كولومبيا تعترف بضم الجولان.. انقلاب اليمين الجديد على إرث بيترو
11 أغسطس 2026
لم يحتج الرئيس الكولومبي الجديد، أبيلاردو دي لا إسبرييلا، إلى أكثر من ثلاثة أيام في الحكم كي يضع بلاده إلى جانب الولايات المتحدة، وفي مواجهة شبه كاملة مع الإجماع الدولي، في واحدة من أكثر قضايا العالم العربي وضوحًا من الناحية القانونية منذ عقود.
فقد أعلنت وزارة الخارجية الكولومبية، الاثنين، اعتراف بوغوتا بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، لتصبح كولومبيا ثاني دولة في العالم تتخذ هذا الموقف بعد الولايات المتحدة، التي اعترفت إدارة دونالد ترامب عام 2019 بضم إسرائيل للمنطقة. وبررت الخارجية الكولومبية قرارها بـ"الأهمية الاستراتيجية" للجولان بالنسبة إلى الدفاع الإسرائيلي، في ظل ما وصفته بعدم الاستقرار المستمر في الشرق الأوسط.
لكن القرار يتجاوز الجولان نفسه. ففي الأيام الأولى من ولايته، بدأ دي لا إسبرييلا إعادة رسم موقع كولومبيا في العالم، وبسرعة تكاد تكون إعلانًا عن قطيعة مع السنوات الأربع التي حكم فيها اليساري غوستافو بيترو.
وقبل قرار الجولان، اعترفت الحكومة الجديدة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية وجمدت علاقاتها مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. والمفارقة التي لاحظتها الصحافة الكولومبية أن الحكومة بررت موقفها من الصحراء الغربية بالاستناد إلى وضعها في الأمم المتحدة، بينما تجاهلت المرجعية الأممية نفسها في حالة الجولان، حيث تعتبر الأمم المتحدة المنطقة أرضًا سورية محتلة.
اعتراف لا يغير وضع الجولان
احتلت إسرائيل معظم مرتفعات الجولان السورية خلال حرب حزيران/يونيو 1967، وفي عام 1981 قررت فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على المنطقة، في خطوة اعتُبرت ضمًا فعليًا.
وفي العام نفسه، أصدر مجلس الأمن القرار 497 بالإجماع، واعتبر فيه القرار الإسرائيلي "باطلًا ولاغيًا وليس له أثر قانوني دولي"، وطالب إسرائيل بالتراجع عنه. ولا تزال الأمم المتحدة تتعامل مع الجولان باعتباره أرضًا سورية محتلة.
وعلى ذلك كله، فإن القرار الكولومبي لا يغيّر الوضع القانوني للجولان، بقدر ما يمثل اعترافًا سياسيًا بالأمر الواقع الذي فرضته إسرائيل بالقوة.
وتكمن غرابة الخطوة الكولومبية بأنها لا تلتحق بموقف دولي آخذ في الاتساع، بل تفعل العكس تمامًا إذ تخرج من إجماع استمر عقودًا لتنضم إلى استثناء صنعه ترامب منفردًا عام 2019. وبذلك تصبح بوغوتا، كما أشارت صحيفة "إل باييس"، ثاني عاصمة فقط بعد واشنطن تعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان.
احتلت إسرائيل معظم مرتفعات الجولان السورية خلال حرب حزيران/يونيو 1967، وفي عام 1981 قررت فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على المنطقة
من بيترو إلى دي لا إسبرييلا
لفهم القرار، لا تكفي العودة إلى الشرق الأوسط، بل ينبغي النظر إلى ما حدث داخل كولومبيا نفسها.
فانتخاب دي لا إسبرييلا مثّل واحدًا من أكبر التحولات السياسية في البلاد منذ وصول بيترو، أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا الحديث، إلى السلطة عام 2022. وفاز المحامي القومي والوافد الجديد إلى السياسة بالرئاسة في حزيران/يونيو الماضي بعد حملة جعلت الأمن والجريمة واستعادة "النظام" محاور أساسية فيها، وسط استياء اجتماعي من الأوضاع الاقتصادية والأمنية.
وكان دي لا إسبرييلا قد أعلن إعجابه بترامب، وتعهد بتقريب بلاده من المبادرات التي تقودها واشنطن. وجاء فوزه أيضًا ضمن موجة أوسع من صعود اليمين في أميركا اللاتينية. لكنه ورث في الوقت نفسه بلدًا منقسمًا سياسيًا وكونغرسًا لا يملك فيه تفويضًا مفتوحًا لتنفيذ كل ما يريده.
لذلك يمكن قراءة السرعة التي بدأ بها تغيير السياسة الخارجية بوصفها جزءًا من رؤية الحكومة الجديدة لنفسها في الداخل أيضًا.
كان بيترو قد جعل كولومبيا خلال حرب غزة واحدة من أكثر دول أميركا اللاتينية انتقادًا للحكومة الإسرائيلية، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل عام 2024. أما دي لا إسبرييلا فيسير في الاتجاه المعاكس، من خلال العمل على استعادة العلاقات مع إسرائيل، وإعادة تصدير الفحم إليها، والتراجع عن خطوات اتخذتها حكومة سلفه، وصولًا إلى الاعتراف بضم الجولان.
ليست المسألة، بهذا المعنى، تعديلًا تقنيًا في السياسة الخارجية. فإسرائيل أصبحت واحدة من الساحات التي يستخدمها العهد الجديد لإظهار المسافة التي تفصله عن بيترو.
إسرائيل بوصفها حليفًا سياسيًا
لم تبدأ هذه العلاقة بعد التنصيب، ففي السادس من آب/أغسطس، أي عشية تولي دي لا إسبرييلا الرئاسة، التقى وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، بالرئيس الكولومبي الجديد. وبعد إعلان الاعتراف بالجولان، سارع ساعر إلى شكره على ما وصفه بـ"القرار التاريخي". وأشارت الصحافة الكولومبية إلى أن القرار جاء بعد لقاءات جرت مع الجانب الإسرائيلي في سياق مراسم انتقال السلطة.
وهكذا تبدو إسرائيل جزءًا من شبكة التحالفات التي يريد الرئيس الجديد أن يعلن من خلالها هوية كولومبيا السياسية الجديدة: أقرب إلى واشنطن، وأكثر انسجامًا مع اليمين الصاعد في أميركا اللاتينية، وأبعد عن المحاور التي حاول بيترو بناء علاقاته معها.
وهذا يجعل قرار الجولان جزءًا من سؤال أوسع حول مقدار الاستقلال الذي ستحتفظ به السياسة الخارجية الكولومبية في عهد دي لا إسبرييلا، ومقدار ما ستتحول فيه إلى امتداد للتحالف السياسي والأيديولوجي مع إدارة ترامب.
أبعد من الجولان
يقدم القرار مؤشرًا مبكرًا إلى الاتجاه الذي قد تسلكه السياسة الخارجية الكولومبية في عهد دي لا إسبرييلا. ففي أيامه الأولى في السلطة، اتخذت حكومته موقفين لافتين من نزاعين إقليميين قديمين: الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، وتغيير موقف كولومبيا من الصحراء الغربية لصالح المغرب.
وبحسب مصادر صحفية، فإن حالة الصحراء الغربية، استندت الحكومة الجديدة إلى الموقف الدولي لتبرير تحولها، بينما اختارت في حالة الجولان الخروج عن الموقف الذي حافظت عليه الأمم المتحدة منذ عقود، والانضمام إلى الولايات المتحدة في الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على المنطقة.
وهذا التباين يساعد على قراءة القرار خارج حدود الصراع السوري الإسرائيلي. فبدلًا من استمرار النهج الذي اتبعه غوستافو بيترو، والذي سعى إلى منح كولومبيا هامشًا أكبر في سياستها الخارجية بعيدًا عن واشنطن ودفع بعلاقاتها مع إسرائيل إلى واحدة من أدنى نقاطها، تشير الخطوات الأولى لدي لا إسبرييلا إلى إعادة تموضع سريعة باتجاه الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويكتسب الجولان دلالة خاصة في هذا السياق، لأن الموقف الدولي منه ظل مستقرًا نسبيًا منذ أن رفض مجلس الأمن عام 1981 قرار إسرائيل فرض قوانينها وإدارتها على المنطقة، واعتبر الخطوة "باطلة ولاغية وليس لها أثر قانوني دولي". ولم يخرج عن هذا الموقف سوى اعتراف إدارة دونالد ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان عام 2019.
لذلك، لا يغير القرار الكولومبي الوضع القانوني للجولان بقدر ما يغير موقع كولومبيا نفسها من القضية، من كونها دولة كانت جزءًا من الإجماع الدولي بشأن الأراضي السورية المحتلة، إلى ثاني دولة، بعد الولايات المتحدة، تعترف بالسيادة الإسرائيلية عليها.
وبهذا المعنى، يصبح قرار الجولان واحدًا من أول المؤشرات الملموسة إلى حجم القطيعة التي يريد دي لا إسبرييلا إحداثها مع عهد بيترو. وما يزال مبكرًا تحديد المدى الذي ستصل إليه هذه القطيعة، لكن القرارات الأولى تشير إلى أن التقارب مع واشنطن وإسرائيل لن يكون مجرد تعديل في العلاقات الثنائية، بل قد يصبح أحد المحاور التي يعاد حولها بناء السياسة الخارجية الكولومبية.








