تحقق مع طلاب وجّهوا انتقادات لإسرائيل.
الاتفاق، الذي أُعلن عنه أمس الأربعاء، لا يتضمن اعترافًا بالذنب، لكنه يضفي الطابع الرسمي على هذه الإصلاحات مع الحفاظ على استقلالية الجامعة، بحسب شيبمان.
إدارة ترامب: "إصلاحات كولومبيا نموذج يُحتذى"
من جهتها، قالت وزيرة التعليم الأميركية، ليندا ماكماهون، إن الاتفاق يمثل "تحولًا جذريًا في معركتنا الوطنية لمحاسبة المؤسسات التي تتلقى أموال دافعي الضرائب الأميركيين على ممارسات التمييز المعادي للسامية"، على حد تعبيرها.
وأضافت: "تشكل إصلاحات كولومبيا خارطة طريق للجامعات النخبوية التي تسعى لاستعادة ثقة الرأي العام الأميركي، من خلال تجديد التزامها بالحقيقة والاستحقاق والنقاش المدني".
وبموجب الاتفاق، وافقت الجامعة على سلسلة تغييرات أُعلنت في آذار/مارس، تشمل مراجعة منهج دراسات الشرق الأوسط لضمان كونه "شاملًا ومتوازنًا"، وتعيين أعضاء هيئة تدريس جدد في معهد دراسات إسرائيل والدراسات اليهودية. كما تعهدت بإنهاء البرامج التي "تروّج لجهود غير قانونية لتحقيق نتائج قائمة على العرق أو الحصص أو أهداف التنوع".
وسيتعين على الجامعة إصدار تقارير دورية لمراقب مستقل يؤكد فيها أن برامجها "لا تروّج لأهداف غير قانونية تتعلق بالتنوع والعدالة والشمول".
"ستكون ضمن ما هو قادم"
من جانبه، عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن سعادته بالتوصل إلى ما وصفه بـ"الاتفاق التاريخي"، وكتب على منصته "تروث سوشيال": "جامعة كولومبيا تعهدت بإنهاء سياساتها السخيفة الخاصة بالتنوع والاندماج، واعتماد القبول بناءً على الجدارة فقط، وضمان الحريات المدنية لطلابها داخل الحرم الجامعي".
وفي تهديد مبطن، حذر ترامب من أن "العديد من مؤسسات التعليم العالي الأخرى التي ارتكبت تجاوزات وصرفت أموالًا فدرالية بشكل غير عادل ستكون ضمن ما هو قادم".
وختم بالقول: "إنه لشرف كبير أن أكون جزءًا من هذا، وأود أن أشكر الوزيرة ليندا ماكماهون وكل من عمل معنا على هذه الاتفاقية المهمة. كما أود أن أشيد بجامعة كولومبيا لموافقتها على القيام بما هو صائب. أتطلع إلى رؤية الجامعة تحقق مستقبلًا عظيمًا، وربما أعظم من أي وقت مضى!".
قمع الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين
يأتي هذا الاتفاق بعد أشهر من المفاوضات مع الجامعة العريقة التي يزيد عمرها على 270 عامًا. وكانت جامعة كولومبيا من أوائل الجامعات المستهدفة في حملة ترامب ضد الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين داخل الجامعات الأميركية، وضد المؤسسات التي تدعي أنها "سمحت بتهديد الطلاب اليهود والتحرش بهم".
وقد توصلت لجنة خاصة بمكافحة "معاداة السامية" داخل الجامعة، في صيف 2024، إلى أن "بعض الطلاب اليهود تعرّضوا لإهانات لفظية وتهميش وإذلال خلال احتجاجات ربيع العام ذاته".
لكن في المقابل، شارك طلاب يهود أيضًا في تلك الاحتجاجات، وأكد منظموها أنهم لا يستهدفون اليهود، بل يعارضون سياسات الحكومة الإسرائيلية وحربها على غزة.
وأقرت إدارة الجامعة، التي شهدت تناوب ثلاثة رؤساء مؤقتين خلال عام واحد، بوجود حاجة لتغيير جذري في مناخ الحرم الجامعي.
الطلاب الأجانب تحت المجهر
تضمّن الاتفاق التزام كولومبيا بتوجيه أسئلة إضافية للطلاب الأجانب المتقدمين للدراسة، تهدف إلى معرفة أسباب رغبتهم في الدراسة بالولايات المتحدة، مع فرض إجراءات لضمان التزام جميع الطلاب بـ"النقاش المدني".
كما تعهدت الجامعة بتقديم معلومات – عند الطلب – للحكومة الأميركية بشأن الإجراءات التأديبية بحق الطلاب الأجانب الحاصلين على تأشيرات دراسية، سواء أدت هذه الإجراءات إلى التوقيف أو الطرد.
وكانت الجامعة قد فرضت هذا الأسبوع عقوبات جماعية على نحو 80 طالبًا، شملت الطرد وسحب الشهادات الجامعية، على خلفية مشاركتهم في مظاهرة مؤيدة لفلسطين داخل المكتبة الرئيسية، وكذلك اعتصام نُظّم خلال فعالية "أسبوع الخريجين" العام الماضي.
من التمويل إلى الرقابة: مسار الضغط على الجامعات
بدأ الضغط على كولومبيا بتجميد التمويل الفيدرالي، ثم جاء اعتقال الطالب الفلسطيني محمود خليل، وهو طالب دراسات عليا سابق شارك في الاحتجاجات المناهضة للحرب على غزة، ليكون أول شخص يُحتجز ضمن حملة إدارة ترامب لترحيل نشطاء مؤيدين لفلسطين من الطلاب الأجانب.
وتُعد كولومبيا حالة اختبار مبكرة لاستراتيجية ترامب التي تسعى إلى فرض رقابة صارمة على الجامعات الأميركية، التي يعتبرها الرئيس الجمهوري معاقل للفكر الليبرالي.
وتستخدم الإدارة الأميركية التمويل الفيدرالي للأبحاث كأداة رئيسية لإعادة تشكيل التعليم العالي في البلاد. فقد تم تجميد أكثر من 2 مليار دولار لجامعات مثل كورنيل ونورثويسترن وبراون وبرينستون.
وفي آذار/مارس الماضي، سحبت الإدارة الأميركية 175 مليون دولار من جامعة بنسلفانيا بسبب خلاف بشأن رياضة السيدات، لكنها أعادت التمويل بعد موافقة الجامعة على مراجعة سجلات السباحة المتحولة جنسيًا ليا توماس وتعديل سياساتها.
وشملت الحملة أيضًا جامعات حكومية، إذ أعلن رئيس جامعة فيرجينيا، جيمس راين، استقالته في حزيران/يونيو الماضي، تحت ضغط من تحقيق فدرالي في سياسات التنوع، فيما فُتح تحقيق مماثل هذا الشهر في جامعة جورج ميسون.
تستخدم الإدارة الأميركية التمويل الفيدرالي للأبحاث كأداة رئيسية لإعادة تشكيل التعليم العالي في البلاد
تحوّل في علاقة الجامعات بالحكومة الفيدرالية
يعكس الاتفاق بين جامعة كولومبيا وإدارة ترامب ملامح مرحلة جديدة في علاقة الجامعات الأميركية بالحكومة الفيدرالية. لم تعد العلاقة قائمة فقط على الاستقلال الأكاديمي وتمويل البحث العلمي، بل باتت مرهونة بتوازنات سياسية وأيديولوجية متقلبة.
وتُظهر هذه التسوية كيف يمكن للسلطة التنفيذية استخدام أدوات التمويل الفيدرالي لإعادة تشكيل الخطاب الأكاديمي، وفرض أجندة سياسية على مؤسسات التعليم العالي، خصوصًا في قضايا مثيرة للجدل كدعم فلسطين، وتعريف "معاداة السامية"، وسياسات التنوع والعدالة.
وقد أصبحت كولومبيا، التي كانت في طليعة المدافعين عن حرية التعبير والنشاط الطلابي، نموذجًا لكيفية انحناء المؤسسات تحت الضغط السياسي والمالي. وبينما تعتبر إدارة ترامب ما حدث "نصرًا للعدالة"، يرى معارضوها أن الاتفاق يفتح الباب لتقليص الحرية الأكاديمية، وتوسيع رقابة الدولة على الحياة الجامعية.
وفي ظل استمرار الحرب على غزة، وتزايد الاستقطاب داخل الجامعات الأميركية بشأن الموقف من إسرائيل، يبدو أن معركة جامعة كولومبيا لم تكن سوى البداية في صراع أوسع على هوية التعليم العالي في الولايات المتحدة.